المحتوى محمي
المحتوى محمي
وجه

قصة ممهد الطريق لظهور الأوليغارشية الروسية فلاديمير بوتانين

يقول فلاديمير بوتانين: "إذا لم تتمكن من تغيير القصة المكتوبة، فأنت بحاجة إلى كتابة قصة جديدة لتستطيع التوازن، وبما أنني أمتلك ما يكفي من المال والطاقة والمهارات، يمكنني فعل ذلك".

بقلم


money

فلاديمير بوتانين، رجل أعمال روسي (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

في خضم الصراع العسكري والسياسي بين روسيا وأوكرانيا، ووضع أسماء العديد من الأوليغارشيين الروس على قائمة العقوبات الأوروبية والأميركية، أفلت رجل الأعمال فلاديمير بوتانين أحد أبرز الأثرياء الروس، من قبضة العقوبات، حتى أضافته كندا نهاية الأسبوع الأول من أبريل/نيسان الماضي إلى قائمة عقوباتها.

لكن بوتانين الذي بلغت ثروته نحو 28 مليار دولار لغاية 21 أبريل/نيسان الماضي حسب بلومبيرغ، والذي يترأس عملاق التعدين "نوريلسك نيكل" التي يمثّل إنتاجها 40% من إنتاج البلاديوم العالمي و10% من النيكل المكرر، يدرك بحنكته وفهمه للمشهد السياسي، أنه لا يمكن إقصاء أكبر منتج في العالم للعنصر الرئيسي في صناعة الصلب، والذي تعتمد عليه أوروبا، على وجه الخصوص النيكل من الفئة 1، المستخدم في السيارات الكهربائية وإنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

قائد عملاق التعدين، يستمر بمحاولاته للتوسع ومد نفوذه التجاري. ورغم  قرار العقوبات؛ لا يزال يبحث ويجد الحلول ليحمي إمبراطوريته التجارية. فكيف تكونت عقلية هذا الملياردير المحنك منذ انطلاق أولى مخططاته لتحقيق الثراء الفاحش قبل أكثر من ربع قرن وحتى الآن؟

مهد طريق الأوليغارشية

في المرحلة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الشيوعية، كان بوتانين يفكر بالصفقة التي سترسم ملامح  المجتمع الروسي القادم حين كان موظفاً في وزارة الخارجية الروسية، فاستغل بشكل فعلي في 1995 توجه الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن نحو  الرأسمالية والخصخصة في التمهيد لحملته الانتخابية لولاية ثانية.

باشر بوتانين خططه بإطلاق فكرة القروض مقابل الأسهم، والتي تقوم على مبدأ منح الشركات الحكومية العاملة بقطاع الموارد الطبيعية والتي تغرق في الديون قروضاً من قبل رجال الأعمال الأثرياء والمصارف التجارية مقابل الحصول على أسهم منها، في عمليات لم تكن خاضعة للرقابة، ومن خلالها حصل بوتانين على حصة 38% من عملاق التعدين، واستطاع بعض الأشخاص الذين يملكون رؤوس أموال وفق هذا المبدأ، التوسع وزيادة تغلغلهم في الشركات لتبدأ طبقة الأوليغارشية بالظهور، والتحكم بأغلب ثروات البلاد والتمتع بالسلطة والنفوذ.

وفي حين أسس مخطط بوتانين لعدم المساواة الاقتصادية بين فئات المجتمع الروسي؛ يعد الأخير هذا التصرف ميزة تثبت مهارته، كما روى في حديث مع مجلة "فاينانشال تايمز" في نيسان/أبريل 2018، قائلاً: "مشكلة الشعب السوفييتي هي أن بلادنا كانت مثل الزنزانة، وبعد ذلك أصبحنا منفتحين فجأة، أولئك الذين لديهم شهية للمخاطرة، بالطبع لديهم ميزة".

ويبدو أن العقل المدبر لاتجاه تركز النفوذ والثروة بأيدي فئات قليلة من الأفراد، والذي مهد الطريق لظهور الطبقة الأوليغارشية قد امتلك قدراً من الحنكة إلى جانب شبكة العلاقات التي مكنته في بدايات عام 2000 من إقناع الكرملين بدعم مخطط "القروض مقابل الأسهم" رسمياً، واختيار بعض أصول الشركات العاملة بقطاع الموارد الطبيعية الأكثر قيمة في البلاد كضمان للقروض.

صانع الصفقات المحنك

في الوقت الذي يشكل فيه الأوليغارشيون، ولاسيما المقربون من الكرملين، أداة اقتصادية قوية بيد بوتين، إلا أنهم بذات الوقت يتحولون إلى ورقة ضغط من قبل الغرب حينما يريدون، وقد بدأت ملاحقة بعض الأوليغارشيين اقتصادياً في 2014 على خلفية ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

 في 2014 ظهر اسم بوتانين في الصفقات الكبرى، مثل إنفاقه 2.5 مليار دولار على تطوير منتجع "روزا خوتور" للتزلج ومنتزه التزلج على الجليد ومركز التزلج الحر لدورة الألعاب الأولمبية 2014.

وبينما كان العديد من الأوليغارشيين الروس يتعثرون بالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليهم أوروبا وأميركا، لم يتوقف بوتانين عن البحث عن مصادر جديدة للربح ومنافذ لتوسيع إمبراطوريته التجارية، حيث استثمر حالة خروج الشركات الأوروبية من روسيا على خلفية الحرب الأخيرة في أوكرانيا فبراير/شباط 2022، وبيعها أصولها، ليشتري حصة بنك "سوسيتيه جنرال" الفرنسي في روسيا لصالح شركته الاستثمارية "إنتيروس كابيتال" (Interros Capital).

رئيس الأبحاث في شركة الاستثمار "أكسيوم" الفرنسية، جيروم ليجراس (Jerome Legras)، وصف الصفقة التي حصل عليها بوتانين بـ "الرائعة"، وقال: "سوف تتعطل الأعمال التجارية بالطبع بسبب انهيار الاقتصاد وكل شيء، لكنه حصل على بنك مقابل ما يقرب من صفر تكلفة، لذا فهي بالطبع صفقة جيدة بالنسبة له". 

ربما يستند بوتانين في سياسته التوسعية، وتسيير أعماله إلى حنكة وخبرة سياسية قد يكون بناها بمعاصرة التبدلات السياسية المختلفة في روسيا، من معايشته لفترة ميخائيل جورباتشوف والاقتصاد الاشتراكي، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، وتوجه روسيا للخصخصة، في مرحلة عمله بوزارة الخارجية الروسية في ظل حكم يلتسن بالتسعينيات، ثم معاصرته لبوتين، وميدفيديف، إلى جانب كونه رجل أعمال مهم، حيث تربط الملياردير الروسي علاقات وثيقة مع الكرملين بقيادة فلاديمير بوتين.

ويصف أستاذ إدارة الأعمال الدولية في جامعة "ساوث كارولينا" "ستانيسلاف ماركوس" (Stanislav Markus)، بوتانين بأنه ليس مجرد صانع للصفقات فحسب، بل خبيراً في السياسة الروسية أيضاً، مشيراً بذلك إلى قدرته على مسايرة التبدلات السياسية في روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتسلم يلتسن الحكم في روسيا وصعود بوتانين كأحد أثرياء روسيا البارزين، ومع انتقال الحكم لبوتين، تمكن بوتانين من الحفاظ على مصالحه.

 في عام 2000، بعد أن تسلم بوتين الحكم في روسيا، بدأ يعمل على إعادة سلطة الكرملين على القرار السياسي، عقب تحكم الأوليغارشيين فيه فترة التسعينات، فعمل الرئيس الروسي على تقليص نفوذ المتحكمين بالإعلام، والموارد الطبيعية، وهنا كان على بوتانين أن يتصرف بحنكة حتى يحافظ على مصالحه الاقتصادية، وبالفعل تقرب من بوتين وأصبح من أصدقائه المقربين، والداعمين لتوجهه السياسي، واختار أن يكون ذراعاً للسلطة.

مخاوف بوتانين

ربما لا تزال مخاوف العودة إلى حالة الانغلاق الاقتصادي، وصعوبة مزاولة نشاط اقتصادي تجاري خاص، والانطلاق بعلاقات تجارية مع شركات تجارية شتى، يلاحق بوتانين الذي عايش هذا الحال في الثمانينيات بفترة ميخائيل جورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي، ويخشى الملياردير الروسي أن تذهب البلاد إلى أقسى من ذلك، والعودة إلى مرحلة الثورة البلشفية وبدء تشكل النظام الاشتراكي.

وكشف عن مخاوفه  من خلال رسالة تحذيرية توجه بها إلى الكرملين في مارس/آذار الماضي دعا فيها توخي الحذر بمصادرة أصول الشركات الغربية التي علقت أعمالها في روسيا على خلفية الصراع الروسي الأوكراني، قائلاً إن روسيا تخاطر بالعودة إلى الأيام المضطربة لثورة 1917 إذا أغلقت الباب في وجه الشركات والمستثمرين الغربيين، وحثّ الحكومة الروسية على المضي بحذر شديد في ما يتعلق بمصادرة الأصول.

وتابع بوتانين تحذيره: "إن قرار العديد من الشركات بتعليق العمليات في روسيا، عاطفي إلى حد ما بطبيعته، وربما يكون قد تم اتخاذه نتيجة ضغوط غير مسبوقة من الرأي العام في الخارج عليهم، لذلك على الأرجح سيعودون، وشخصياً سأحتفظ بهذه الفرصة لهم".

قد يكون بوتانين مراهناً في حماية ثروته ونفوذ عملاق التعدين "نوريلسك"، على قاعدة علاقاته الواسعة التي بناها على مدار أكثر من عقدين، وحنكته وتعمقه بالمشهد السياسي الروسي، وتقربه من بوتين بالإضافة إلى امتلاكه عقلية قائمة على التحدي والتفكير بقلب الموازين، كما يشير بحوار مع "فاينانشال تايمز" في معرض حديثه عن كونه ليس نادماً أنه أسس الأوليغارشية الروسية، الأمر الذي مهد له ليكون مساهماً في رسم الوجه السياسي والاقتصادي اللاحق لروسيا، ويقول: "إذا لم تتمكن من تغيير القصة المكتوبة، فأنت بحاجة إلى كتابة قصة جديدة لتستطيع التوازن، وبما أنني أمتلك ما يكفي من المال والطاقة والمهارات، يمكنني فعل ذلك"، فهل بالفعل سيكون الآن قادراً على ذلك بحنكته وسط مشهد اقتصادي مزعزع؟


image
image