المحتوى محمي
بيئة العمل

ما يحتاج الشباب السوري إلى معرفته في موسم الهجرة إلى الإمارات

تتطلب الهجرة إنفاق السوريين ما يملكونه على السفر والإقامة في الإمارات بحثاً عن عمل، إلا أن اندفاعهم للسفر يصطدم غالباً بواقع لا يتخيلونه.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية)

تنطلق من دمشق يومياً طائرتان على الأقل باتجاه الإمارات العربية المتحدة، واحدة تتبع "السورية للطيران" وأخرى لـ"أجنحة الشام"، تحملان سوريين يطمحون بـ"فرصة عمل العمر" كما يسميها البعض، بينما تحمل رحلات العودة من انتهت فترة زيارتهم المحددة بشهر أو ثلاثة أشهر دون الحصول على الفرصة المنشودة.

يعود أولئك وقد أنفقوا مدخراتهم خلال أشهر الزيارة، على أمل العثور على الاستقرار المادي والمعنوي المفقود في سورية التي حلت في المرتبة 158 من أصل 167 دولة حول العالم على"مؤشر ليغاتوم للإزدهار" لعام 2021، بينما اختيرت العاصمة دمشق كأسوأ مدن العالم للمعيشة عام 2019، وفقاً لتصنيف "إكونوميست إنتلجنس يونيت" التابعة لمجلة "الإكونوميست" البريطانية.

دوافع الهجرة

انتعش موسم هجرة السوريين إلى الإمارات في العامين الأخيرين مدفوعاً بعدة عوامل، أهمها تزايد الضغوط الداخلية كالانخفاض الشديد في قيمة العملة، وتدني الرواتب قياساً بالأسعار، وزيادة التضخم مقابل تدني الخدمات وغياب الكهرباء وشح المحروقات.

انخفضت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار نحو 98.61% منذ 2011 حينما كان كل دولار يساوي 50 ليرة، بينما كل دولار اليوم يساوي 2,525 ليرة وفق السعر الرسمي وحوالي 3,600 ليرة وفقاً للسعر غير الرسمي.

وكل ذلك تزامن مع انفتاح دولة الإمارات للتعامل مع الحكومة السورية وإعادة افتتاح سفارتها بدمشق في عام 2018، وتسهيل سفر السوريين إليها بتكلفة منخفضة مؤخراً.

اندفاع السوريين للسفر إلى الإمارات، والذي يطلب إنفاق ما يملكونه على السفر والإقامة في الإمارات بحثاً عن عمل، يصطدم غالباً بواقع لا يتخيلونه، من صعوبة الحصول على فرصة عمل واختلاف مؤهلاتهم عن متطلبات سوق العمل الإماراتي والارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.

"يومياً أصادف سوريين دون عمل"، يقول عادل عمران ذو الـ23 عاماً والذي لا يزال يبحث عن فرصة عمل في دبي تناسب خبراته وعمله السابق في سورية بمجال التصميم والديكورات، علماً أنه يحمل شهادة معهد هندسي، فالعثور على عمل بالإمارات لم يكن سهلاً كما كان متوقعاً قبل سفره منذ شهرين تقريباً.

مدير وكالة القائد للسياحة والسفر في إمارة عجمان، ناصر الحازم، أكد لفورتشن العربية أن إقبال السوريين على السفر إلى الإمارات بغرض البحث عن عمل بدأ بشكل "متزايد جداً" منذ سبتمبر/أيلول 2020 عندما سمحت الإمارات للسوريين بالحصول على تأشيرة الدخول بغض النظر عن العمر أو الجنس، بعد أن كانت تتطلب شروطاً معينة.

لكن، اقبال السوريين لم يستمر بنفس الزخم، بل انخفض في ديسمبر/كانون الثاني، لسببين بحسب اعتقاد مدير الوكالة، أحدهما تأخر صدور جوازات السفر في سورية، والثاني هو حصول البعض على معلومات من أشخاص سافروا إلى هناك، تفيد بأن العثور على عمل ليس أمراً سهلاً كما يتخيلون.

كيف توفّر في إيجار السكن؟

عادل يشغل وقته حالياً في البحث عن عمل عبر منصات إلكترونية تطرح العديد من الفرص يومياً، وبالكاد يستطيع تحصيل 1,500 درهم شهرياً (نحو 408 دولارات) من عمله الحر (Freelancer) كمصمم للصور كي يؤمّن على الأقل ثمن طعامه وشرابه وإيجار الغرفة المشتركة في دبي والتي تصل أجرة السرير فيها إلى 700 درهم (نحو 190.7 دولار) شهرياً، وفقاً لحديثه.

الغرفة التي يسكن بها عادل و4 شباب سوريين آخرين، لا تحوي حماماً ولا مطبخاً مستقلاً، لكنها تشترك مع غرفة أخرى بذلك، في حين يبقى خيار استئجار غرفة مستقلة ومخدّمة له وحده، بعيدة المنال، كون إيجارها الشهري يفوق راتبه.

ووفقاً للعروض المنشورة على مجموعات فيسبوك الخاصة بالسوريين في الإمارات، يتراوح إيجار الاستوديو (غرفة صغيرة) في دبي وأبوظبي بين 3,500 – 5,000 درهم (كل 1 دولار = 3.67 درهم)، في حين يتراوح بين 2,000 – 3,000 درهم في الشارقة وعجمان مع كافة الخدمات، وتبدأ إيجارات الأسرّة في الغرف المشتركة من 400 درهم وتصل إلى ألف درهم في دبي وأبوظبي، بينما تنخفض أدنى 400 درهم في الشارقة وعجمان.

أسامة الجارح، مصمم جرافيك من سورية يعمل بإحدى الشركات في الإمارات من سنتين، نصح السوريين القادمين حديثاً، بالسكن ضمن شقق مشتركة ريثما يعثرون على عمل، بينما نصح القادمين بعقود عمل، استئجار غرفة وصالة في الشارقة بنحو 1,500 درهم شهرياً، وشراء سرير وخزانة ملابس وثلاجة بنحو 1,500 درهم، وأن يقوموا بفرشها تدريجياً، ليوفروا التكاليف لاحقاً عند الانتقال من شقة لأخرى.

التخطيط قبل السفر

يبدأ سعر الفيزا إلى الإمارات بالنسبة للسوريين، من 550 درهماً بمدة شهر و1,100 درهم للفيزا بمدة 3 أشهر، بينما تصل تكلفة استخراج الإقامة إلى 5,000 درهم، والأوراق المطلوبة تتضمن صورة جواز سفر، وصورة شخصية وصورة البطاقة الشخصية.

ويرى مدير وكالة القائد ناصر الحازم، أن لدى أغلب السوريين بعض الأخطاء في إدارة السفر الخاص بهم ما يسبب لهم الصدمة عند وصولهم، فقبل السفر عليهم تأمين السكن، إضافة إلى رصد تكاليف السفر بدقة مع تأمين مبلغ مالي يغطي تكاليف الطعام والشراب لعدة أشهر حتى يتمكنوا من العثور على عمل، إضافة إلى أن معظمهم يسعى للسكن في دبي أو أبوظبي مباشرة، علماً أن تكاليف السكن هناك مرتفعة جداً، بينما لديهم عدة خيارات أرخص كقادمين جدد، منها البحث عن سكن في الشارقة أو عجمان.

"العمل متوفر في جميع القطاعات والفرص بالآلاف لمن لديهم كفاءات وشهادات جامعية وخبرة عمل، لكن 80 – 90% من الشباب السوريين لا يعلمون كيف يبحثون عن عمل باتباعهم الطرق التقليدية"، وفقاً للحازم، فهم يحملون السيرة الذاتية باليد ويزورون الشركات عشوائياً، وهذه نقطة يجب الانتباه إليها، لأن فرص العمل بالإمارات تنشر عبر منصات الشركات أو تطبيقات إلكترونية خاصة.

وقد يستغرق الرد على طلبات العمل المقدمة عبر التطبيقات الإلكترونية عدة أسابيع أو أشهر وفقاً لسوريين في الإمارات، ما لا يناسب حالة القادمين بفيزا زيارة لمدة شهر أو ثلاثة أشهر كحد أقصى.

شروط الحصول على وظيفة مناسبة

يقول عادل، إن "من يطمحون للعمل برواتب من 4,000 درهم وما فوق، هم بحاجة إضافة إلى الشهادة الجامعية، للخبرة وإتقان اللغة الانجليزية، وهناك شركات في الإمارات تشترط أن تكون خبرة العمل قد تحققت ضمن الدولة أو في شركات عريقة، لأن خبرات العمل خارج الدولة أو لدى جهات لا تملك سمعة، غير مفضّلة لدى الغالبية.

كثير من أصحاب الأعمال في دول الخليج قادمون من خلفيات وجنسيات متعددة بحسب خبير الإدارة والموارد البشرية، محمد عمرو صادق، وهؤلاء يهتمون بتقييم مدى الجدارة في العمل، فمجرد إبراز الشهادات لا يكفي، ومن المهم تزويد جهات التوظيف، بتفاصيل عن الخبرات العملية والمشاريع المتعلقة.

وبعد تطور التعليم في دول الخليج وافتتاح فروع لجامعات عالمية، بات هناك وفرة بالقوة البشرية المؤهلة سواء محلية أو أجنبية وزادت المنافسة على فرص العمل، بحسب صادق، الذي أكد أن التطور الاقتصادي العالمي جعل الفرص محصورة بالمتميزين والمتابعين لتطورات مهنتهم، وهؤلاء من يحصلون على الرواتب المرتفعة عكس العمالة التقليدية.

ويرى بعض السوريين في الإمارات، والذين شاركوا تجربتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أن البحث عن فرصة عمل بالشركات الشهيرة والكبيرة في الإمارات يتطلب وجود حساب احترافي على "لينكد إن" وهي ثقافة غير شائعة في سورية، إضافة إلى أن شهادة قيادة السيارة "ليسن" قد تكون ضرورية جداً في بعض الوظائف، وتكلفتها تتراوح بين 7,000 و10,000 درهم، تضمنة مدرسة تعليم القيادة.

نصائح خبراء

ونصح صادق المتطلعين للعمل في الإمارات، بالبحث والتحري عن طبيعة العمل هناك قبل السفر، وقال "نتيجة التطور السريع بعلوم الإدارة بشكل عام وفي دول الخليج بشكل خاص، مع التوجه إلى تطبيق أفضل الممارسات الإدارية وتحقيق التنافسية بمعايير عالمية، إضافة إلى التعامل مع جنسيات مختلفة وثقافات متنوعة، يشعر بعض المتطلعين للعمل هناك بنقص شديد فيما يملكونه من مهارات وكفاءات عكس ما يعتقدون.

وفي دولة مولعة بالتكنولوجيا وتضم الكثير من الجنسيات مثل الإمارات، يجب أن يهتم المتقدم للعمل بإبراز مهاراته التقنية والحاسوبية وإجادته للغة الإنجليزية، حيث أكد صادق الذي عمل في عدة جهات  سورية وإماراتية سابقاً، أن تلك الأمور باتت من أساسيات التوظيف.

وبدوره، نصح خبير استراتيجية الأعمال، أحمد سنقر، الراغبين بالسفر للإمارات بتقييم أنفسهم بشكل دقيق أولاً، وفهم السوق والمعيشة والمنافسين من جنسيات مختلفة، وقبول فكرة الولادة من جديد وإهمال الموروث السابق من هالة أو مكانة اجتماعية أو ارتباطات في سورية لأنها لن تفيد.

ومن النصائح أيضاً، أن يبقى الشاب السوري في تعلم مستمر بعد حصوله على أي فرصة عمل، مصارعاً الزمن ليضمن استمرار بقائه في سوق العمل المتطور بشكل مستمر، كون الواقع السوري فرض تأخراً في الخبرة والتعليم وفهم التكنولوجيا عما وصلت إليه الدول الأخرى.

أسباب الصدمة

سنقر، تحدث عن عدة عوامل تسبب الصدمة للسوريين الباحثين عن عمل في الإمارات، منها اعتقادهم أن بعض أساسيات العمل القديمة لا تزال مؤهلات، كإجادة التعامل مع ملفات الوورد مثلاً.

وأشار إلى أن عدة عوامل متراكمة، تسببت بكارثة هروب السوريين من إحباط إلى أكبر، منها المناهج السورية المتأخرة جداً أمام دولة متقدمة تقنياً وعلمياً واقتصادياً، إضافة إلى أن سوق العمل السوري غير مستقر ومن الصعب أن يبني خبرات أو أن يؤسس للانطلاق بالأشخاص نحو أعمال أوسع، فالخبرات المطلوبة خارجاً تكاد تكون غير موجودة في سورية.

ونشرت فورتشن سابقاً، قصة بعنوان "للمتميزين فقط: الإمارات تغيّر المفهوم التقليدي للعمل في الخليج العربي"، تناولت فيها تغير بيئة العمل في الإمارات وبالتالي تبدّل الشروط المطلوبة للحصول على عمل، وكيف لم تعد عبارة "سأسافر إلى الإمارات لأصنع ثروة" تسري على كافة شرائح المتطلعين للعمل هناك، فقطاعات العمل التي شكلت فرصاً سهلة لأغلب شبان المنطقة طيلة الـ50 عاماً الماضية، بدأت تندثر، مقابل ظهور فرص جديدة تتطلب تميزاً وإبداعاً ومهارات تتماشى مع تطور العلوم والعصر الرقمي، ما قد يغيّر النظرة التقليدية للعمل ليس في الإمارات فحسب، بل في كل الخليج العربي مع التنافس بين دوله في التوجه نحو الاقتصاد المتنوع.


image
image