المحتوى محمي
المحتوى محمي
نفط وطاقة

هل تفقد أوروبا أمان الطاقة خلال 2023 إذا استعاد الاقتصاد الصيني نشاطه؟

لجأت الدول إلى ترشيد استهلاك الطاقة وتخزين الاحتياطيات قبل حلول فصل الشتاء الذي يشهد ارتفاع الطلب على الطاقة إلى أعلى مستوياته. وحقّقت جهودها تلك نجاحاً ملموساً حتى الآن. 

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية، تصميم: أسامة حرح)

إذا كان العالم يمر بإحدى أسوأ أزمات الطاقة هذا العام، فإن لجوء الصين مؤخراً لتخفيف قيود جائحة كوفيد-19 قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة العالمية ويحولها إلى أزمة كارثية في عام 2023. منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط الماضي، كان على الكثير من الدول في مختلف أنحاء العالم مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة بصورة متزايدة نتيجة التوقف المفاجئ لإمدادات النفط والغاز الطبيعي الروسية.

ولجأت الدول إلى ترشيد استهلاك الطاقة وتخزين الاحتياطيات قبل حلول فصل الشتاء الذي يشهد ارتفاع الطلب على الطاقة إلى أعلى مستوياته. وحقّقت جهودها تلك نجاحاً ملموساً حتى الآن. فقد أعلن رئيس الوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول، يوم الاثنين الماضي أن أوروبا، المعرضة لخطر كبير في حال حدوث أزمة طاقة بسبب اعتمادها المتزايد على النفط والغاز الروسيين قبل اندلاع الحرب، قد "نجت من مأزق خطير" هذا الشتاء، لأنها استفادت من اعتدال المناخ في فصل الشتاء حتى الآن.

ولكن إذا كانت أوروبا قد استطاعت تحاشي أزمة حادة في الطاقة هذا الشتاء، فإن هذا يرجع أيضاً إلى ضعف الطلب على الطاقة في الصين وتباطؤ اقتصادها هذا العام بسبب سياسة القضاء على فيروس كورونا المستجد في البلاد.

فقد كان التزام الصين بالقضاء على الفيروس بمثابة صمام أمان للحكومات الأوروبية عام 2022، ولكن نظراً لأن البلاد تتطلع إلى إعادة فتح الاقتصاد بشكل أوسع في عام 2023، فقد يختفي أثر هذا الصمام في القريب العاجل. ومن المتوقَّع أن يرتفع إجمالي الطلب على الطاقة في الصين بما يعادل 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً العام المقبل، لينمو بشكل ملموس مقارنة بعام 2022، حسب تقرير توقعات الطاقة الأخير الصادر عن شركة إس آند بي غلوبال يوم الاثنين.

ويمثّل هذا الارتفاع 47% من إجمالي نمو الطلب العالمي على الطاقة في العام المقبل. وقد صرّح رئيس مسارات الطاقة في شركة إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس، دان كلاين، في بيان له قائلاً: "كان ضعف الطلب الناجم عن عمليات الإغلاق في عام 2022 يشكّل صمام أمان لأسواق النفط والغاز والفحم، في الوقت الذي كثّفت فيه أوروبا جهودها للبحث عن بدائل للطاقة الروسية".

وأضاف: "بعد مرور عام آخر على التطعيم باللقاحات وتزايد موجات الإحباط والغضب من الإغلاق الاقتصادي في الصين، من المرجَّح أن تخف حدة القيود عام 2023، وبالتالي فمن المتوقَّع أن يشهد العالم زيادة واردات الوقود الأحفوري مجدداً".

تراجع معدلات نمو الاقتصاد الصيني عام 2022

بعد سنوات من النمو المتواصل، شهد عام 2022 تراجعاً ملموساً في استهلاك الكهرباء في الصين لأول مرة منذ سنوات، نتيجة توقف الكثير من المصانع عن العمل بسبب الإغلاق وتباطؤ النشاط الاقتصادي بشكل عام. وقد تراجعت واردات الغاز الطبيعي المُسال التراكمية إلى الصين بنسبة 20.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2022 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي وفقاً لبيانات الجمارك، واستفادت أوروبا بقوة من وفرة المعروض المتاح.

وكانت الصين خلال فصل الصيف تعيد بيع فوائضها من الغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا بسبب ضعف الطلب في الداخل. ووفقاً لتقرير ستاندرد آند بورز، "فلولا ضعف الطلب بهذا الشكل، لارتفعت أسعار كافة السلع بلا شك، وذلك نتيجة تحويل إمدادات الطاقة التي لم تستهلكها الصين إلى مناطق أخرى، ومن أبرزها تحويل إمدادات الغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا".

ولكن مع اقتراب فصل الشتاء واستيقاظ اقتصادها على ما يبدو من سباته العميق، قد لا تتمكن أوروبا من الاعتماد على ضعف الطلب على الطاقة في الصين لفترة أطول.

ارتفاع الطلب على الطاقة في الصين

اتخذت الصين في أكتوبر/تشرين الأول قراراً بوقف إعادة بيع الغاز الطبيعي المُسال في الخارج لدعم إمداداتها من الطاقة قبل الشتاء. لكن التغيُّر الحقيقي في توقعات الطلب على الطاقة في الصين عام 2023 ربما حدث في وقت سابق من هذا الشهر، عندما بدأت الحكومة الصينية ببطء في التراجع عن قيود فيروس كوفيد-19 التي كانت تعيق اقتصاد البلاد منذ بدء تفشي الجائحة.

فقد اتخذت بعض المدن في الصين خطوات هذا الشهر لتخفيف متطلبات اختبار فيروس كورونا المستجد وقواعد الحجر الصحي استجابة للاحتجاجات التي اندلعت على مستوى البلاد لمناهضة عمليات الإغلاق وتوقعات ركود النمو الاقتصادي. وتشمل السياسات التي يتم إلغاؤها حالياً إجراء اختبارات جماعية على مستوى المدينة في حالة ارتفاع عدد الحالات المصابة، ومتطلبات الاستشفاء والحجر الصحي لأولئك الذين يعانون أعراضاً خفيفة أو لا يعانون أي أعراض، بالإضافة إلى عمليات الإغلاق واسعة النطاق التي تمنع الحركة وتفرض قيوداً صارمة على العمليات التجارية خارج أي منطقة تشهد مخاطر عالية.

ومع تصاعد عبء حالات كوفيد-19 الجديدة في الصين، فقد تُواصل الدولة تخفيف سياساتها الرامية إلى القضاء على الفيروس قضاءً مبرماً عام 2023، وفي هذه الحالة من المتوقع أن يعود استهلاك الطاقة إلى "مسار النمو"، وفقاً لتقرير ستاندرد آند بورز، مع تعرُّض أسواق الطاقة العالمية التي استفادت من ضعف طلب الصين هذا العام لتداعيات خطيرة. ونتيجةً لكل ذلك باتت التوقعات لعام 2023 في أوروبا أكثر قتامة.

وعلى الرغم من أن القارة قد استطاعت تجاوز أسوأ أزمة طاقة هذا العام، فقد حذر الجميع، بدءاً من المنظمات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصولاً إلى الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورغان تشيس، جيمي ديمون، من أن المعركة الحقيقية لم تنشب هذا العام، بل إنها ستندلع خلال فصلي الخريف والشتاء عام 2023، عندما تتراجع إمدادات الغاز الطبيعي الروسية بدرجة أكبر وتشتد المنافسة مع الصين.

وقد حذرت شركة ستاندرد آند بورز في تقريرها من استمرار أزمة إمدادات الطاقة من الغاز الطبيعي والفحم والنفط في عام 2023، وحثَّت الدول المعرّضة للخطر على الاستعداد وأخذ التدابير الاحتياطية.

كما حذرت ستاندرد آند بورز من "احتمالية تعرُّض أسواق الغاز والطاقة الأوروبية لضغوط أكبر في عام 2023" في ظل تقلص الإمدادات الروسية. ونبّه التقرير المشترين الأوروبيين من الاعتماد على تكرار ضعف الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في آسيا، مع التأكيد على أن خطة إعادة فتح الاقتصاد الصيني ستظل المحرّك الرئيسي لارتفاع الطلب العالمي على الطاقة خلال العام المقبل. وقال كلاين: "تشكّل سياسة الصين بشأن التعامل مع فيروس كوفيد-19 أهم العوامل الأساسية للطلب العالمي على السلع والطاقة في عام 2023".


image
image