المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

مستقبل العمل يحتاج عقداً اجتماعياً جديداً بين الموظفين وأصحاب العمل

على مدى السنوات القليلة الماضية، تجاوزت نفقات المعيشة أجور الموظفين بصورة واضحة بسبب التضخم، وهو اختلاف قد تفاقم أيضاً بسبب اضطرابات سلاسل التوريد ونقص العمالة الناتجين عن الجائحة.

بقلم


money

مارتين فيرلاند، الرئيسة والمديرة التنفيذية في شركة ميرسر (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

دفعتنا الاضطرابات المرتبطة بالجائحة خلال السنوات الثلاث الماضية التي تلت الجائحة إلى إعادة التفكير كلياً في الطريقة التي نعيش بها وأحدثت تغييراً كبيراً في مكان العمل وبيئته، وتشهد الشركات بعد حقبة الجائحة عالماً جديداً تغيّرت فيه مؤشرات قياس فعالية الشركة وقدرتها التنافسية والجودة.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تجاوزت نفقات المعيشة أجور الموظفين بصورة واضحة بسبب التضخم، وهو اختلاف قد تفاقم أيضاً بسبب اضطرابات سلاسل التوريد ونقص العمالة الناتجين عن الجائحة.

وفي الوقت نفسه، كافحت أماكن العمل مع أزمة صامتة تماثل الجائحة، وهي أزمة صحة عقلية واسعة النطاق تفاقمت بسبب العزلة والقلق من العدوى والاضطرابات المجتمعية خلال فترة الجائحة.

كما أدّت الجائحة إلى توسيع الفجوة الرقمية وتسريع الأتمتة في جميع القطاعات، ما يدفع العمال وأصحاب العمل على حد سواء إلى اكتساب مهارات وقدرات جديدة.

وقد اجتمع القادة من مختلف الحكومات والشركات والمجتمع المدني في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد مؤخراً في دافوس لمعالجة القضايا العالمية وإيجاد سبل للتعاون في عالم مفكك الأوصال.

ويجب أن تكون التحديات التي تواجه القوى العاملة حالياً على طاولة تلك المحادثات، حيث تتقبّل الشركات الدروس المستفادة من الجائحة وتحاول إعادة تنظيم أنفسها لتصبح أكثر مرونة وتتماشى مع احتياجات الموظفين في الوقت الراهن.

الأجور العادلة والبحث المُضني عن المواهب

اتضح جلياً بعد الجائحة أن على الشركات تطوير أشكال جديدة من العقد الاجتماعي والعقد النفسي مع موظفيها.

وفي ضوء ذلك، سوف يترتّب على العديد من الشركات ابتكار طرق جديدة لتحقيق الربحية مع ضمان تقديم مكافآت ومزايا تنافسية كفيلة بجذب المواهب الخبيرة والاحتفاظ بها، وذلك للتوفيق بين احتياجات المساهمين والموظفين وأصحاب المصلحة الآخرين. كما يجب على الشركات ذات التفكير الاستشرافي ضمان دعم الصحة البدنية والعقلية للموظفين، وحماية رفاهتهم المالية، وتهيئتهم لمستقبل العمل.

وإلى جانب ذلك، سيتوجب على أصحاب العمل التفكير في نهج العمل نفسه، وطرح بعض الأسئلة باستمرار مثل: كيف يمكننا أن نجعل العمل أكثر مرونة لموظفينا؟ وما العوائق التي يمكننا إزالتها لجعل العمل أكثر سلاسة؟ وكيف يمكننا التغلب على العقبات التي تقف في طريقنا لنصبح شركة مرنة؟ وفي كثير من الحالات، سيعني ذلك التخلي عن هياكل العمل التقليدية أو تحويلها لنماذج عمل أكثر مرونة تماماً.

أزمة الصحة العقلية

كشفت الجائحة أيضاً عن الآثار العقلية والبدنية التي يمكن أن يلقيها العمل على الموظفين، لا سيما مع استمرار الشركات في استكشاف معالم نظام العمل الهجين، ومعاناة الموظفين مع تبعات الجائحة.

وقبل الجائحة، كان يعاني ما يقرب من 21% من البالغين الأميركيين بالفعل من تحديات مرتبطة بالصحة العقلية، ومنذ ذلك الحين، كان للاضطرابات المرتبطة بالجائحة أثر كبير في تفاقم تحديات الصحة العقلية للموظفين، حيث يلاحظ العديد من الشركات الأميركية مؤشرات الاحتراق الوظيفي.

وفي ظل هذه الأزمات المتفاقمة، يجب على الشركات إيجاد طرق لمعالجة مخاوف الصحة العقلية بشكل مناسب لتجنب الاحتراق الوظيفي لدى الموظفين، وللاستمرار في جذب المواهب والاحتفاظ بها، خاصةً مع اعتبار الموظفينتوفُّر دعم الصحة العقلية عاملاً مهماً في اتخاذ قراراتهم المهنية والعملية المستقبلية.

لذلك، ينشئ العديد من الشركات أنظمة دعم لمعالجة مخاوف الموظفين المتعلقة بالصحة العقلية. وكشف تقرير توجهات المواهب العالمية (Global Talent Trends) من شركة ميرسر (Mercer)أن 86% من الشركات التي شملها التقرير قد وفّرت دعماً للصحة العقلية، مثل زيادة إمكانية الوصول إلى برامج المساعدة، وتوفير الوصول إلى تطبيقات الصحة العقلية، والرعاية الافتراضية الفورية عند الطلب.

ويجب أن تستند مزايا الصحة العقلية الملائمة إلى نهج شامل يأخذ في الاعتبار أيضاً آثار الصحة البدنية على الرفاهة العقلية، ويمكن استخدام تدابير لدعم الرفاهة العقلية للموظفين مثل تحديد ساعات (وقت) العمل المتوقّعة، والتعويضات العادلة، وترتيبات العمل المرنة.

ثورة صقل المهارات واكتسابها

أدّت الاضطرابات الناجمة عن الجائحة إلى تسريع الاتجاهات الحالية في الأتمتة والرقمنة، وهو ما يتطلّب من الموظفين وأصحاب العمل اكتساب مهارات جديدة تتوافق مع هذا التغيير. ومن المرجح أيضاً أن تتغيّر مهارات العمل المطلوبة بشكل كبير خلال السنوات القليلة المقبلة حسب ما ورد في تقرير مستقبل الوظائف (Future of Jobs Report) لعام 2020 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث يُقدّر أن غالبية الموظفين بحاجة إلى إعادة صقل مهاراتهم (أو اكتساب مهارات جديدة مثلاً) بحلول عام 2025.

ومع تقدّم التكنولوجيا، سيصبح تزويد الموظفين بالموارد اللازمة لاكتساب مهارات جديدة أمراً ضرورياً بشكل متزايد للشركات التي تتطلع إلى بناء فرق عمل مرنة وقادرة على التكيّف وتتمتع بإمكانيات حديثة.

ومن المزايا التي ستكون في طليعة احتياجات الموظفين في المستقبل فرص تحسين المهارات، أو ما يسمّى "تصميم الوظائف"، والذي يتيح للموظفين إنشاء وصف وظيفي خاص بهم يتماشى مع مهاراتهم. ويجب على الشركات، التي تتطلع إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق العمل وجذب أفضل المواهب، أن تتكيف مع هذه المقاييس الجديدة، وأن تلبّي احتياجات القوى العاملة المستقبلية.

وإن تعزيز ثقافة عمل تتبنّى التعلم المستمر وتزويد الموظفين بأدوات التطوير المهني وموارده سيكون خطوة جوهرية للحفاظ على القدرة التنافسية من خلال تجنب خسائر انتقال الموظفين إلى وظائف جديدة وفقدان الموظفين الخبراء.

وتجدر الإشارة إلى أن طبيعة العمل تشهد تغيراً منذ وقت ملحوظ قبل الجائحة، لكن الجائحة قد أدّت إلى تسريع هذا التغير بطريقة مماثلة للأثر الدائم الذي تركته على حياتنا الشخصية، حيث زادت من أثر ذلك التغيّر في أماكن العمل في العديد من الحالات.

وفي ضوء ما سبق، انضمّت شركة ميرسر ومجموعة من الشركات ذات التفكير المماثل إلى تحالف العمل الجيد (Good Work Alliance) من المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو مبادرة عالمية عابرة للقطاعات تستند إلى خبرات القطاعات العام والخاص والأكاديمي والمجتمع المدني ومساهماتهم للعمل معاً لإيجاد مستقبل عادل وشامل للعمل.

وعلى الرغم من أننا ربما لم نشهد نهاية تأثير الجائحة على عالمنا بعد، فقد أصبح واضحاً أنه لا يمكننا المضي قدماً دون معالجة المشاكل التي نشأت عن أحداث العامين الماضيين، وتعديل منظورنا حول شكل أماكن العمل الجيدة.


image
image