المحتوى محمي
المحتوى محمي
مالية ومصارف

قطاع الصيرفة على الطريق المستدام

على الرغم من ارتفاع العوائد والهوامش على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة، فقد أتت تداولات أكثر من نصف مصارف العالم أقل من قيمتها الدفترية.

بقلم ،  ،  ، 


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية، تصميم: أسامة حرح)

لعل المقولة الشهيرة التي تقول بأنه "قد تمر عقود دون أن تشهد أي تغيرات على الإطلاق، على حين أن هناك أسابيع قد تشهد تغيرات تحدث في عقود" هي الملخص الأمثل للأحداث التي وقعت في عام 2022. استطاع هذا العام أن يقلب موازين عقد من السير الرتيب للأحداث بين عشية وضحاها، حيث عاد التضخم إلى واجهة المشهد الاقتصادي، ووصلت معدلات الفائدة إلى مستويات تاريخية، في الوقت الذي أصبح فيه تقلب الأسعار هو السمة الغالبة على الأسواق التي تراوحت ما بين الأسهم والسندات، وصولاً إلى العملات المشفرة وقطاع العقارات الصينية.

وفي المراجعة السنوية للقطاع المصرفي العالمي (Global Banking Annual Review) لهذا العام، تتتبّع شركة ماكنزي التغيّرات التي طرأت على القطاع المصرفي نتيجة تلك الصدمات التي تعرض لها في ضوء عدم الاستقرار الجيوسياسي، فضلاً عن الآثار المدمرة والمستمرة نتيجة جائحة كوفيد-19.

وباختصار، المشهد العام بعيد عن التفاؤل، فعلى الرغم من ارتفاع العوائد والهوامش على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة، فقد أتت تداولات أكثر من نصف مصارف العالم أقل من قيمتها الدفترية. وفي الواقع، يحل القطاع المصرفي في المرتبة الأخيرة عند مقارنته مع مختلف القطاعات الأخرى من حيث القيمة السوقية، ويرتبط تأخّره بضعف هوامش الأرباح وانخفاض توقعات النمو.

وفي هذا السياق، لا يجب النظر إلى هذه المراجعة السنوية باعتبارها قصة نبث فيها حسرتنا ولوعتنا على ما فات، وإنما لندرك أنه على الرغم من النظرة المستقبلية المخيبة للآمال التي تخيّم على القطاع المصرفي العالمي ككل، ما يزال هناك بصيص أمل في مكان ما، فمثلاً، بزغت بعض الكيانات التي فاق أداؤها التوقعات في الهند وفي عدد من الأسواق سريعة النمو، وكذلك في عدد من المجموعات المصرفية في الاقتصادات المتقدمة ومن بينها الولايات المتحدة وكندا.

ومن ثم فإن العبرة المستخلصة هو أنه حتى مع تزايد الفجوة، وتحسّن العوائد نسبياً في عام 2022، ما تزال المصارف في كل مكان بحاجة إلى العمل على قدم وساق لتحصين نفسها "من أجل المستقبل"، وذلك في إطار تعزيز مرونتها على المدى القصير، وتبنّي الفرص طويلة المدى لتحقيق النمو وزيادة الأرباح.

ويعد التمويل المستدام إحدى تلك الفرص، وينطوي على فكر جديد في القطاع المصرفي. واستناداً إلى ذلك، نتعمّق بالنظر إلى هذا الفكر في محاولة منا لفصل التجارب الواقعية عن الدعاية الزائفة وممارسات الغسل الأخضر (أي تضليل المستهلكين حول الممارسات البيئية للمؤسسة أو الفوائد البيئية لمنتج أو خدمة ما). 

تشير الأدلة إلى أن التمويل المستدام يتجه إلى "الحقبة التالية" مع الارتفاع المبدئي في تمويل الطاقة المتجددة الذي من شأنه أن يعمّق مشاركة وانخراطاً أعمق مع عملاء القطاع المصرفي في كافة القطاعات.

النتائج الأساسية لمراجعة القطاع المصرفي العالمي لعام 2022

استطاعت المصارف أن تتعافى من آثار الجائحة في ضوء النمو القوي بالعوائد نتيجة ارتفاع الهوامش ونسب رأس المال، حيث حققت المصارف في عام 2022 أعلى ربحية منذ 14 عاماً، ومن المتوقع أن يتراوح العائد على حقوق المساهمين من 11.5% إلى 12.5%. وحققت العوائد نمواً عالمياً وصل إلى 345 مليار دولار أميركي، وكان النمو مدفوعاً بالزيادة الحادة في صافي الهوامش، حيث ارتفعت معدلات الفائدة بعد معاناة لسنوات ضعفت فيها لتصل إلى أدنى مستوياتها.

وفي الوقت الحالي، يمكن أن نقول بثقة إن القطاع المصرفي العالمي يحل ضمن الدرجة الأولى من نسب رأس المال بنسبة تتراوح بين 14% و15%، وقد استفاد العديد من المجالات المصرفية من ذلك مثل الخدمات المصرفية للأفراد والمؤسسات الكبرى وخدمات الثروات.

وعلى الرغم من تلك التعزيزات قصيرة المدى، ما يزال العائد على حقوق المساهمين ضعيفاً، بل وأقل كثيراً مما كان عليه قبل الأزمة المالية عام 2008، وعلى الرغم من مواصلة نصف مصارف العالم في 2022 تحقيق عائد على حقوق المساهمين تجاوز تكلفة حقوق المساهمين، تشير تحليلات شركة ماكنزي إلى أن الزيادة الأخيرة في الهوامش قد حققت عوائد زادت على تكلفة حقوق المساهمين بنسبة 35% فقط من المصارف العالمية.

وتُعزِّز تلك التباينات الإقليمية الواضحة في أداء المصارف المشهد العالمي، حيث تشهد المصارف في بعض الدول، من ضمنها العديد من المصارف الإقليمية في الولايات المتحدة وأكبر المصارف في كندا وكذلك المصارف في إندونيسيا والمكسيك والهند، نمواً متسارعاً وربحية متزايدة، في حين يشهد عدد من المصارف الأخرى في أوروبا والصين على سبيل المثال تراجعاً ملحوظاً.

ولعل أحد الآثار الملحوظة لتلك الفجوة هو اندثار مصطلحات مثل "الأسواق الناشئة" في القطاع المصرفي، حيث إن مجموعة الدول التي يشير إليها المصطلح لم تعد متجانسة أو موحّدة، إذ يقع بعض أفضل المصارف أداءً وأكثرها نمواً في آسيا التي يوجد بها أيضاً بعض أسوأ المصارف أداءً وأقلها نمواً.

وفي ظل تباطؤ الاقتصاد، سوف تتسع فجوة الاختلاف ما بين المصارف أكثر فأكثر، إذ يمكن أن يتضح أنّ زيادة الربحية الناجمة عن ارتفاع الهوامش هي أمر عابر، وسوف تواجه كافة المصارف لا محالة تباطؤًاً في معدلات النمو على المدى الطويل. وفي حين أن المصارف في منطقة آسيا والمحيط الهادئ قد تستفيد من توقعات الاقتصاد الكلي وآفاقه، إلا أن المصارف الأوروبية تواجه في الوقت نفسه توقعات بآفاق أسوأ: ففي حال استمرار الركود لفترات طويلة، يُتوقَّع أن يهبط العائد على حقوق المساهمين عالمياً إلى 7% بحلول 2026، وقد ينخفض إلى ما دون 6% بالنسبة للمصارف الأوروبية.

والتأثير الواضح لذلك سيكون على الأرجح زيادة تركّز النمو في دول آسيا الناشئة والصين وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية، حيث نتوقع أن تمثل هذه المناطق نحو 80% من نمو العوائد المتوقّع من القطاع المصرفي العالمي والذي يقدر بأن يبلغ نحو 1.3 تريليون دولار أميركي ما بين عامي 2021 و2025.

ولا تحظى الصيرفة باعتبارها قطاعاً مستقلاً بالتقدير والتقييم اللذين تتمتع بهما القطاعات الأخرى، فقد وصلت القيمة السوقية الإجمالية العالمية لهذا القطاع إلى ذروتها في عام 2021 عند 16 تريليون دولار أميركي، ثم تراجعت إلى 14.5 تريليون دولار أميركي بحلول مايو/أيار 2022.

وعلى الرغم من أن الكيانات المصرفية التقليدية تمثل نصف هذه القيمة، إلا أن القطاعات المتخصصة والتكنولوجيا المالية تمثل النصف الآخر، بينما لم تتعدَّ حصتها 30% قبل خمس سنوات. ويمكن القول بأن نحو نصف هذه الفجوة في القيمة ما بين القطاع المصرفي والقطاعات الأخرى مدفوع بقلة الربحية المحققة في القطاع.

أما النصف الآخر للفجوة فيحدث نتيجة الافتقار إلى القدرة على تحقيق النمو في المستقبل، وهو ما يتجلى في انخفاض مضاعفات الأرباح (نسبة السعر إلى الأرباح) التي وصلت إلى نحو 13، مقارنة بالنسبة المتوسطة التي بلغت 20 لدى القطاعات الأخرى. واليوم، واحد فقط من كل ستة مصارف مؤهل ليصبح ما يمكن أن نطلق عليه لقب "نجوم الشمال"، وهي الشركات التي تستطيع تحقيق زيادة في الربحية وزيادة في النمو في الوقت ذاته. 

والفرصة سانحة أمام المصارف الآن لتتخذ خطوات جريئة لاكتساب المرونة على المدى القصير، وإرساء أسس تحقيق النمو على المدى الطويل، وذلك لأن الاستغلال الأمثل للميزانيات والتكلفة وأوضاع رأس المال من شأنه أن يساعد المصارف في النجاة خلال الفترات المضطربة، وتتضح هنا أكثر من أي وقت مضى أهمية بناء ممارسات استثنائية لإدارة المخاطر والبنية التحتية التكنولوجية التي يمكنها مقاومة الهجمات السيبرانية.

وعلى المدى البعيد، سوف يترتّب على المصارف التي تستند إلى نماذج الأعمال التقليدية على وجه الخصوص أن تتحول إلى منصات محصّنة  للمستقبل تفصل بين وحدات الأعمال المختلفة مثل الخدمات المصرفية اليومية وخدمات  التمويل المعقدة أو الخدمات الاستشارية، بحيث يمكن للمصارف أن تعزّز علاقات العملاء المتميّزة (المتفرّدة).

كما ستحتاج  تلك المصارف أيضاً  إلى اعتماد توجهات النمو السائدة التي ترسم ملامح القطاع المصرفي، مثل توجهات الاستثمار البيئي والاجتماعي واستثمارات الحوكمة، والعروض التي تتجاوز حدود الخدمات المصرفية، والتحليلات المتطورة.

وقد حقّق التمويل المستدام نمواً ملحوظاً بعد ظهوره منذ نحو خمس سنوات حتى أصبح سمة أساسية للمصارف. ويمكننا القول بأن إصدار السندات المستدامة يمثل الآن نحو 11% من إجمالي حجم سوق السندات، في حين تمثل القروض المشتركة ذات الصلة بالاستدامة نحو 13% من إجمالي حجم السوق العالمي للقروض المشتركة.

وفي حين أن أوروبا هي التي قادت إصدار سندات الدين المستدامة في الماضي، إذ أصدرت أكثر من 80% من القروض المشتركة المستدامة حتى عام 2018، بما فيها القروض المرتبطة بالاستدامة، إلا أن جهات الإصدار في أميركا الشمالية قد حلت محلها لتتصدر هذا القطاع منذ ذلك الوقت.

وتصدّر تمويل الطاقة النظيفة المرحلة الأولى من النمو، لكن التمويل المستدام يشهد في الوقت الحالي مزيداً من العمق والتوسع، وسوف تشهد المرحلة التالية مزيداً من التركيز على توجيه رأس المال نحو إنتاج  الطاقة منخفضة الانبعاثات، ولكن سرعان ما سيتحول العديد من جوانب تحول الطاقة العالمي إلى أولويات، ومن هذه الجوانب نمو التحول نحو الكهربة (electrification)، والذي يشير إلى استبدال الوقود الأحفوري بالكهرباء في القطاعات التي تستخدم هذا النوع من الوقود، وتأسيس البنية التحتية لتحويل الطاقة وتوزيعها وخفض الانبعاثات في مختلف القطاعات.

كما أن الإنفاق الضخم المتوقع على الأصول المادية واللازم لتحقيق هدف الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية من شأنه أن يتيح بمفرده للمؤسسات المالية التجارية فرصة للتمويل السنوي المباشر بنحو 820 مليار دولار أميركي، ونتوقع أن تتمكن المصارف من تيسير استثمارات إضافية للشركات  بقيمة 1.5 تريليون دولار أميركي بين عامي 2021 و2030.

وفي سبيل اقتناص فرص التمويل المستدام وتوسيع  أعماله، ينبغي على المصارف حل عدد من المشاكل الأساسية، لكن في الواقع، هناك نسبة ضئيلة فقط من المصارف لديها إمكانات قريبة المدى لتمويل بعض أكثر مجالات النمو ديناميكيةً، بما فيها البنية التحتية على نطاق الشبكات، والهيدروجين الأخضر والوقود الأخضر والكتلة الحيوية والتقاط الكربون وتخزينه.

وتتضمن التحديات المحتملة مخاطر الائتمان واقتصادات المشاريع المتطورة والافتقار إلى المعايير السائدة (القائمة) للمنتجات المالية ذات الصلة بالاستدامة. ولكن الأدوات والأسواق والإيرادات المجمعة الجديدة كلها تشير إلى الشركات والمصارف الاستثمارية وإلى مقرضي المشاريع الصغيرة والعملاء من الأفراد ومدراء الثروات وغيرهم ممن يتّجهون بخُطى طوعية ملحوظة نحو الحقبة القادمة من التمويل المستدام.


image
image