المحتوى محمي
المحتوى محمي
استثمار

كيف تغتنم الشركات الفرص التي يوفّرها الانتقال إلى الاقتصاد الصديق للبيئة؟

قدّرت شركة ماكنزي أنه يجب زيادة الاستثمار في الأصول المادية لأنظمة الطاقة واستخدام الأراضي بنحو 3.5 تريليونات دولار سنوياً حتى عام 2050 للوصول لصافي الانبعاثات الصفرية.

بقلم


money

(مصدر الصورة: David Mcnew -Getty Images)

يشهد العالم حالياً تحديات مثل التضخم المرتفع، والصراع في أوكرانيا، وعدم الاستقرار السياسي، وارتفاع أسعار الوقود. وقد جعلت هذه التحديات الموازنة بين أمن الطاقة وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة أكثر صعوبة من أي وقت مضى. ومع ذلك، تعهّد أكثر من ثلث أكبر الشركات العامة في العالم بالوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050، والعدد آخذ في الازدياد، حيث تجاوز الثلثين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وقد تكون هذه الشركات على الطريق الصحيح لتؤدي دورها، ففي وقت سابق من هذا العام، قدّرت شركة ماكنزي (McKinsey) أنه يجب زيادة الاستثمار في الأصول المادية لأنظمة الطاقة واستخدام الأراضي بنحو 3.5 تريليونات دولار سنوياً حتى عام 2050 للوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية، وهو ما يعتبر أكبر مبلغ مُخصَّص لهذه الأهداف على الإطلاق.

ولن تدع الشركات الكبرى والقادة تحدّيات المرحلة الراهنة تمنعهم من اتخاذ القرارات وتخصيص الاستثمارات الضخمة اللازمة لتحقيق الانتقال إلى الاقتصاد الصديق للبيئة، وإن الشركات التي تتخذ قرارات جريئة ستنجح في خلق أنواع جديدة من القيمة الدائمة للمستقبل واغتنام الفرص الجديدة في السوق، أما الشركات التي لن تفعل ذلك، فسوف تقضي العقود القادمة تحاول اللحاق بركب السوق فقط. ولتحقيق الانتقال إلى الاقتصاد الصديق للبيئة، يجب بناء نظام عالمي للطاقة موثوق ونظيف وآمن وميسور التكلفة، والسر لتحقيق ذلك يكمن في الموازنة بين الواقعية والمثالية.

ومن المهم بداية إدراك حجم التحدّي وصعوبته، ففي الوقت الحالي، يعتبر الفحم الحجري والغاز والنفط مصدر 80% من إمدادات الطاقة العالمية. ومع حلول فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فإن تكاليف الطاقة تشغل بال الكثير من الناس أكثر من أهداف انتقال الطاقة، كما أن الوصول إلى مصادر الطاقة يعتبر أولوية قصوى في العالم النامي الذي لم يكن له يد في أزمة التغير المناخي.

ومع ذلك، من الممكن للشركات المساهمة بشكل فعّال في الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية، وذلك بالتوازي مع ضمان الوصول إلى مصادر الطاقة وتوفير القيمة للمساهمين، وهنا تبرز ثلاثة مبادئ أساسية:

اغتنام الفرص التي يوفّرها الانتقال إلى الاقتصاد الصديق للبيئة

يُظهِر تحليل شركة ماكنزي أن الطلب على الخدمات الصديقة للبيئة في 11 قطاعاً فقط يمكن أن يُنتِج مبيعات سنوية تتجاوز 12 تريليون دولار بحلول عام 2030، وهذا يفسر الاتجاه إلى تخصيص رأس المال في السلع والخدمات المستدامة، بما فيها المواد وتكنولوجيا المناخ والطاقة. وإن اعتماد عقلية الأسهم الخاصة خطوة ضرورية لتحقيق الانتقال المذكور، وتعني هذه العقلية الاستثمار على نطاق واسع في مجموعة متنوعة من التكنولوجيات وأنواع الصفقات المختلفة.

الاستثمار في الحلول الحالية والمستقبلية

يعتبر تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050 هدفاً طموحاً، لكن ما يزال أمامنا 28 عاماً لتحقيقه. وبالنسبة للشركات، يتمثل الحل العملي في الموازنة بين التحرّكات المدروسة قصيرة الأجل والاستثمارات الضخمة طويلة الأجل، ويمكن البدء من خلال إزالة الانبعاثات الكربونية من العمليات الأساسية عبر تغييرات مجدية اقتصادياً مثل الكفاءة، والتصميم، والحد من النفايات، واعتماد مصادر طاقة أنظف. 

وبالتوازي مع ذلك، يمكن للشركات إدخال التكنولوجيات الناشئة تدريجياً والتركيز على العمليات، مثل اعتماد حلول حديثة لشبكة الطاقة وتحويل أنظمة توصيل الميثان (أي الغاز الطبيعي المُسال) إلى شبكات وقود نظيف، والتي ستكون ضرورية لإزالة الكربون على المدى الطويل.

ومع احتمال تشديد قوانين الانبعاثات الكربونية، سوف تضطر القطاعات عالية الانبعاثات مثل الصلب والإسمنت والتعدين والمواد الكيميائية والطاقة إلى دمج تكنولوجيات مثل التقاط الكربون واحتجازه وتخزينه (CCUS) والهيدروجين وتخزين الطاقة والانبعاثات السلبية. وعلى الرغم من أن هذه الحلول كانت باهظة الثمن إلا أن تكاليفها آخذة في الانخفاض.

عقد الشراكات

سيكون ضمان المرونة والربحية في أثناء تكثيف الجهود للوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية أمراً معقّداً إذا قررت الشركات القيام بذلك بمفردها، وهذا ما لا يجب أن يحدث، إذ إن عقد الشراكات قد يُذلّل المصاعب.

وأحد الخيارات الممكنة هو تأسيس أسواق الكربون الطوعية وتوسيعها، والتي يمكن أن تكون وسيلة ذات كفاءة عالية لتقليل الانبعاثات، وتوفّر هذه الأسواق أفضل فائدة في حال تعدد الأطراف التي تبيع الانبعاثات وتشتريها.

ويمكن لأسواق الكربون الطوعية أيضاً أن تجعل الاستثمارات في الطاقة النظيفة ميسورة التكلفة وأن تسرّع من تحقيق هذه الاستثمارات. كما يمكن لتحالفات الوقود النظيف، مثل تلك التي تتطور حول الدول المُنتِجة للهيدروجين، تسريع الابتكار وتقليل المخاطر وتوزيع التكاليف على عدة أطراف.

وليس من المؤكد بعد إذا ما كانت دول العالم ستفعل ما يجب فعله لتخصيص الـ 3.5 تريليونات دولار اللازمة سنوياً لتحقيق الانتقال إلى الاقتصاد الصديق للبيئة، لكن ما هو مؤكد أن الشركات يمكن أن تؤدي بدورها لدعم الانتقال وخلق مصادر جديد للميزة التنافسية في آن معاً، والخيارات المتاحة هنا أمام الشركات هي إما أن تشارك في قيادة التغيير وإما أن يجرفها هذا التغيير بلا حول ولا قوة.


image
image