المحتوى محمي
آراء وخبرات

ما تكلفة تجاهل الشركات للصحة العقلية للموظفين؟

كانت هناك زيادة ملحوظة في حالات الانتحار في أماكن العمل بين عامي 2018 و2020، وقد وقعت أغلب حالات الانتحار بين سن 24 إلى 64 عاماً.

بقلم ، 


money

(مصدر الصورة: Bastiaan Slabbers - NurPhoto - Getty Images)

لوحِظت بوضوح حالات الإجهاد، والقلق، والاحتراق الوظيفي الناتجة عن العمل خلال جائحة كوفيد-19. ومما لا شك فيه أنّها قد ساهمت في خلق بيئة عمل محفوفة بالتحديات مثل الارتفاع المخيف في مشاكل الصحة العقلية والانتحار.

وفيما يتعلق بخدمات الصحة العقلية، فإن الولايات المتحدة الأميركية تواجه أزمة جلية في الرعاية الصحية، وقد انعكست هذه الأزمة في الشركات وأماكن العمل بوضوح في ظل الجائحة التي قلبت كل شيء رأساً على عقب.

ووفقاً لتقرير صادر عن 'مكتب إحصاءات العمل' (Bureau of Labor Statistics)، فقد كانت هناك زيادة ملحوظة في حالات الانتحار في أماكن العمل بين عامي 2018 و2020، وقد وقعت أغلب حالات الانتحار بين سن 24 إلى 64 عاماً، أي في سن العمل. وفي حين أن هذه الظاهرة مثيرة للقلق، فقد ساعدت أيضاً في فتح قنوات تواصل وتثقيف حول الصحة العقلية في مكان العمل وعن الانتحار بشكل عام.

إدراك الحاجة للتثقيف

يجب على أصحاب العمل والشركات إدراك دورهم الحاسم في التخفيف من أفكار الموظفين حول الانتحار والصحة العقلية عموماً. ويُعتبر تقديم خيارات رعاية الصحة العقلية للموظفين داخل وخارج نطاق العمل نقطة انطلاق للوصول بشكل أكبر لهذه الخدمات، ولكنه قد لا يكون كافياً.

ففي مرحلة ما قبل جائحة كوفيد-19، كان من المقبول أن يحصل الموظفون على إجازة إذا أُصيبوا بالإنفلونزا. وتحتاج الشركات لفهم أن المرض العقلي يمكن أن يكون بنفس الخطورة (بل وحتى مميتاً) إذا لم يُعالج، ويجب أن يمنحوا الموظفين إجازات عادية وإجازات مرضية إذا عانى موظف ما من مشكلة تتعلق بالصحة العقلية، دون الحكم على الشخص بسبب ذلك أو التهديد بحرمانه من وظيفته.

وقد لا يكون واضحاً أن شخصاً ما يعاني من هذه المشاكل، لذا يجب تثقيف القادة لتحديد المؤشرات التي تشير إلى أن الشخص يعاني من أزمة صحية عقلية أو أفكار انتحارية. كما يجب تثقيف الأهالي حول كل الجوانب بدءاً من مخاطر الأدوية وآثارها الجانبية وحتى الحفظ المناسب للأسلحة النارية.

أزمة على مدار العام

في كثير من الأحيان، إذا كان هناك شخص يفكر بجدية في الانتحار، فإنه لن يتحدث عن ذلك بل  سيحاول الانتحار مباشرة. لذلك، فإن تشخيص مشكلات الصحة العقلية قبل وصولها إلى الميول الانتحارية هو أمر يمكن للشركات العمل عليه بالتعاون مع العائلات والمجتمع ككل.

وفي حين أن هناك فترات من العام تشهد ارتفاعاً حاداً في معدلات الانتحار في جميع المجالات، وهي فصل الربيع وأوائل فصل الصيف، يمكن أن تكون الميول الانتحارية مشكلة ممتدة على مدار العام. وهذا يعني أن الشركات بحاجة إلى الابتعاد عن فعاليات اليوم الواحد في كل عام بشأن التوعية بالمشاكل العقلية والتركيز على جعل الصحة العقلية جزءاً من عملياتها اليومية.

إذ يمكن أن يساهم مختصو الصحة العقلية وخبراء الموارد البشرية في توجيه الشركة نحو إيجاد طرق ناجحة للتخفيف من التوتر والإجهاد والقلق لدى الموظفين.

ومن ناحية الصحة العقلية، فهناك تدريب يمكن تعميمه وموجهون ومستشارون يمكن الاستعانة بهم للمساعدة في وضع استراتيجية ناجحة للصحة للعقلية لشركة ما. كما يمكن الاستعانة باختصاصيين مُدرَّبين في علم النفس التنظيمي من خارج الشركة للمساعدة في بناء عمليات فعالة للتعرف على مشاكل الصحة العقلية ومعالجتها عند ظهورها.

ومن ناحية الموارد البشرية، يعد التعهد بتعزيز التواصل أمراً بالغ الأهمية لتلبية احتياجات الموظفين. إذ توفر التقييمات الفورية من خلال استطلاعات الرأي نظرة معمّقة حول كيفية تعامل الموظفين مع المواقف العصيبة أو الاحتراق الوظيفي، كما يجب اعتماد الشفافية، وضمان توعية الموظفين بالموارد والأدوات المتاحة لهم.

ما هي توجهات الشركات؟

ورد في استطلاع أُجرِي عام 2019 أنّه "مع استمرار العاملين في الولايات المتحدة في الإبلاغ عن مستويات عالية من التوتر والإجهاد والقلق، بدأت الشركات في توفير المزيد من المزايا والحلول التي تستهدف بشكل خاص تعزيز الصحة العقلية". ومع ذلك، فقد أخطأت بعض الشركات التصرّف عندما تعلق الأمر بمعالجة الأفكار الانتحارية بين موظفيها.

في أوائل عام 2020، انتشرت قصة عن مخاوف موظفي شركة 'ستاربكس' (Starbucks) بشأن تخفيض ساعات العمل ونقص الموظفين، ما أدّى إلى تدافع الموظفين في العمل لوقت إضافي لتغطية النقص في العاملين، وعدم حصولهم على أجور ملائمة.

لجأ بعدها موظفو شركة 'ستاربكس' إلى وسائل التواصل الاجتماعي وأبلغوا عن انخفاض المعنويات، والإرهاق، والاحتراق الوظيفي. استجابت الشركة للاحتجاج، ولكن ليس بزيادة نفقات الصحة العقلية أو وضع مبادرات أكبر  لمساعدة الموظفين المتضررين، إنما بمنح الموظفين وصولاً إلى تطبيق للتأمل شائع على الهاتف المحمول.

تُظهِر هذه الاستجابة من قِبل إحدى أكبر الشركات في الولايات المتحدة الثغرات التي يجب العمل عليها، وذلك في ظل إدراك الشركات تأثير الإجهاد في مكان العمل على الصحة العقلية ومعدل الانتحار.

لا يزال الحديث عن الانتحار من المحرمات، لكن الشركات بحاجة إلى العمل جنباً إلى جنب مع مختصّي الرعاية الصحية لتجريد هذه القضايا من الوصمات ووضع استراتيجيات فعالة للتخفيف والمساعدة.

نافين باتيجا: رئيس قسم الشؤون العامة في شركة 'ميديداتا' (Medidata). إيمي نيون-هاريس: متخصصة نفسية في مدينة شيكاغو.


image
image