المحتوى محمي
المحتوى محمي
قصة ريادة

نيوفيرستي: نموذج تعليمي وُلد من التحديات ليجذب جوجل وميتا

واجهت نيوفيرستي عدة صعوبات في مرحلة التأسيس، أهمها جنسية المؤسس السورية التي أعاقت في البداية فتح حساب أعمال في بنوك ألمانيا لزوم ترخيص الشركة.

بقلم


money

فادي الشلبي، رائد أعمال ومؤسس نيوفرستي (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

واجه مؤسس نيوفيرستي، فادي الشلبي، تحديات كثيرة أثناء تدريسه في جامعة دمشق، أهمها مواءَمةُ أسلوبه التدريسيّ مع أساليب الطلاب في التعلم. كانت المهمة شبه مستحيلة بالنسبة إليه وقادَته في عام 2003 إلى كتابة رسالة الماجستير حول أنماط التعلم لدى الطلاب، وكيف يستطيع المدرّس أن يطوّر أسلوبه، وجعل التعلم أكثر جاذبيةً وإمتاعاً.

كان الشلبي يتوقف في أثناء المحاضرة عدة مرات ليسأل: هل من سؤال؟ ومن بين عشرات الطلاب يسأل واحد أو اثنان، ثم يؤكد الطلاب أن المحاضرة باتت واضحة. لكنه كمدرس لديه منهاج كبير ووقت قصير والعديد من الطلاب، يعلم تماماً أنّ ثمة أسئلة كثيرة لم تُسأَل بعد.

تحديات أشعلت الفكرة

تلك التحديات، جعلت الشلبي يحلم بنظام تدريسي لا ينتقل فيه الطالب من مرحلة إلى أخرى إلا بعد أن يتمكّن من المواد التعليمية بشكل كامل استيعاباً وليس حفظاً، نظامٌ يساعد الطالب على دراسة المادة بالسرعة التي تناسبه دون أن يتعرض لأي نوع من الإحراج، ويتيح له التعلم التشاركي مع زملائه عبر خلق البيئة المناسبة له؛ حيث يمكن أن يحصل على حق التعلم والقدرة على المشاركة أينما كان.

هاجر الشلبي إلى ألمانيا خلال الحرب السورية في 2014، وبقي الحلم ملازماً له، إلى أن اتقدت شعلة نيوفرستي بشكل جدي. ففي عام 2015 بدأ يلتقي طلاباً سابقين جاؤوا كلاجئين أجبرتهم الحكومة الألمانية على تعلم اللغة كخطوة أولى قبل أي شيء، وهي خطوة يمكن أن تمتد لأكثر من عامين، لكن الوقت ليس لصالحهم وهم بحاجة إلى تعلم مهارات تساعدهم على العمل بأسرع وقت. عندئذٍ قرّر إنشاء كيان تعليمي يقوم بتدريبهم على المهارات المطلوبة في سوق العمل، وبِلغتهم الأم لاختصار الوقت عليهم في أثناء تعلم اللغة بدلاً من انتظار انتهاء الكورسات لدخول السوق والحصول على دخل يغنيهم عن تلقي المساعدات الحكومية. 

الولادة

أسس الشبلي نيوفيرستي في 2016، لكنها كانت تحمل اسماً مختلفاً وهو أكاديمية آي بريدج برو أكاديمي (I Bridge Pro Academy). وفي آذار من العام 2017، انضم الألماني يورغن فيرنر كشريك مؤسس ومسؤول عن العلاقات الخارجية والتعاون الدولي، وتم اعتماد الاسم الحالي لصعوبة الاسم السابق واحتوائه 4 كلمات مقابل اسم بكلمة واحدة تعطي انطباعاً فورياً عن التعليم بطريقة جديدة. وفي عام 2019، انضم فادي عمروش كشريك مؤسّس وأصبح مدير النمو والمدير التقني.

الشلبي حاصل على دكتوراة في الإدارة بالتعليم العالي من جامعة كاسل الألمانية وماجستير في طرائق تدريس اللغة الإنكليزية من جامعة أدنبرة في بريطانيا، وتعود معرفة الشلبي بفيرنر إلى عام 2005 حينما قدم إلى سوريا وافتتح مكتب هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD) بدمشق وبقي مديرَها حتى 2008. أما عمروش فهو حاصل على شهادة الدكتوراة في الاقتصاد السلوكي من جامعة غرناطة ويقيم في إسبانيا.

ثغرات استغلتها نيوفيرستي

يقول الشلبي لفورتشن العربية، إنه "في العام 2016 لم يكن هناك الكثير من الدورات المهنية باللغة العربية، ونقصد هنا الدورات التي تقوم بتعليم مهارات معينة قابلة لتحويلها إلى عمل، لذلك كان وصول كل من لا يتحدث الإنجليزية إلى المحتوى التعليمي الحديث محدوداً، لذلك أردنا تقديم أحدث المهارات المطلوبة في سوق العمل باللغة العربية".

"نسب إكمال الدورات عن بعد في العالم العربي لم تكن تتجاوز 2%، وأردنا من خلال نيوفيرستي تغيير قواعد اللعبة ورفع هذه النسبة قدر الإمكان، ولاحظنا أيضاً ندرة الدروس الحيّة والمباشرة عن بعد، وهي التي تعطي للطلاب، ولا سيما العرب، شعوراً بالمتابعة والجدية أكثر من مشاهدة فيديوهات مسجلة بشكل فردي"، حسب الشلبي.

صعوبات ومنافسة

واجهت نيوفيرستي عدة صعوبات في مرحلة التأسيس، أهمها جنسية المؤسس السورية التي أعاقت في البداية فتح حساب أعمال في بنوك ألمانيا لزوم ترخيص الشركة، فلم يقبل أي بنك فتح هذا الحساب دون إعطاء مبررات واضحة، وكان السؤال دائماً: لماذا يحتاج شخص سوري مثل هذا الإجراء؟

رغم تجاوز صعوبة فتح الحساب البنكي، إلا أن الموافقة الضريبية للبدء بالعمل والتي تستغرق عادةً أسبوعاً واحداَ، لم تصل إلا بعد 16 أسبوعاً دون مبررات. "كان لذلك بالغ الأثر على بدء العمل الذي تأخر لأكثر من 8 أشهر، ما شكّل أيضاً عبئاً مادياً كبيراً. يضاف إلى ذلك أن موافقة الإقامة في ألمانيا المرتبطة بتأسيس شركة استغرقت أكثر من 4 أشهر، ما أثّر أيضاً على الاستقرار النفسيّ ووجود البيئة الحاضنة للعمل" وفقاً للشلبي.

رغم الثغرات التي استغلتها نيوفيرستي، إلا أنها دخلت سوقاً مليئة بالمنافسين دفعتها للبحث عن نقاط قوة لتفرض تميزها. يقول الشلبي "هناك منافسون حقاً في مجالات قريبة مثل منصة إدراك ومنصة رواق، ولكننا نمتاز بأننا المنصة الوحيدة التي تدمج التعليم الحيّ مع الذاتي، بين جلسات مباشرة وجلسات مسجّلة، بالإضافة إلى تقديم برامجنا وفق المعايير الأوروبية، وإصدار شهادات ألمانية".

ترى نيوفيرستي أنها تنافس عالمياً، من حيث معرفتها بالسوق العربية والناطقين بالعربية وطرق تعلُّمهم، وهذا ما جعلها تعقد شراكات كبيرة مع جهات عالمية تودّ دخول السوق العربية وفهمها بشكل صحيح. 

"عشرات آلاف الطلاب الذين تعلموا في نيوفيرستي علّمونا كيف يتعلمون من خلال مراقبتنا الدائمة للطرق التي تجذبهم وتجعلهم يكملون الدورات، وهو الذي أدى إلى قيامنا بتصميم الدروس ودمج التكنولوجيا بما يتوافق مع متطلباتهم وتفضيلاتهم، وقمنا تدريجياً ببناء منظومة وبيئة تعلُّمية تناسب الطلاب العرب، وكيفية تعلمهم، وهي إحدى أهم نقاط القوة التي نملكها" حسب الشلبي، الذي أكد "وجود منافسة قوية يعملون على كسبها".

ومن نقاط القوة في نيوفيرستي من وجهة نظر مؤسسها، الجلسات الحية المباشرة لاستضافة أكثر من 300 شخص في جلسة واحدة، إضافة إلى تطبيق الاقتصاد السلوكي في العملية التعليمية، ودمج فلسفة الألعاب في التعليم والكثير من الأدوات التفاعلية، والطرق المبتكَرة لاستخدام الكاميرات في أثناء الجلسات عبر دمج تطبيقات تقنية معينة مع تطبيق زووم. 

اتفاقيات وشراكات

لدى نيوفيرستي عدة اتفاقيات، مع مؤسسات تعليمية عديدة، منها مع جامعة الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة لتقديم دورات مهنية، وجامعة كولن الألمانية لإدارة الأعمال (Cologne Business School) لتقديم برامج مهنية مشتركة، وكلية الأعمال الدولية في برلين، وهي أقدم جامعة أوروبية في مجال الأعمال، لتقديم برامج مهنية مشتركة، واتفاق مبدئي مع 9 جامعات ألمانية لتكوين نواة لتأسيس جامعة ألمانية في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي.

وللمؤسسة شركاء استراتيجيون، كالشراكة في برنامج مهارات من جوجل 2019-2020 ومن خلاله درّبت نيوفرستي أكثر من 35,000 طالب ناطق بالعربية من أكثر من 70 دولة مجاناً بتمويل من جوجل، وشراكة مع ميتا (فيسبوك) 2019 - 2022 لتدريب الطلاب الناطقين بالعربية في كل أنحاء العالم على إدارة التسويق الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، وشراكة مع سيسكو Cisco 2018-2022 حيث قامت سيسكو بفتح جميع دوراتها ومحتواها التعليمي لفريق نيوفيرستي لتقديمه لأكبر عدد من الطلاب.

ومن الشراكات الاستراتيجية أيضاً، الشراكة  2017 - 2022 مع بيرسون Pearson لتقديم برامج تعليم اللغة الإنجليزية عن بعد، وشراكة مع سبيك إيزي برلين 2022 لتقديم دورات تعليم اللغة الألمانية عن بعد، بالإضافة إلى إدارة الامتحانات المعيارية الدولية التي يحتاج إليها الطلاب للحصول على الفيزا الألمانية.

بعد اجتياز الطلاب امتحاناً مؤتمتاً يحصلون على شهادة موثقة من نيوفيرستي، وحسب الشلبي، فإن شهادات برامج التدريب تحظى بالاعتراف في سوق العمل من خلال "سمعة كلّ من المحاضِر والمؤسسة والخريجين على حد سواء"، كاشفاً عن العمل على تقديم برامج مهنية مشتركة مع جامعتين ألمانيتين بحيث تكون الشهادات صادرة من الجامعتين ومن نيوفيرستي.

يؤكد الشلبي أن نسب إكمال الطلاب لبرامجهم التدريبية تصل لـ 92% مع نسب نيل شهادات تزيد عن 72%، وهي "نسب لم تحققها أي مؤسسة تعليمية من قبل، وخاصة لدورات اختيارية غير إجبارية" على حد تعبيره.

صعود وهبوط

تأسست نيوفيرستي برأس مال 300 ألف يورو، وحالياً وصلت قيمتها إلى 15 مليون يورو، وفقاً للشلبي الذي يقر أن مؤسسته التعليمية حتى الآن تمرّ بحالات صعود وهبوط متفاوتة من ناحية الإيرادات. في العام 2019، وقعت نيوفرستي عقداً مع جوجل لتقديم برامج مجانية ممولة من الأخيرة ما أدّى لاستقرارها حوالي العام والنصف. ومنذ بضعة أشهر، وقعت اتفاقاً مع مؤسسة التنمية الألمانية لإنشاء أكاديمية الطاقة الألمانية في الأردن، ما أعاد الاستقرار النسبيّ نتيجة تدفق ضئيل للدخل، لكنه متواصل.

وفقاً لحديث الشلبي، فإن تمويل جهات مثل جوجل لبرامج تدريبية مجانية عبر نيوفيرستي، يساعد المؤسسة مالياً ويؤمن لها الاستقرار، بينما حتى الآن لا يمكن الاعتماد على تحقيق الاستقرار المالي من خلال البرامج المأجورة لوحدها.

لم تقم نيوفيرستي بجولة تمويلية علنية حتى تاريخه، ويبرر الشلبي ذلك بأن الشركاء يركزون على النمو واختبار السوق والحفاظ على التوجه، إضافة إلى حرصهم على احتفاظهم بالحرية الكاملة في أخذ القرارات. يقول المؤسس "قمنا بجولات تمويلية مصغّرة فقط خصوصاً أوقات التعثّر والهبوط".

رغم تحفظات الشركاء على بعض الضوابط المتعلقة بالحصول على تمويل ضخم، يؤكد الشلبي أن نيوفيرستي تسعى لجولة تمويل قادمة سيتم توظيفها في توسيع عمل المؤسسة والوصول لأعداد أكبر، وتوظيف البلوكتشين في دعم العملية التعليمية بشكل لم يسبق استخدامه في التعليم من قبل، كتوثيق الشهادات على الشبكة بحيث لا يمكن تزويرها، ويمكن التحقق منها في أي مكان وزمان. يقول الشلبي "قمنا بتطوير برنامج خاص لذلك يمكن بيعه للمؤسسات التعليمية. بالإضافة إلى خلق كود "توكن" خاص بالتقدم والمعرفة يمكن استخدامه للحصول على خدمات أخرى بالاتفاق مع مزودي هذه الخدمات".

 ستعمل نيوفيرستي بالتمويل القادم، "على دعم الطرق الإبداعية في تقديم المحتوى التعليميّ من خلال استخدام أدوات تصميم التعليم عن بعد وفلسفة الألعاب وأدوات التفاعل وخلق بيئة مناسبة للتعلم الجماعي" وفقاً لحديث المؤسس مع فورتشن العربية، كاشفاً عن العمل على تصوير بعض المحتوى التعليمي والتدريبي بكاميرات 360 درجة لعرضها باستخدام نظارات الواقع الافتراضي حيث يكون الطالب منغمساً تماماً في التعلم.

تقنية التعلم ودمج المتعة

تستخدم نيوفيرستي نظام إدارة التعلم إل إم إس (LMS) الخاص بها في العملية التعليمية عن بعد، والذي تم تطويره من قبل فريق المؤسسة التقني، وهو نظام مصمم لمواءمة طرق التعلم والتواصل المفضلة لشريحة المؤسسة المستهدفة، وتدمج المنصة برنامج زووم مع برنامج بريزي فيديو أو ستريم لابس لتصبح المحاضرات أكثر متعة، إضافة إلى استخدام وسائل التواصل الشائعة مثل مجموعات الفيسبوك والبريد الإلكتروني.

ولأنها ترفع شعار "المتعة بالتعلم"، تستخدم برامج التعلم باللعب والتفاعل مثل منتيميترز (Mentimeters) وكاهوت (Kahoot) وميرو (Miro) ومورال (Mural). ويقول الشلبي "أردنا تحويل التعلُّم لعملية يحبّها الطالب ويستمتع بها، وهذا ماجعلنا نلجأ لاستخدام فلسفة الألعاب (Gamification) لجعل دروسنا تحمل المتعة للطالب، فيستمتع بالتحديات والمنافسة كما يحصل في الألعاب تماماً".

خطط التوسع

وصل عدد طلاب نيوفرستي لأكثر من 77 ألف طالب، وأكثر من 30 محاضراً، وفريق عمل يتألف من 26 موظفاً يعملون في أكثر من 10 دول مختلفة، وهي تدعم اللغتين العربية والإنجليزية، ولا تزال تسعى للتوسع. وأقامت شراكة مؤخراً لتعليم اللغة الألمانية، وتخطط للتواجد بشكل قوي في كلّ من الإمارات والسعودية وقطر. يقول الشلبي "لدينا خطط لافتتاح فرع في دولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى إنشاء جامعة ألمانية بالتعاون مع جامعات ألمانية وشركاء محليين".

تراجع نيوفرستي حالياً رسوم التسجيل، وسيكون التحصيل عبر شبكة شركاء في المنطقة العربية لأن تحصيل الرسوم إلكترونياً غير متاح في الكثير من الدول العربية مثل (تونس، الجزائر، سورية، العراق). وستكون الرسوم "متناسبة مع المحتوى ومن يقدمه خصوصاً عند التعاون مع جامعات ألمانية، أما المحتوى الذي يتم تمويله من جهة ما كما حصل مع جوجل وفيسبوك فسيبقى مجانياً للجميع" وفقاً للمؤسس.


الوسوم :   سورية ،  ريادة الأعمال ،  ميتا ،  جوجل
image
image