المحتوى محمي
المحتوى محمي
نفط وطاقة

داخل طائرة "رولز رويس" التي حطمت الرقم القياسي لسرعة الطائرات الكهربائية

واجهت شركة "رولز رويس" في البداية صعوبات في شراء البطاريات التجارية الجاهزة لإكمال الشهر الأخير من تجارب الطائرات الجديدة، إلا أنها تمكنت من تفادي هذه الصعوبات لاحقاً.

بقلم


money

(مصدر الصورة: رولز رويس)

قدمت مجموعة "رولز رويس بي إل سي" (Rolls-Royce Plc) الشهر الماضي إنجازاً تاريخياً جديداً. إذ حطمت الطائرة الكهربائية الجديدة "سبيريت أوف إنوفيشن" (Spirit of Innovation) ذات المقعد الواحد التي صنعتها شركة تصنيع المحركات الرقم القياسي للسرعة بلا انبعاثات، وذلك بوصولها إلى سرعة 556 كيلومتر (345 ميل) في الساعة في مسافة 3 كيلومترات، ثم إلى أقصى سرعة مقدرة بـ 623 كيلومتر في الساعة.

والمهمة الصعبة الآن هي تحويل هذا الإنجاز إلى نموذج تجاري. عندما وضعت شركة "رولز رويس" منذ ثلاث سنوات هدفاً ببناء أسرع طائرة كهربائية في العالم، وتعاونت مع شركتين بريطانيتين هما شركة تزويد معدات النقل "واي أيه إس أيه" (YASA) المملوكة من قبل شركة "دايملر" (Daimler)، وشركة هندسة الطيران الناشئة "إلكتروفلايت" (Electroflight)، فقد كانت تخطط إلى إنجاز إضافي وهو اكتساح سوق الطيران الكهربائي المزدحم.

ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، تسير الشركة الهندسية البريطانية البالغ عمرها 115 عاماً بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفها. إذ تتطلع الشركة التي تصنع محركات طائرات "بوينغ 787 دريملاينر" (Boeing 787 Dreamliner) و"آير باص 350" (Airbus 350) إلى بناء نظامي طيران كهربائي يعملان بالدفع في المستقبل القريب؛ أحدهما لمركبات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية (eVTOL) لنقل نحو 4 ركاب وذلك بحلول عام 2024، والثاني لطائرة نقل صغيرة بالتعاون مع الخطوط الجوية النرويجية الإقليمية "ويديرو" (Widerøe).

وقد أوضح مدير مشروع "سبيريت أوف إنوفيشين" لـ "فورتشن" ماثيو بار أن الشركة تركز حالياً على النقل الحضري الجوي وهو سوق المركبات الكهربائية التي تحمل بين 4 و6 ركاب وتتطلع إلى طرح أول مركبة بين 2025 و2026، وعلى نطاق أكبر فإنها تتطلع إلى سوق النقل الإقليمي الذي سوف يضم طائرات تحتوي من 9 إلى 19 مقعداً. وفي هذا المجال فهي تتطلع إلى تصنيع طائرات كهربائية بالكامل وهجينة بحلول عامي 2028 و2030.

إن نجاح هذه المشاريع ليس مضموناً تماماً، والسبب الأول هو الصعوبات التنظيمية، إذ أن وحدات التاكسي الطائرة، التي تعرف أيضاً باسم المركبات الكهربائية التي تقلع وتهبط عمودياً، أو (eVTOLs)، التي تجوب المراكز الحضرية تظل مركبات غير مختبرة وتفتقر للقوانين التنظيمية، والسبب الثاني هو أن هذا المجال جديد كلياً لشركة "رولز رويس".

إذ أن خبرة الشركة الطويلة تقع في مجال تصميم وبناء محركات الاحتراق بالكيروسين العملاقة، بينما سوف يتطلب مجال الطيران الكهربائي مهاراتٍ هندسية جديدة بالنسبة للشركة، والقطاع الصناعي عموماً. وبذلك، فإن بناء طائرة "سبيريت أوف إنوفيشن" الصغيرة وتشغيلها يعتبر خطوة مهمة للشركة. ويُذكر أن هذا الإنجاز قد تم بمساعدة الشركاء وبتمويل 50% من الحكومة البريطانية.

لكن السبب الأكبر بالنسبة لشركة "رولز رويس" هو عدم وجود سلاسل توريد جاهزة لخدمة مجال الطيران الكهربائي، وغياب القطع اللازمة لبناء الطائرات.

نظام خالي من الانبعاثات

لتحقيق الأهداف المذكورة، تعمل شركة "رولز رويس" لبناء نظام طاقة متكامل خالي من الانبعاثات قابل للاستخدام في مركبات النقل الجوي الحضري والطائرات الصغيرة. ولن يخدم هذا النظام المحركات الكهربائية فقط، بل سوف يخدم الأجهزة  التي تدير الكهرباء وتوجهها، ونظام الأسلاك، وبطاريات تخزين الطاقة. بالإضافة إلى الحاجة لمعدات دعم بعد الشراء، مثل شبكة دعم العملاء، وتدريب قيادة هذه الطائرات.

ولم تجر التجارب بسلاسة تماماً، إذ واجهت شركة "رولز رويس" في البداية صعوبات في شراء البطاريات التجارية الجاهزة لإكمال الشهر الأخير من تجارب الطائرات الجديدة.

ولمواجهة هذه الصعوبات، لجأت الشركة إلى القطاع الذي بدأت الشركة من خلاله من الأساس قبل الانفصال عنه في مرحلة ما بعد الحرب، وهو قطاع السيارات. إذ انسحبت شركة "رولز رويس" من قطاع صناعة السيارات في تسعينيات القرن الماضي للتركيز على الطيران، والدفاع، وأنظمة الطاقة.

وبفضل براعة المهندسين الذين استعانت الشركة بهم في حلبة سباق "الفورمولا إي" (Formula E) الكهربائي، ومشروع "بلود هاوند لاند سبيد" (Bloodhound Land Speed) البريطاني لتحطيم الأرقام القياسية للنقل البري، فقد نجحت الشركة في تحطيم الرقم القياسي السابق لسرعة السيارات الكهربائية من خلال استخدام خلايا بطاريات كهربائية جاهزة تمكّنت من شرائها بالكميات المطلوبة من شركات أخرى مثل "باناسونيك" (Panasonic).

وقد أوضح بار، وهو مدير أعمال المستهلكين في شركة "رولز رويس"، أن السبب الرئيسي وراء هذه الخطوة هو التعمق في منظومة بيئة الأعمال، ومعرفة المؤثرين الأساسيين، وإقناعهم بفرص التحول نحو سوق الطيران.

وقد أشار إلى إطلاق شركة "واي أيه إس أيه" شركتها الجديدة "إيفوليتو" (Evolito) الذي يدل على نية شركات تصنيع السيارات التوسع إلى سوق تصنيع الطائرات.

وسوف تستثمر شركة "رولز رويس" نحو 80 مليون جنيه استرليني (105 مليون دولار) في العقد القادم لتطوير قطاع الطائرات الكهربائية، ويأتي هذا الاستثمار بعد استحواذ على شركة أنظمة دفع الطائرات الكهربائية "إي آيركرافت" (eAircraft) التابعة لشركة "سيمنس" (Siemens) عام 2019، التي حازت الرقم القياسي السابق للسرعة.

وهناك الكثير من الجوانب على المحك، إذ يُعد قطاع النقل الجوي مسؤولاً عن انبعاث 915 مليون طن من غاز "ثاني أكسيد الكربون" (CO2)، أي نحو 12% من إجمالي انبعاثات قطاع النقل، وذلك حسب مجموعة عمل النقل الجوي "أيه تي أيه جي" (ATAG). ومن ناحية أخرى، فإن هذا القطاع يعتبر من أصعب القطاعات لتخفيف انبعاثاتها، إذ أن غالبية انبعاثات CO2 تنبعث إلى الغلاف الجوي من الرحلات الجوية التي يتجاوز طولها 1,500 كيلومتر، حيث لا يوجد بديل صديق للبيئة قابل للاستخدام، ولن يكون هناك بديل حتى عام 2050 على الأقل بحسب تصريحات شركة "رولز رويس".

إذ علّق بار، أنه بالنسبة للطائرات الكبيرة مثل الطائرات الإقليمية التي تتسع لـ 80 راكباً، فإنه من الأفضل اعتماد محركات الدفع الكهربائية الهجينة. إذ لا يمكن الانتقال للاعتماد على الكهرباء كلياً، بسبب عدم القدرة على حمل بطاريات كافية.

صناعة السيارات بصفتها نموذج عمل

إن الاستعانة بقطاع صناعة السيارات ليس أمراً مفاجئاً، نظراً لكونه السبّاق في الانتقال إلى تطوير عمليات خالية من الكربون. وقد تغلب القطاع سابقاً على أزمة توريد مماثلة تتعلق بالبطاريات الكهربائية منذ فترة ليس بطويلة، وفي كل الأحوال، هناك الكثير من التعاون بين القطاعين.

إذ اقترح مهندسو العلامة التجارية المخصصة للأداء العالي في مجموعة "فولكس فاغن" (Volkswagen)، وهي شركة "بورش" (Porsche)، الاستعانة بقطاع السكك عند التخطيط لصنع أول سيارة كهربائية في أواخر عام 2015، وذلك لخبرة هذا القطاع مع أنظمة القدرة العالية، لبناء النظام الكهربائي الأعلى من 800 فولت الموجود في سيارة "تايكان" (Taycan) الكهربائية.

ومع ذلك، فإن قطع تبديل السيارات والطائرات ليست قابلة للتبديل، إذ أن جزء من مشكلة تبديل محركات الاحتراق بالمحركات الكهربائية في الطائرات هو عملية فيزيائية.

ويقدر الرئيس التنفيذي لشركة "تيسلا" (Tesla) إيلون ماسك أن قطاع النقل الخالي من الانبعاثات يصبح سوقاً جذاباً من الناحية التجارية عندما تصبح مجموعات خلايا البطاريات الواحدة (التي تتضمن الموصلات ووحدات التحكم) قادرة على توفير 400 واط في الساعة لكل كيلو غرام، وهو فرق كبير عن القدرة التي تحتاجها السيارات الكهربائية. وبكل الأحوال، فإن هذه المستويات من النقل الجوي ليست ممكنة بالتكنولوجيا الحالية.

وقد علّق بار على هذا الموضوع قائلاً أن البطاريات لم تصل إلى مستوى وقود الطائرات فيما يتعلق بكثافة الطاقة المقدمة، لكنها تكفي لمسافة 100 ميل بحري، وهي مسافة كافية لعمل التاكسي في مناطق الضواحي والمدن. إذ تقدر الحسابات أنه لنقل 4 أو 6 ركاب للمسافات المذكورة، فإنه يلزم حزمة بطاريات بقدرة من 200 إلى 220 واط في الساعة لكل كيلوغرام.

ويساوي الميل البحري (1.15 ميلاً) نحو دقيقة من خط العرض في الخرائط الملاحية، وهو وحدة قياس دولية معتمدة لقياس المسافات الطويلة جداً بحيث يبدأ انحناء الأرض بالظهور.

وقد قال بار: "لاجتياز مسافة 200 ميل بحري، حيث نتكلم عن الطائرات ثابتة الأجنحة، فإنك تصل إلى الأرقام التي طرحها ماسك حالما تؤمن الاحتياطات اللازمة".

القدرة المذكورة سابقاً تتجاوز قدرة بطاريات طائرة "سبيريت أوف إنوفيشن" البالغة 165 واط في الساعة لكل كيلوغرام بشكل ملحوظ، لكن بار صرّح أن فريقه قد اعتمد على البطاريات المنتجة سابقاً في عام 2018 للسيارات الكهربائية.

إذ أوضح أن العمل يجري على قدم وساق ضمن سلسلة التوريد في الشركة لتحديد مصادرة توريد البطاريات في المستقبل، وأنهم يختبرون حالياً نموذج بطاريات من شركات أخرى تحقق الأهداف التجارية الشركة لعام 2025.

ارتفاعات كبيرة ودارات قصيرة

هناك مشكلة أخرى تتمثل في معايير أمان أنظمة القدرة العالية اللازمة لتسيير الطائرات المدعومة بالبطاريات. إذ يؤدي الضغط المنخفض عند الارتفاعات العالية إلى تقليل مقاومة المواد العازلة، إلى جانب تجمد الماء عند درجات الحرارة المنخفضة، وقد تؤدي هذه الأسباب مع مرور الوقت إلى حدوث ماس كهربائي في أسلاك الدارة الكهربائية ونشوب حريق على متن الطائرة.

وقد صُممت طائرة "سبيريت أوف إنوفيشن" من ناحية السرعة استناداً إلى هيكل طائرة "نيميسيس إن إكس تي" (Nemesis NXT)، وهي الطائرة الأسرع في فئتها، وطارت على ارتفاع 500 متر فقط فوق سطح الأرض خلال تجربة تجاوز الرقم القياسي.

وعلق بار قائلاً أن شركة "رولز رويس" قضت وقتاً طويلاً في دراسة تأثير الارتفاع خلال برنامج تصنيع طائرات "إي-فان إكس" (E-Fan X) بالشراكة مع شركة "آيرباص" (Airbus)، وقد حصلت الشركة خلال ذلك الوقت على الكثير من النتائج فيما يخص التغلب على المشاكل الممكنة.

وبالمقارنة، فقد اتخذ الشريك السابق "آيرباص" مساراً معاكساً. ففي نيسان/أبريل 2020، تخلت إيرباص بالكامل عن النظام الكهربائي في طائرات الركاب التي تنتجها بعد مشاركتها في مشروع "إي-فان إكس"، وأعلنت بعد نصف عام عن نيتها إنهاء العمل على طائرة تعمل بالهيدروجين في عام 2035، في خطوة وصفتها الشركة بأنها "المستقبل" بسبب مهل التسليم الطويلة في صناعة الطائرات.

وبخلاف صناعة السيارات، فإن قطاع تصنيع محركات الاحتراق للطائرات في شركة "رولز رويس" غير معرض لخطر الزعزعة في أي وقت قريب. وهو مؤشر إيجابي بالنسبة للشركة باعتبار أن هذا القطاع مسؤول عن 42% من إجمالي عائدات مجموعة "رولز رويس" البالغ 11.8 مليار جنيه استرليني.

وفي حين أن الشركة قد صرّحت أن الطريق إلى تحقيق انبعاثات صفرية سوف يخلق المزيد من فرص الأعمال، فإنها تعتقد أن التقنيات الجديدة كلياً لن تؤدي دوراً مهماً في تحويل القطاع إلى قطاع خالي من الكربون بحلول عام 2050.

وعلق بار أنه عند التفكير في القطاع من خلال الرحلات التي تنقل أكثر من 150 مسافراً لمسافات طويلة في موسم الأعياد، فإن الحديث يكون عن وقود الطيران المستدام.


image
image