المحتوى محمي
المحتوى محمي
نفط وطاقة

البيت الأبيض: بوتين ضحّى بالاقتصاد الروسي على حساب النفط والغاز

أمضى بوتين عقوداً في تعزيز نفوذ روسيا لتصبح المورّد الأول بالعالم للطاقة الرخيصة والوفيرة. ولكن نظراً إلى خط سير الاقتصاد الروسي حالياً، يمكن أن ينتهي ذلك النفوذ بأقل من عام.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية، تصميم: أسامة حرح)

جعلت الحرب في أوكرانيا والموجات المتعددة من العقوبات الغربية الاقتصاد الروسي معلّقاً بقشة، ولكن ما مدى متانة هذه القشة؟

لقد أوصلت الردود الغربية على الحرب الروسية الاقتصاد الروسي إلى حالة يرثى لها، إذ انخفضت الواردات إلى روسيا إلى النصف في الفترة ما بين اندلاع الحرب والصيف الماضي، في ظل منع الشركات الروسية من استيراد مواد أساسية مثل رقائق أشباه الموصلات وقطع غيار السيارات والطائرات، وبالمقابل، خصصت روسيا الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي للمجهود الحربي، وأدى الافتقار إلى المكونات الرئيسية مثل المذكورة سابقاً إلى توقف النشاط الصناعي في روسيا.

كما حملت العديد من الشركات الأجنبية من شركات صناعة السيارات إلى سلاسل المطاعم حقائبها وفرّت خارج روسيا منذ بداية الغزو، وانخفض متوسط ​​الدخل الروسي حتى الآن إلى أدنى مستوى له منذ عقدين.

ولضمان استمرار عجلة الاقتصاد، لجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نحو كبير إلى المورد المالي الأهم لروسيا على مر التاريخ، وهو: الطاقة. فمع وفرة احتياطيات النفط والغاز الطبيعي، التي شكّلت 45% من الميزانية الفيدرالية للبلاد في عام 2021، حقّقت شركات الطاقة الروسية على مر السنوات الماضية أرباحاً ضخمة من بيع هذه الموارد لجيرانها، وخاصة لأوروبا.

وقد استمر ذلك حتى بعد اندلاع الحرب، حيث تابعت شركات الطاقة الروسية توريد كميات كبيرة من النفط والغاز إلى أوروبا. لكن هيمنة روسيا في سوق الطاقة قد تلقّت بلا شك ضربة مؤلمة من الحرب، إذ انخفضت صادرات الغاز الطبيعي لأوروبا إلى مستويات أقل من أي وقت مضى، وقد يكون النفط هو آخر ما يمكن أن يحمي اقتصاد روسيا من الانهيار، أو على الأقل هذا ما يعتقده مستشار رئيسي في البيت الأبيض.

فقد قال المنسّق الرئاسي الخاص للرئيس بايدن، عاموس هوشتاين، لشبكة سي إن بي سي (CNBC) يوم الاثنين: "النفط هو المورد الاقتصادي الوحيد المتبقّي لروسيا، لقد دمر بوتين بقية اقتصاد بلده".

لكن حتى لو كان بوتين يعتمد على النفط، فليس من المرجح أن يبقى هذا الرهان مربحاً على المدى الطويل. فقد صرّحت الوكالة الدولية للطاقة، وهي منتدى حكومي دولي يقدم المشورة بشأن سياسات الطاقة للدول الأعضاء البالغ عددهم 31 دولة ومعظمهم دول غربية، الأسبوع الماضي إن صادرات الوقود الأحفوري الروسية "لن تعود أبداً إلى المستويات التي شهدتها عام 2021 في أي من السيناريوهات التي تتوقّعها الوكالة".

لكن ماذا تعني تصريحات هوشتاين والوكالة الدولية للطاقة بالنسبة للاقتصاد الروسي؟ وبشكل أوضح: ماذا سيتبقّى من هذا الاقتصاد؟

تضاؤل النفوذ الروسي في قطاع الطاقة

أمضى بوتين عقوداً في تعزيز نفوذ روسيا لتصبح المورّد الأول في العالم للطاقة الرخيصة والوفيرة. ولكن نظراً إلى خط سير الاقتصاد الروسي حالياً، يمكن أن ينتهي ذلك النفوذ في أقل من عام.

وتشهد تدفقات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وهي الشريك التاريخي الأهم لروسيا في مجال الطاقة، انخفاضاً حاداً منذ سبتمبر/أيلول، عندما أوقفت شركات الغاز الروسية التوريد ضمن خط أنابيب نورد ستريم الرئيسي.

إذ بلغت تدفّقات الغاز الروسي إلى أوروبا أوجها بعد بدء الحرب، وتضاعفت الإيرادات الروسية من صادرات الوقود الأحفوري خلال الأشهر القليلة الأولى من الحرب، ولكن مع استمرار توقّف خط أنابيب نورد ستريم في المستقبل المنظور، فمن المرجّح أن تستمر أحجام التجارة في الانكماش على مدار العام المقبل.

ويقول هوشتاين إن بوتين يأمل أن يحل النفط محل الغاز في الاقتصاد بعد إيقاف توريد الغاز الطبيعي إلى أوروبا. إذ قال: "كل ما تبقى أمام بوتين هي الموارد التي يمكنه استخراجها داخل روسيا، لن يبيع غاز بلاده لأوروبا بعد الآن، لذا فإن كل ما لديه هو النفط، وهو ما يموّل هذه الحرب".

ولكن حتى عند الحديث عن النفط، فإن المستقبل يبدو قاتماً أمام روسيا، فقد حظرت الولايات المتحدة مؤخراً واردات النفط الروسي، وتخطط أوروبا لذلك بحلول ديسمبر/كانون الأول. وعلى الرغم من تكثيف هذه الواردات لدى مستوردين آخرين مثل الصين والهند لردم الهوة، فإن هذا الاهتمام المتجدد من آسيا لم يكن كافياً لإنقاذ الاقتصاد الروسي.

كما انخفضت صادرات النفط الروسية المنقولة بحراً إلى ما دون 3 ملايين برميل يومياً في شهر سبتمبر/أيلول الماضي وفقاً لبيانات من شركة إس آند بي غلوبال (S&P Global)، وهذا أقل بنحو 300 ألف برميل مما شحنته روسيا في أغسطس/آب، كما أنه أدنى مستوى منذ سبتمبر/أيلول 2021، وكان ذلك الانخفاض بعد أشهر من التراجع المستمر في حجم صادرات النفط.

وقد يعني تراجع الاهتمام بالوقود الروسي أن نفوذ روسيا في أسواق النفط العالمية "لن يعود أبداً إلى حاله"، كما أشارت الوكالة الدولية للطاقة الأسبوع الماضي. 

وأوضحت الوكالة أن "انهيار ذلك النفوذ حصل بسرعة غير متوقعة"، وذلك في تقرير توقعات الطاقة العالمية (World Energy Outlook) السنوي الذي يناقش عدة سيناريوهات مستقبلية لسوق الطاقة العالمية.

إذ توقعت الوكالة الدولية للطاقة تقلُّص إيرادات النفط والغاز الروسية السنوية من 75 مليار دولار العام الماضي إلى أقل من 30 مليار دولار بحلول عام 2030، وذلك في ظل توجّه المشترين الأوروبيين بشكل متزايد إلى الولايات المتحدة والشرق الأوسط والمصادر المحلية لتلبية احتياجاتهم من الطاقة.

ومع تراجع عائدات الطاقة، قد لا يحظى الاقتصاد الروسي بفرصة للتعافي، فقد توقّع صندوق النقد الدولي مؤخراً أن ينكمش اقتصاد روسيا بنسبة 3.4% في عام 2022.

وأدّى القرار الذي أصدره بوتين الشهر الماضي بتعبئة 300 ألف جندي روسي، والذي اكتمل نصابه الأسبوع الماضي حسب عدة تقارير، إلى إثارة الهلع. وفي أعقاب هذا القرار، حذّر الخبير الاقتصادي الروسي المخضرم، فلاديسلاف إينوزيمتسيف، من أن "عواقب القرار ستكون كارثية" على الاقتصاد الروسي، وذلك بعد أن حذّر سابقاً من أن ذلك الاقتصاد قد "ينهار بحلول الشتاء" بسبب الحرب.


image
image