المحتوى محمي
المحتوى محمي
نفط وطاقة

كيف ستحل أوروبا أزمة إمدادات الطاقة بعد الغزو الروسي؟

لطالما هيمنت روسيا على سوق الطاقة في أوروبا، فهي مصدر لـ 40% من الغاز الطبيعي و25% من النفط اللذين تستوردهما أوروبا.

بقلم


money

(مصدر الصورة: Bernd Wüstneck - Getty Images)

واجهت أوروبا خلال الشهرين الماضيين حقيقة محرجة إلى حد الإزعاج، وهي أن أوروبا الغربية تموّل بشكل غير مباشر حرب روسيا على أوكرانيا. والسبب هو عدم وجود بديل متاح بسهولة لواردات الطاقة الروسية للدول الكبرى التي تعارض الحرب، ولا سيما ألمانيا.

وأعلنت معظم الدول الأوروبية أنها مصممة على تغيير إمداداتها من الطاقة، لكن الأمر ليس بالسهولة نفسها لدى الولايات المتحدة، على سبيل المثال.

ولطالما هيمنت روسيا على سوق الطاقة في أوروبا، فهي مصدر لـ 40% من الغاز الطبيعي و25% من النفط اللذين تستوردهما أوروبا. وكشف زعماء الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع عن خطة أوروبية لبدء التخلص التدريجي من واردات النفط الروسية قبل نهاية العام.

وتجوب أوروبا العالم بالفعل بحثاً عن مصادر إمداد جديدة للغاز والنفط ووقود الديزل، وتوقع اتفاقيات تجارية جديدة في الأميركتين وإفريقيا والشرق الأوسط والهند، فضلاً عن التركيز المتزايد على إنتاج الطاقة المحلي. لكن الاستعداد لفصل الشتاء مع انخفاض واردات الطاقة الروسية لا يزال يمثل مهمة صعبة.

وقال آلان غيلدر، نائب رئيس أبحاث أسواق النفط في شركة استشارات الطاقة العالمية "وود ماكنزي" (Wood Mackenzie)، لـ "فورتشن" (Fortune): "الأمر غير مؤكد على نطاق واسع والكثير من الأوروبيين قلقون للغاية بشأن أمن الإمدادات، لكنهم يشعرون أنهم بحاجة لمحاولة حظر واردات الطاقة الروسية، ما يجعل الوضع شديد التقلب وغير مؤكد ومعقد للغاية".

وسيتعيّن على القارة الانتقال إلى شركاء تجاريين جدد، ومن المحتمل أن تضطر إلى التعامل مع فترة طويلة من ارتفاع أسعار الطاقة.

من أين يمكن أن تحصل أوروبا على النفط؟

قبل بدء تطبيق الحظر على روسيا، سيتعين على أوروبا زيادة احتياطياتها من النفط، وقد بدأت بالفعل في القيام بذلك من خلال اللجوء إلى الشرق الأوسط.

وبدأت شركة "توتال إنرجيز" (TotalEnergies) الفرنسية للنفط والغاز باستيراد الخام من أبوظبي هذا الشهر، في أول شحنة من نوعها منذ 2020، مع توقع إبرام المزيد من شركات النفط الأوروبية صفقات مع مصافي تكرير من الإمارات خلال الأشهر المقبلة.

ومن المتوقع أيضاً أن يلعب المنتجون الأطلسيون دوراً رئيسياً في تحوّل أوروبا عن النفط الروسي، وقد بدأت الشحنات بالفعل. حيث نمت واردات النفط إلى أوروبا من المصافي الكبرى عبر المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة والبرازيل وغرب إفريقيا بالفعل بنسبة 17% في الربع الأول من عام 2022، وفقاً لمحللي القطاع في شركة "إنترناشونال سي وايز" (International Seaways)، وهي شركة شحن للبتروكيماويات.

ومن المفارقات، أن قطع أوروبا إمدادات النفط الروسية قد يعني أن تعيد روسيا توجيه تدفقاتها التجارية إلى أسواق مقربة أكثر. ومع شراء هذه الدول المزيد من النفط الروسي وكمية أقل من الموردين التقليديين في الشرق الأوسط، يمكن في الواقع أن تزيد الإمدادات إلى أوروبا من المنتجين الذين لم يتم العمل معهم نسبياً حتى الآن.

وقال غيلدر: "حتى إذا حظر الاتحاد الأوروبي استخدام الوقود الروسي، فلا يزال من الممكن بيع هذه الأنواع من الوقود، ومن المرجح أن تذهب إلى أسواق العجز في أمريكا اللاتينية وإفريقيا.

وسيمكّن ذلك الولايات المتحدة ودول الخليج ودول الشرق الأوسط من تحويل الصادرات المعدة لدول أخرى إلى أوروبا.

وإذا تمكنت أوروبا من إبرام صفقات مع مصافي الشرق الأوسط والمحيط الأطلسي، فإن لديها فرصة جيدة للحفاظ على احتياطياتها النفطية عند مستوى ملائم قبل أن يدخل الحظر الروسي حيز التنفيذ الكامل بحلول نهاية عام 2022.

وتتحوّل تدفقات النفط العالمية بسرعة، مع اتجاه بعض الدول مثل الهند لزيادة استيراد النفط الروسي، وستحتاج الشركات الأوروبية إلى اختيار الموردين العالميين الذين قد يكونون منفتحين على توقيع صفقات جديدة الآن بعد إعادة كتابة هذه الخطوط التجارية.

من أين يمكن أن تحصل أوروبا على وقود الديزل؟

وعلى الرغم من أن القارة كانت تعتمد بشكل كبير على روسيا للحصول على الوقود منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما كان الديزل هو الوقود المفضل لمعظم السائقين الأوروبيين، فإن الاتحاد الأوروبي يعاني من ارتفاع أسعار الديزل منذ بدء الغزو.

وقال غيلدر بشأن موضوع تدفقات تجارة الديزل إلى أوروبا: "إنه مصدر قلق فوري، وهو أقل ما تمت مناقشته في الواقع".

ووفقاً لغيلدر، فإن إمدادات الديزل الروسية تتدفق بشكل كبير إلى أوروبا دون انقطاع طوال مدة الحرب، وإن قطع التدفقات سيضر ببعض البلدان أكثر من غيرها.

فعلى سبيل المثال ألمانيا تعتمد على روسيا في 74% مما تستورده من الديزل. وقد يكون من الصعب على أوروبا إيجاد بديل عن إمدادات الديزل من روسيا مقارنة بالنفط، لكن القارة لديها بعض الخيارات.

وتعد الولايات المتحدة والشرق الأوسط من منتجي الديزل الأقوياء، وقد عزز المورّدون في كلا البلدين بالفعل شحنات الديزل إلى أوروبا هذا العام.

والهند خيار آخر، فهي منتج ديزل كبير يشحن الوقود إلى أوروبا منذ مارس/آذار الماضي، وتشهد زيادة في التدفقات التجارية مؤخراً.

من أين يمكن أن تحصل أوروبا على الغاز؟

يناقش القادة الأوروبيون بنشاط كيفية زيادة التدفقات التجارية للغاز الطبيعي المسال من خارج روسيا. والغاز الطبيعي المسال هو شكل من الغازات المجمدة التي يمكن تخزينها ونقلها على متن السفن، دون الحاجة إلى إنشاء خط أنابيب جديد.

لكن في الوقت الذي يمكن للمنتجين في الشرق الأوسط والولايات المتحدة زيادة شحناتهم من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا بشكل كبير؛ تظل البنية التحتية عقبة رئيسية.

يتطلب استيراد الغاز الطبيعي المسال محطات استيراد متخصصة يمكنها إعادة تحويل السائل إلى غاز، ولكن هذه المحطات حالياً قليلة ومتباعدة في أوروبا، خاصة في البلدان التي هي في أمس الحاجة إلى الغاز.

وقال ليون إيزبيكي، محلل الغاز الطبيعي في شركة "إنرجي أسبكتس" (Energy Aspects) المتخصصة في أبحاث واستشارات الطاقة ومقرها لندن، لـ "فورتشن": "في أوروبا، يتركز قدر كبير من إمكانيات وقدرات إعادة التغويز "تحويل الغاز المسال إلى غاز طبيعي" في المملكة المتحدة وإسبانيا، وكلاهما لهما قدرات محدودة في مجال الربط لشحن الغاز إلى بقية أوروبا".

وقال إيزبيكي: "هذه القيود تطلق بالفعل استثمارات واسعة النطاق في البنية التحتية الجديدة"، لكنه أضاف إن هذه الاستثمارات الجديدة ستستغرق وقتاً، وإن "معوقات البنية التحتية تحد من قدرة أوروبا على استبدال كميات أخرى بالغاز الروسي على المدى القصير".

وقد يكون تكثيف البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال حلاً طويل الأمد لمشاكل الطاقة في أوروبا، ولكن سيتعين على القارة اللجوء إلى آليات مختلفة لضمان أمن الغاز على المدى القصير، بما في ذلك التركيز على الإنتاج المحلي.

وقد أثبتت زيادة تدفقات تجارة الغاز الطبيعي مع الدول المجاورة الغنية بالطاقة مثل النرويج فعاليتها بالفعل في تخفيف الأسعار، وينبغي أن توفر التدفقات المتزايدة بعض الراحة لأوروبا عموماً في الشتاء المقبل.

وبينما تحاول أوروبا تكثيف استثماراتها في البنية التحتية للغاز الطبيعي على المدى الطويل، دعا منتجو الغاز الأوروبيون مثل النرويج إلى المزيد من الاستخراج المحلي، ما قد يساعد في سد فجوة العرض.

ودفعت بعض الدول الأوروبية من أجل انتقال أسرع نحو الطاقة المتجددة، لكن القيام بذلك سيكون "معقداً"، وفقاً لأوليفيا لازارد، باحثة في الفرع الأوروبي لـ "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" (Carnegie Endowment for International Peace) التي يركز عملها على تغير المناخ والجغرافيا السياسية والطاقة.

وقال لازارد: "من الواضح أن هناك نية للتحرك نحو مصادر الطاقة المتجددة لأنها تتماشى مع ميثاق المناخ في أوروبا والموعد النهائي للانبعاثات لعام 2030"، لكنه أضاف إن قيود سلسلة التوريد الخاصة بالمعادن الأرضية النادرة والمواد الأخرى المهمة للبنية التحتية للطاقة المتجددة تجعل هذا خياراً قصير الأجل غير قابل للتطبيق.

وقد يكون التحول الأسرع نحو مصادر الطاقة المتجددة أمراً مطروحاً بالنسبة لأوروبا على المدى الطويل، ولكن من المحتمل ألا يكون فعالاً بما فيه الكفاية لمساعدة القارة في بناء احتياطياتها من الطاقة هذا العام.


image
image