المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

لماذا لا يقود السفارات رجال أعمال؟

ما الذي يدفع دبي لافتتاح مكاتب لتمثيلها تجارياً والترويج لمبادراتها الريادية، في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى إلغاء المكاتب والانتقال للتواصل عن بعد؟

بقلم


money

رئيس تحرير "فورتشن العربية"، رئيس المحتوى في "شركة مجرة" (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

قبل أيام أطلقت دبي مشروعاً يسمى "دبي جلوبال" يهدف لتأسيس خمسين مكتباً للترويج التجاري لدبي في القارات الخمس. إنها سفارات من نوع جديد، لكنها مكاتب هدفها ليس سياسياً، بل جذب المستثمرين ورواد الأعمال من حول العالم إلى هذه الإمارة التي تهدف لأن تصبح مركز الجذب العالمي لأصحاب المهارات والمواهب وأصحاب المشاريع. 

حسناً، ما الذي يدفع دبي لافتتاح مكاتب حقيقية لتمثيلها تجارياً والترويج لمبادراتها الريادية، في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى إلغاء المكاتب والانتقال للتواصل عن بعد؟ يقول أحد العاملين في المشروع لإذاعة محلية في دبي: إن الفكرة تعتمد على افتتاح هذه المكاتب في المدن العالمية الكبرى التي تشهد نشاطاً محموماً في الاستثمار ومشاريع رواد الأعمال وأصحاب المهارات. والهدف هو لفت الأنظار عبر هذه المكاتب التي ستشهد لافتات تذكر أنها مكاتب دبي العالمية، وتشجع المستهدفين على زيارة هذه المقرات ليجدوا موظفين يديرونها من أبناء بلدانهم ومدنهم، وليتحدثوا إليهم ويسألوهم ويسمعوا منهم العروض المغرية التي تقدمها دبي للانتقال إليها كمستثمرين أو رواد أعمال أو أصحاب مهارات. ستكون هذه المكاتب -كما ترون- سفارات حقيقية للجذب الاقتصادي تعتمد على التواصل البشري المباشر، وتستحق كما يرى القائمون عليها ما سيُستثمر في تأسيسها والترويج لها من أموال. 

ثمة تجربة مشابهة قام بها مكتب أبوظبي للاستثمار حينما افتتح عدة مكاتب تمثيلية في لندن وبكين وسان فرانسيسكو وتل أبيب وفرانكفوت وباريس، وقد بدأت هذه المكاتب تفعل فعلها في جذب الاستثمارات وأصحاب المواهب إلى أبوظبي والإمارات. وتتكامل هذه السفارات الجديدة مع برامج ومبادرات قوية لمنح الإقامة الذهبية في الإمارات لأصحاب المهارات والمشاريع والراغبين في العمل عن بعد.

وفي السياق ذاته، طرحت الإمارات والسعودية مشاريع عن منح الرخص التجارية والاستثمارية افتراضياً عبر سفاراتها في الخارج، وهو ما سيحوّل السفارات إلى ممارسة دور جديد في تعزيز اقتصادات بلدانها والترويج لها بشكل حقيقي. وقد كان هذا النموذج هو الذي صدرته دولة أستونيا للعالم؛ فدولة إستونيا التي تتصدر في التحول الرقمي الحكومي، والتي تزيد نسبة الخدمات الحكومية فيها عبر الإنترنت على 95%، تتعامل مع سفاراتها الرسمية على أنها مقرات لجذب الاستثمار وتسجيل الشركات بالدرجة الأولى. وأذكر أنني كنت في زيارة لهذا البلد قبل سنوات قليلة، والتقيت رئيس البرلمان وعدداً من المسؤولين، وكانوا يومها يتحدثون بأن بلدهم ذو موارد محدودة وليست لديهم القدرة على افتتاح سفارات في كل بلدان العالم، وكانوا حينذاك يدرسون الجدوى الاقتصادية باستفاضة لافتتاح سفارة في الشرق الأوسط مقرها دولة الإمارات. وفعلاً حصل ذلك في عام 2019، عندما قرروا أن افتتاح السفارة في الإمارات أمر مجدٍ اقتصادياً.

الفكرة التي نعرفها في المنطقة العربية عن دور السفارات، هي أن كوادرها مشغولون بالولائم والدعوات الرسمية و"البريستيج" والظهور في صور المناسبات التي تنشرها المجلات الفنية، بينما الدور المفترض أعمق من ذلك، إذ يتحدث المفكر السعودي الراحل غازي القصيبي في كتابه "حياة في الإدارة" عن الفترة التي عمل فيها وزيراً للاقتصاد، كيف كان سفراء الدول الغربية يزورونه باستمرار للبحث عن فرص استثمارية لشركات من بلدانهم، والتدخل بشكل مزعج أحياناً لحل مشكلات مستثمري بلادهم والتوسط لهم في العقود. 

فكرة المراكز التجارية، أو البعثات التجارية التابعة للسفارات، ليست جديدة، ولكنها كانت في معظم الأوقات شكلية، ولا تحظى بالدعم اللازم لتعزيز دورها في جذب الاستثمارات والترويج لكافة القطاعات في بلدانها، وعدم الاكتفاء بالقطاعات الحكومية، بل تمثيل القطاع الخاص أيضاً، والبحث عن فرص استثمارية تناسبه والدفاع عنه. وما نشهده اليوم، هو إعادة بعث لهذا الدور المفقود في بلداننا العربية. وربما يتطلب هذا لأول مرة أن نسأل عن الخلفية التي يفترض أن يتم اختيار السفراء على أساسها. وهنا أذكر مقالاً لرجل الأعمال بدر جعفر بعنوان "رواد الأعمال السفراء الجدد في الاقتصاد العالمي"، وعلى الرغم من أن المقال يتحدث عن دور رواد الأعمال كسفراء غير رسميين، لكن ماذا لو كانوا رسميين؟ وماذا لو كان السفير رجل أعمال؟ عندئذ سيكون -باعتقادي- هو الأنسب في هذا العالم الذي يعتمد المصالح في علاقاته أكثر من أي وقت مضى. هذا العالم يحتاج لدبلوماسية رجل الأعمال في الاقتصاد والسياسة معاً.


image
image