المحتوى محمي
Al-Majarra Al-Majarra Al-Majarra
المحتوى محمي
حكومي

كيف نجحت 4 شركات أوكرانية في الاستمرار على الرغم من الحرب؟

أشارت بعض التقديرات إلى تراجع الأجور الحقيقية في الشركات الخاصة بنحو 27% خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب، بينما يُعتقَد أن نحو 11% من الشركات في أوكرانيا قد أُغلِقت تماماً.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية، تصميم: أسامة حرح)

تكمل الحرب في أوكرانيا عامها الأول حالياً، وقد تطوّرت هذه الحرب على الصعيد العالمي لتصبح حرباً بين روسيا والغرب عموماً، وتسبّبت بخسائر لا يمكن إدراكها، ومشاعر لا يمكن نسيانها، وشرّدت ملايين الناس من بلادهم.

وكانت معاناة قادة الأعمال الأوكرانيين مضاعفة حيث واجهوا التحدّيات الجيوسياسية والعنف والنزاع المحلّيَّين، حتى إن بعضهم قد قضى سنة الحرب ضمن صفوف المقاتلين. وهذا كلّه بالتوازي مع نضالهم للحفاظ على شركاتهم ومتابعة أعمالها، وهو ما قالوا إنه ضروري لمستقبل أوكرانيا.

وكان أثر الحرب على اقتصاد أوكرانيا مُدمِّراً، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 30% العام الماضي وفقاً للبنك الدولي، ويقدّر البنك أن إعادة بناء البنية التحتية المتضررة سيكلّف نحو 350 مليار دولار. كما أشارت بعض التقديرات إلى تراجع الأجور الحقيقية في الشركات الخاصة بنحو 27% خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب، بينما يُعتقَد أن نحو 11% من الشركات في أوكرانيا قد أُغلِقت تماماً.

ومع ذلك، فقد نجا معظم الشركات خلال هذا العام المشؤوم، سواء من خلال تبنّي استراتيجيات الأعمال في زمن الحرب، أو تغيير مجال تركيزها نحو المجهود الحربي، أو حتى الانتقال إلى البلدان المجاورة للاستفادة من عملاء جدد والاستمرار في العمل.

وفي الأيام التي سبقت الذكرى السنوية الأولى للصراع، قابلت فورتشن (Fortune) أربعة رؤساء تنفيذيين مجدداً بعد لقاء سابق معهم خلال الأشهر الأولى من الحرب، وبينما يصرّون على أن تجاربهم خلال الـ 12 شهراً الماضية ليست غريبة بين الأوكرانيين، فإن كلاً منهم يروي قصة مفجعة وملهمة في آن واحد.

من صيد الروبيان إلى ساحة المعركة

منذ أكثر من عام، كان رئيس شركة الخدمات المالية التي تتخذ من كييف مقراً لها فين ستريم (FinStream)، سيرجي بوزنياك، يصطاد الروبيان (سرطان البحر) على متن يخت في منطقة البحر الكاريبي ويستمتع بوقته حينئذ.

ومن المدهش أنه ما زال محافظاً على ابتسامته حتى وقتنا هذا، إذ إن لا شيء آخر في حياة بوزنياك الحالية يشبه ما كانت عليه حتى بداية عام 2022، فعندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، سارع بوزنياك للانضمام إلى كتيبة الحرس الوطني (National Guard) التي خدم فيها بين عامي 2014 و2016، وقضى الأشهر التسعة الأولى مع الكتيبة على الخطوط الأمامية حتى شهر نوفمبر/تشرين الثاني، حيث فقد قدمه اليمنى نتيجة معركة مدفعية شرسة ضد مرتزقة مجموعة فاغنر الروسية في غابة كريمينا شرق أوكرانيا، واستغرق زملاؤه نحو سبع ساعات في إنقاذه عبر المستنقعات والغابة، وخضع لاحقاً لبتر ساقه في مشفى بمدينة كييف حيث يتعافى حالياً.

وقال بوزنياك الذي يبلغ من العمر 48 عاماً في مكالمة عبر تطبيق زووم وهو يبتسم: "لقد تغيّرت حياتي في غضون يومين، اعتدت على أن أكون رجل أعمال ومالك شركة مالية، لكنهم يصفونني الآن على قنوات التلفاز بأنني أحد أفضل ثلاثة قناصين في أوكرانيا". وعلى الرغم من أنه كان جندياً احتياطياً قبل الحرب، إلا أنه يقول إن تحولّه من رجل أعمال إلى محارب مخضرم هو أمر صعب الفهم.

وأقنع بوزنياك الأطباء بالسماح له بمغادرة المستشفى في أوائل فبراير/شباط لبضع ساعات على عكازين، وذلك لمقابلة رئيس البنك الوطني الأوكراني (Ukraine’s National Bank) لإطلاق صندوق تمويل لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم على المشاركة في إعادة الإعمار الضخمة المتوقعة بعد الحرب، ويمكن أن يكون الصندوق شريكاً رئيسياً لشركة فين ستريم حيث تجذب الشركة المستثمرين وتوفر التمويل لمثل هذه الشركات.

وعانت شركة فين ستريم من انخفاض بنسبة 10% فقط في الإيرادات خلال الحرب وفقاً لبوزنياك، إذ حققت إيرادات بقيمة 6 ملايين دولار في العام السابق، وهو ما اعتبره بوزنياك إنجازاً وإسهاماً قيّماً في اقتصاد أوكرانيا، إذ قال: "لقد حققنا الكثير من الإنجازات، وسوف نواصل العمل لتحقيق إنجازات جديدة عندما تنتهي الحرب".

وحتى ذلك الحين، سيخضع بوزنياك لإعادة تأهيل مكثفة، ومن المقرر أن يسافر إلى نيويورك الشهر المقبل ليحصل على قدم اصطناعية بمساعدة مؤسسة كايند ديدس (Kind Deeds) وهي مؤسسة متخصصة في علاج جرحى الحرب في أوكرانيا.

مكالمة من أرض المعركة

في اليوم الذي غزت روسيا فيه أوكرانيا في فبراير/شباط الماضي، انضم الرئيس التنفيذي لشركة إدارة الأصول التي تبلغ قيمتها 500 مليون دولار وتتخذ من كييف مقراً لها بلاك شيلد كابيتال غروب (BlackShield Capital Group)، سيرجي زويكوف، إلى جموع المحاربين على الرغم من أنه لا يملك أي خبرة حربية، إذ انضم إلى كتيبة متطوعين ثم انتقل إلى ميدان المعركة بعد تدريب قتالي قصير.

وكان مسار حياة زويكوف الذي يبلغ من العمر 40 عاماً غير متوقع بعد هذا التحوّل، حيث قال عبر مكالمة هاتفية متقطّعة، من ميدان حرب في باخموت شرق أوكرانيا، إنه يشعر بأنه يرى "الجحيم على الأرض"، وإنه يشهد معركة طاحنة من أجل البقاء تشبه الحرب العالمية الأولى، ووصف خطوط التماس في شرق أوكرانيا بأنها "خطيرة للغاية".

وفي مقابلته الأولى مع فورتشن في مايو/أيار الماضي، توقّع زويكوف أن يتغير مجتمع الأعمال بشكل كبير بسبب الحرب، وأن يفصل بين أولئك الذين اختاروا القتال في الحرب والذين نأوا بنفسهم عنها. لكن الحال الآن أسوأ من المتوقّع، إذ يقاتل زويكوف الذي أصبح جندياً مخضرماً في أعنف حرب شهدتها أوروبا منذ 80 عاماً ويقاوم الآثار المعنوية لهذه الحرب، وقال: "لقد فقدنا العديد من الأصدقاء من كتيبتنا التطوعية"، وأوضح أن 115 جندياً قد لقوا حتفهم على مدار ثلاثة أيام، وأضاف: "كانت الأشهر الماضية صعبة للغاية".

وعلى الرغم من ذلك كلّه، فإن زويكوف مصمم على استمرار عمل شركته ويعتبر ذلك بأهمية العمل الحربي تماماً، مؤكداً على رأي بوزنياك. إذ عمل مسؤولون تنفيذيون آخرون في شركة بلاك شيلد على توسيع أعمالها في أوروبا ودبي بينما كان زويكوف متوقفاً عن العمل لصالح المشاركة في الحرب، وقال: "لقد كان عاماً صعباً للغاية على الأسواق المالية بسبب الحرب والتضخم، لكن السوق الآن تنمو، ونعتقد أن الوضع سيعود هذا العام لما كان عليه في بداية الحرب".

ويعتقد زويكوف أن خبرته في مجال الشركات كانت قيّمة في الحرب، إذ قال: "من أفضل المهارات القدرة على التكيف، لقد ساعدتني على الانخراط في العمليات الحربية على أكمل وجه".

مأساة أم فرصة؟

قبل أسابيع من بدء الحرب منذ عام، خزّن أناتولي أميلين الذي يبلغ من العمر 45 عاماً ذخيرة واشترى بندقية، تحضيراً للقتال فيما إذا غزت روسيا أوكرانيا.

لكن مدير الاستراتيجية والاستثمار في شركة تيتانيرا (TitanEra)، التي تعد منتِج التيتانيوم الرئيسي في مدينة دنيبرو بشرق أوكرانيا، قد رُفِض من الخدمة الحربية بسبب آثار السكتة الدماغية التي تعرض لها قبل سنوات، والتي أدّت لإصابته بالرؤية المزدوجة (double vision).

لذا قرر أميلين التركيز على عمله الثاني كعضو في مجلس إدارة شركة السكك الحديدية الوطنية الأوكرانية (Ukraine’s National Railways)، وكان ذلك أمراً بالغ الأهمية، فمع إغلاق المطارات الأوكرانية كافة منذ 24 فبراير/شباط الماضي (2022)، اعتمدت أوكرانيا على السكك الحديدية لنقل معظم أسلحتها وملايين اللاجئين، كما أعادت الشركة بناء 29 جسراً من أصل 69 جسراً دُمِّرت في الحرب حتى الآن.

ويقول أميلين في مكالمة من دنيبرو القريبة من خط المواجهة: "لم يتوقّع أحد أن تصمد أوكرانيا أكثر من عدة أيام عندما بدأت الحرب، لكننا أدركنا أننا إذا لم نساعد بعضنا بعضاً، فلن نهزم روسيا أبداً"، وأوضح أن الرؤساء التنفيذيين قد تعاونوا أيضاً خلال العام الماضي، حيث جمعت مجموعة منهم في كييف نحو 50 ألف دولار في خمس ساعات لتلبية طلب الجيش تمويلاً عاجلاً في أوائل فبراير/شباط على حد قوله.

وقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا بنحو 30% خلال العام الماضي بسبب الحرب، ما أجبر الرؤساء التنفيذيين مثل أميلين على إعادة التفكير بشكل جذري في استراتيجية شركاتهم، كما استولت القوات الروسية على أحد مناجم شركة تيتانيرا ونهبته.

ومع ذلك، احتفظت الشركة بجميع موظفيها البالغ عددهم 650 موظفاً، 20 منهم يقاتلون حالياً في الحرب. وشركة تيتانيرا هي عضو في مجموعة فيلتا (Velta) التي تضم مجموعة من شركات التيتانيوم، وتوفّر هذه المجموعة نحو 2% من التيتانيوم الخام عالمياً، ويخطط قسمها الأميركي للاكتتاب العام في بورصة ناسداك (Nasdaq) عام 2025. وقد بدأت شركة فيلتا مفاوضات مع مسؤولين في بعض الولايات الأميركية لبناء مصنع في الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا العام.

وحتى في ظل الحرب، يخطط الاقتصاديون وخبراء الأعمال في أوكرانيا لكيفية إنشاء اقتصاد ما بعد الحرب يكون أفضل من ناحية الإدارة والحد من الفساد. ويقول أميلين: "من المهم جداً بناء مستقبل أوكرانيا بعد الحرب، لأن الحرب ليست مجرد مآسٍ وخسائر، بل إنها أيضاً فرصة لبناء دولة جديدة ذات جودة حياة أفضل".

لا بيعاً اضطراري على الرغم من الحرب

أدّى الصراع إلى انخفاض ملحوظ في عدد الموظفين لدى بعض الشركات، حيث فرّ بعضهم من البلاد وقضى آخرون العام في ميدان المعركة.

ومن تلك الشركات شركة يو إم جي إنفستمنتس (UMG Investments)، وهي شركة استثمارية في كييف تدير ثلاث محافظ استثمارية. فبعد مرور عام على الحرب، بلغ هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك وإهلاك الدين (EBITDA) لشركة يو إم جي ما بين 20%-25% مما كان عليه قبل الحرب، إذ كان يبلغ حينئذ 150 مليون دولار سنوياً، وانخفض حجم محافظها الاستثمارية بشكل ملحوظ، كما خفضت الشركة عدد موظفيها من نحو 5,000 إلى 1,100 موظف فقط، وهناك 130 موظفاً منهم متوقفون عن العمل لصالح المشاركة في الحرب.

ويقول الرئيس التنفيذي للشركة أندريه غوروخوف الذي يبلغ من العمر 46 عاماً: "لم يكن هناك بيع اضطراري للأصول، لقد بذلنا قصارى جهودنا للتخلّي عن كل شيء اعتقدنا أنه غير ضروري فقط". وتحدّث غوروخوف مع فورتشن من وارسو التي انتقل إليها مع زوجته وطفليه بعد الغزو الروسي في فبراير/شباط الماضي. فعلى عكس معظم الرجال الذين تقلّ أعمارهم عن 60 عاماً، سُمِح له بمغادرة البلاد لأن زوجته تعاني من مرض التصلب الجانبي الضموري (amyotrophic lateral sclerosis).

وقال غوروخوف إنه بدأ البحث عن مستثمرين جدد في أوروبا بالتزامن مع إعادة هيكلة شركته، وذلك بعد أن خلص إلى أن أوكرانيا لن تعود على الأرجح إلى وضعها الطبيعي في أي وقت قريب.

وقال: "نعتقد أن هناك احتمال كبير لئلا تنتهي الحرب هذا العام، لذا كان علينا إيجاد نظام يساعد الشركة على الاستمرار". وأضاف إن شركة يو إم جي قد شهدت أرباحاً في عام 2022 على الرغم من الحرب، ومنحت للمستثمرين توزيعات أرباح، وأوضح أن كل ذلك مهم بالنسبة لأوكرانيا. وختم قائلاً: "سوف تنهار الشركة إذا كان أداؤنا سيئاً، وبالتالي لن تحصل الحكومة على التمويل اللازم للوفاء بالتزاماتها الاجتماعية والعسكرية".


image
image