المحتوى محمي
المحتوى محمي
نفط وطاقة

هذه هي العوامل الثلاثة التي سترسم ملامح سوق النفط في 2023

مع استمرار حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، قد تواجه أسواق النفط مسيرة مضطربة جديدة في عام 2023 أيضاً.

بقلم


money

دانييل يرغين، نائب رئيس شركة إس آند بي غلوبال (مصدر الصورة: Christopher Goodney- Bloomberg- Getty Images)

من المتوقَّع أن تستمر تقلبات سوق النفط التي شهدناها في العام الحالي حتى العام المقبل، لكن ذلك خاضع لتأثير ثلاثة عوامل جيوسياسية واقتصادية عالمية. 

وكانت أسعار النفط مضطربة بشكل ملحوظ هذا العام، حيث كانت أسعار خام برنت ترتفع بالفعل في بداية عام 2022 مع انتعاش الاقتصاد العالمي بعد التباطؤ الناجم عن الجائحة، ووصل السعر إلى 130 دولاراً للبرميل خلال مارس/آذار في ظل محادثات حظر واردات النفط من روسيا في أعقاب غزوها أوكرانيا.

وساهم ارتفاع أسعار النفط في ارتفاع التضخم وأسعار الوقود في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام، لكن معظم هذه المكاسب اختفت منذ ذلك الحين بسبب انخفاض الطلب في الصين وموافقة الرئيس الأميركي بايدن على استخدام 180 مليون برميل من احتياطي البترول الاستراتيجي الأميركي في مارس/آذار الماضي. ومع استمرار حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، قد تواجه أسواق النفط مسيرة مضطربة جديدة في عام 2023 أيضاً. ويتوقّع نائب رئيس شركة إس آند بي غلوبال (S&P Global) وأحد كبار مؤرخي الاقتصاد والطاقة، دانييل يرغين، أن تتراوح أسعار النفط بين 70 و121 دولاراً للبرميل العام المقبل.

وقال يرغين في مقابلة مع قناة سي إن بي سي (CNBC) يوم الثلاثاء إن الاتجاه الذي سوف يسلكه النفط يرتبط بشكل كبير بأداء الاقتصاد العالمي في عام 2023، وتطوّرات الحرب في أوكرانيا، ووضع الصين بعد الخروج من مرحلة الحد من انتشار جائحة كوفيد. وأضاف يرغين قائلاً: "توقعاتنا الأساسية في عام 2023 لأسعار خام برنت هي 90 دولاراً للبرميل، لكن يجب النظر في قضايا أخرى ذات صلة".

مستقبل غير واضح المعالم، لكن هل تنخفض أسعار النفط؟

إن التوقعات الأساسية من شركة إس آند بي غلوبال لسعر خام برنت عند 90 دولاراً للبرميل في العام المقبل تتماشى مع توقعات مماثلة من بنوك استثمارية مثل غولدمان ساكس (Goldman Sachs) وجيه بي مورغان (JPMorgan)، لكن يرغين شدّد على أن العوامل الجيوسياسية العالمية الحرجة يمكن أن تُحدِث تقلّبات شديدة في السوق.

وقال يرغين إن أدنى سعر متوقّع لأسعار النفط هو 70 دولاراً للبرميل العام المقبل في حالة حدوث "ركود فعلي". ويتوقع الاقتصاديون في الولايات المتحدة أن احتمال حدوث ركود في عام 2023 يبلغ 70% بعد أن رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة ست مرات هذا العام مع المزيد من الزيادات المرتقبة في أوائل العام المقبل. وبالتوازي مع ذلك، من المحتمل حدوث ركود قبل نهاية عام 2022 في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، إن لم يكن قد بدأ بالفعل.

وحذّر البنك الدولي في تقرير آفاق أسواق السلع (Commodity Outlook Report) لشهر أكتوبر/تشرين الأول أيضاً من أن الركود العالمي قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط بشكل كبير في العام المقبل، قائلاً إن "احتمال حدوث ركود عالمي قد يؤدي إلى استهلاك أضعف بكثير للنفط".

هل يُعقل أن ترتفع أسعار النفط عوضاً عن ذلك؟

على النقيض مما سبق، يمكن أن تتلقى أسعار النفط "تعزيزات ملحوظة" إذا سارت سياسة الصين الخاصة بالحد من انتشار جائحة كورونا كما هو مخطط لها، كما قال يرغين، حيث توقّع أن يصل السعر إلى 121 دولاراً للبرميل إذا نجحت الصين في إعادة الإقلاع بنجاح.

وكان الطلب العالمي على النفط ضعيفاً هذا العام، ونجم ذلك جزئياً عن عمليات الإغلاق العديدة التي فرضتها الصين، والتي خففت من إنفاق المستهلكين والنشاط الاقتصادي. وبدأت الصين في رفع قيود كوفيد الصارمة في وقت سابق من هذا الشهر في محاولة لتنشيط النمو الاقتصادي، لكن مستقبل الطلب على الطاقة في البلاد ما يزال غير واضح.

وقد حذّر مسؤولو الصحة في الصين من أن التحول المفاجئ في سياسات التعامل مع الجائحة قد يؤدي إلى انتشار "هائل" لحالات العدوى، وقد أجبر تفشّي المرض حتى الآن موظفي المكاتب على العمل من المنزل والمصانع على الإغلاق. وتوقّعت وكالة إس آند بي غلوبال أن يرتفع طلب الصين على الطاقة بما يعادل 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً العام المقبل، مقارنة بثبات الطلب فعلياً في عام 2022، ومن المرجح أن يستغرق التعافي بعض الوقت. وقال المحلل في شركة تحليلات الطاقة أويل كيم (OilChem)، تشانغ شياو، في جلسة عبر الإنترنت الأسبوع الماضي: "قد تظل رغبة الناس في الخروج محدودة في الشهر أو الشهرين المقبلين لأن معظم المدن لم تشهد حتى الآن تفشي المرض بشكل كبير، ولن تشهد السوق انتعاشاً في الطلب على البنزين حتى شهر مارس/آذار على الأقل غالباً".

تحرّكات بوتين غير القابلة للتوقُّع

أوضح يرغين أن العامل الثالث الذي يمكن أن يساهم في تقلّب سوق النفط في العام المقبل هو تأثير فرض أوروبا سقفاً للسعر على واردات الطاقة الروسية، وكيف سيتفاعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معها.

واتّفق المسؤولون الأوروبيون هذا الأسبوع على وضع سقف (حد أقصى) لأسعار الغاز الطبيعي الروسي لدرء أزمة الطاقة في القارة والحد من المدفوعات التي تتلقّاها روسيا، ووفقاً للآلية المقترحة، سوف يتوقّف التداول لمدة ثلاثة أيام في البورصات الأوروبية إذا تجاوزت الأسعار 180 يورو (نحو 190 دولاراً) لكل ميغاواط ساعي، ما يضع سقفاً للسعر الذي يمكن تداول الغاز به. كما وافق الاتحاد الأوروبي في وقت سابق من هذا الشهر على وضع سقف لسعر النفط الروسي المستورد عند 60 يورو للبرميل.

وقال يرغين إن آليات سقف السعر "ستنجح على الأرجح"، لكنها قد تمهّد الطريق لارتفاع أسعار الغاز والنفط في المستقبل. ولم يتقبّل الكرملين قرار وضع سقف لأسعار النفط بشكل جيد، حيث وصفه بوتين بأنه "قرار غبي" و"ضار بأسواق الطاقة العالمية"، كما أوضح في مؤتمر صحفي في وقت سابق من هذا الشهر أن روسيا ستدرس إمكانية خفض الإنتاج إذا لزم الأمر. وإذا قرّرت روسيا خفض إنتاج النفط، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعاره في العام المقبل، وهو سيناريو ما يزال معقولاً وفقاً لتقرير بحثي حديث من مركز بروغل (Bruegel)، وهو مركز أبحاث اقتصادي وسياسي مقرّه بروكسل.

وكتب باحثو مركز بروغل: "قد يقطع الكرملين الصادرات بغض النظر عن سقف السعر في محاولة لرفع أسعار النفط العالمية"، مضيفين إن روسيا قد تسعى إلى التحايل على السقف حتى لو كان ذلك يعني انخفاض الأرباح، وحتى لو أضر قطع الصادرات روسيا، فقد يقرر الكرملين القيام بذلك للإشارة على استعداده لتحمل الآثار الاقتصادية".


image
image