المحتوى محمي
المحتوى محمي
بيئة العمل

كيف ستبدو ملامح العمل عن بُعد في المستقبل؟

يجب على الشركات التي بذلت جهداً كبيراً خلال سنوات النمو الاقتصادي المفرط الأخيرة في سياق الاقتصاد الكلّي أن تعدّل نماذج أعمالها للحفاظ على ميزاتها التنافسية، ولتعويض أثر الاقتصاد الكلي على الموارد.

بقلم


money

(مصدر الصورة: Teera Konakan- Getty Images)

نسمع حالياً قصص العديد من الرؤساء التنفيذيين الذين يبحثون جاهدين عن خطط لـ "مقاومة الركود" في شركاتهم دون التخلي عن استراتيجيات النمو الخاصة بهم، وذلك في ظل مخاوف الانكماش الاقتصادي العالمي التي تلوح في الأفق بشكل ملحوظ. 

وقد أتيحت لي الفرصة في منتدى فورتشن العالمي (Fortune Global Forum) المُقام مؤخراً في نيويورك للحديث عن تنبؤات العام المضطرب القادم مع رؤساء تنفيذيين آخرين، والاستماع إلى آراء الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان تشيس، جيمي ديمون، فيما يتعلق بتغيّر معالم السوق.

والفكرة الأولى هي أنه يجب على الشركات التي بذلت جهداً كبيراً خلال سنوات النمو الاقتصادي المفرط الأخيرة في سياق الاقتصاد الكلّي أن تعدّل نماذج أعمالها للحفاظ على ميزاتها التنافسية، ولتعويض أثر الاقتصاد الكلي على الموارد مع عدم إغفال ابتكارات المنتجات والسوق.

إذ يتعيّن على القادة موازنة ما تقترحه المقاييس والبيانات مع ما تعلّموه من تجاربهم وخبراتهم حول الإدارة الفعّالة، وذلك لتحقيق النجاح في أوقات الانكماش. وبصفتي المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة كانت تعمل عن بُعد بالكامل منذ تأسيسها في عام 2010، وتوظّف الآن موظفين في أكثر من 140 دولة، يمكنني أن أؤكد أن الالتزام بالعمل عن بُعد والتوظيف العابر للحدود قد كانا عاملَين أساسيين لنمونا في أوقات الازدهار والكساد.

وقد اختبرنا نموذج العمل الخاص بنا خلال العديد من التحولات والتقلبات المفاجئة، بما فيها ركود الأجور والتعافي والصراعات المحلية والدولية. ونثق تماماً أن هذه ليست مجرد وصفة جديدة للنجاح حسب تجربة شركة توبتال (Toptal)، بل إنها طريقة عمل الشركات الناجحة.

تحوّل في إشارات التصحيح، وليس ركوداً.

يعتقد الاقتصاديون أن الركود هو مؤشر متأخر (trailing indicator)، أي لا يمكننا معرفة نتائج أي حدث إلا بعد مضي وقت ملحوظ عليه. وإن خبرتنا في الإدارة التنفيذية تجعلنا ندرك أن حالة عدم اليقين هذه هي واحدة من أكثر بيئات العمل المحفوفة بالمخاطر، إذ تدفعنا للتراجع عن العديد من الابتكارات الأساسية والمبادرات الاستراتيجية، وانحسار زخم الأعمال بالنتيجة، كما تنطوي على الكثير من البحث والتطوير أو التكاليف الموروثة التي لا تُِدرُّ عائدات في فترة الانكماش الاقتصادي، وبذلك لا يتبقى لدى الشركة موارد كافية لانتهاز الفرص عندما يبدأ التعافي الاقتصادي.

وأجرت العديد من الشركات عمليات تسريح جماعي خلال فترات الركود السابقة، كما خفضت ميزانياتها على نطاق واسع، وانتظرت ظهور بوادر انتعاش قبل استئناف نموّها. لكن الاضطرابات الاقتصادية الحالية هي حالة جديدة من التصحيح، ولن نشهد في المستقبل النموذج التقليدي للموظفين الذين ينتظرون أجورهم لمجرد إعادة إنفاقها.

وعلى الرغم من محاولات السياسات النقدية لتهدئة سوق العمل، لن نرى في النظام الاقتصادي المقبل فائضاً من المهنيين الخبراء العاطلين عن العمل والذين ينتظرون أجراً وعملاً من مكتب ذي إطلالة خلّابة، بل سيكون العكس، إذ سيصبح النفوذ في يد هؤلاء الموظفين بعد مرحلة التصحيح الحالية، وسوف يفضّلون الشركات التي تتيح العمل عن بُعد.

هل نودّع مفهوم الوضع القائم؟

نعمل في شركة توبتال مع شبكة من أصحاب المواهب الذين جرى توظيفهم بعملية دقيقة، وتتضمن هذه الشبكة آلاف الموظفين حول العالم. وما تعلّمته من هذه التجربة هو أن أفضل الموظفين موهبة وخبرة لن يعودوا للعمل من المكتب، بل يستفيدون من تميّزهم وندرة خبراتهم ويعتنقون روح الريادة الشخصية.

والأهم من ذلك أن الراتب لم يعد عامل الجذب الوحيد للموظفين، إذ تسود المرونة والاستقلالية في سوق المواهب اليوم، وتنطوي على تركز النفوذ بيد الموظفين، وليس من مصلحة الشركات أن تقف في طريق هؤلاء الموظفين.

وفي ضوء ذلك، انتهى عصر الافتراض التقليدي القائل بأن الشركات يمكنها ببساطة التحكم بشؤون الموظفين وأجورهم للسيطرة على الإيرادات في فترات الانكماش، وأصبح من غير الممكن إخفاء الحقيقة القائلة بأنه سيكون هناك نقص في القوى العاملة اللازمة لملء الوظائف الشاغرة العالمية بنحو 30 مليون شخص بحلول عام 2030.

كما تتضح أزمة النقص المذكورة في الوقت الراهن، إذ إن ملايين الوظائف في مجال تطوير البرمجيات وأمن تكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية ما تزال شاغرة، وهذا يؤدي إلى انخفاض أداء الشركات وزيادة تكلفة العمالة.

كما أنه هناك فجوة بين الأسعار التي يتكبدّها المستهلكون والأجور التي يتلقّونها في كل مكان، وهو اتجاه غير مرضٍ لقادة الأعمال والمستهلكين على حدٍ سواء. لذا لا يمكن لأساليب العمل القديمة أن تلبي متطلبات المستقبل، وسيكون للاقتصاد القادم عدة قواعد جديدة.

ثق بالنتائج

في الوقت الذي كنّا نوسّع فيه نموذج عمل شركة توبتال من منصة لزعزعة سوق العمل المستقلّ العالمي لتصبح أكبر شركة من ناحية عدد الموظفين العاملين عن بُعد، حرصنا أيضاً على مراقبة معالم الاقتصاد المقبل عن كثب.

وقد اختبرت كافة قطاعات الأعمال كفاءة العمل عن بُعد حتى المرحلة الراهنة، لذا فإن الخطوة التالية هي إضافة نموذج التوظيف العابر للحدود، والذي سيمكّن الشركات من خفض التكاليف ومواصلة الاستثمار في الابتكار اللازم لدفعها في أوقات الشدة والرخاء.

ومن النتائج المثيرة للاهتمام أن أصحاب المواهب العاملة عن بُعد والعابرة للحدود هم وسطاء أساسيون للكفاءة والابتكار في السرّاء والضرّاء، كما أن الشركات التي تعتمد نموذج التوظيف العابر للحدود وتعزّز عقلية الجدارة فعلياً وبعيداً عن القيود الجغرافية التي عفا عليها الزمن هي التي تقود قطاعاتها وتثبت أن العمل عن بُعد بالكامل هو ببساطة النموذج الأفضل.

كما توفّر هذه الشركات فرصاً تتجاوز برامج التنوع والشمول التقليدية وتدابيرها، وهذا يؤكد أن أثر نموذج العمل الجديد لا يقتصر على الشركات، إذ إن الشركات التي تعتمد العمل عن بُعد والعابر للحدود تخدم المجتمع بطرق لا تستطيع الشركات التقليدية حتى التفكير فيها.

وختاماً نقول إن مستقبل العمل سيكون خالياً من الممارسات البالية للشركات التقليدية والحواجز الحدودية التي عزّزت أوجه القصور والتفاوت، وسيكون قائماً بالكامل على الجدارة الفعلية حيث ستبرز ألمع الأفكار وأفضل النتائج وسترجح كفة المواهب.


image
image