المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

عندما تكون أرقام النمو الكبيرة مؤشراً على الخطر

المشكلة التي نتحدث عنها سائدة في كثير من الشركات الناشئة في العالم، وهي ناتجة عن خطأ يحدث عندما تهتم الشركات بالنمو واكتساب العملاء الجدد "Acquisition" أكثر من اهتمامها باستبقاء العملاء الحاليين والمحافظة عليهم، وهو ما يسمى "Retention".

بقلم


money

حمود المحمود، رئيس تحرير فورتشن العربية، ورئيس المحتوى في مجرة (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

تحدثت قبل أيام مع رئيس شركة تجارة إلكترونية عربية كبرى، وسألته عن مسألة غريبة لفتت نظري؛ وهي أن شركته التي تحظى باسم كبير وسمعة كبيرة، وتشهد إقبال صناديق الاستثمار الجريئة بكثرة للاستثمار فيها؛ هي ذاتها الشركة التي تحظى بسمعة سيئة من قبل العملاء. وأصحاب الخبرة الذين يتحدثون عن جودة منتجات هذه الشركة، يتحدثون في الوقت ذاته عن مدى سوء هذه الشركة في خدمة الزبائن، أو خدمات مابعد البيع عموماً. كان جوابه بسيطاً وسريعاً، أنه على علم بهذه المشكلة، أي مشكلة سوء خدمات الزبائن في شركته، ولكن السبب ببساطة، أن الشركة شهدت في السنوات الأخيرة نمواً كبيراً في عدد العملاء، من خلال ما يسمى في عالم الأعمال الريادية "Scaling up" أو نمواً نوعياً، لدرجة صار فيها عدد المستخدمين يفوق قدرة فريق خدمة العملاء على تلبية طلباتهم وحل مشكلاتهم.

بالطبع هذه المشكلة التي نتحدث عنها سائدة في كثير من الشركات الناشئة في العالم، وهي ناتجة عن خطأ يحدث عندما تهتم الشركات بالنمو واكتساب العملاء الجدد "Acquisition" أكثر من اهتمامها باستبقاء العملاء الحاليين والمحافظة عليهم، وهو ما يسمى "Retention". وفي نظر عالم الأعمال؛ فإن قضايا الفساد في حسابات ملايين العملاء في بنك ويلز فارغو، والتي تم الكشف عنها قبل سنوات قليلة، سببها أن الملايين من هؤلاء العملاء كانوا وهميين، اختلق موظفو البنك حساباتهم مدفوعين بإصرار الإدارة على زيادة عدد العملاء ورفع ما يسمى "التارغت". قصة بنك ويلز فارغو تعد نموذجاً عالمياً معروفاً على التسرع في النمو والآثار التي قد تنتج عنه. وبهذه المناسبة يرى العالم التقني البروفيسور كارل نيوبورت مؤلف كتاب "Digital Minimalism" أن بداية الضرر الذي تسببه وسائل التواصل الاجتماعي للمستخدمين، كانت عندما بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل فيسبوك وغوغل وغيرها تحضر نفسها للإدراج في سوق البورصة، عندها غيرت هذه الشركات من أهدافها التي كانت تركز على خدمة المستخدمين وإسعادهم وتحسين طرق التواصل بينهم وإمتاعهم بتجربة فريدة، إلى التركيز على الربح وتحقيق الأرقام التي تحقق سعادة المساهمين بدلاً من المستخدمين. 

يحدث هذا عندما تكون الأرقام هي الهدف، ويمكنك أن تفكر في أي عملية يتم فيها التركيز على الرقم عبر تجميع عدد كبير من العملاء أو المتابعين، فإن هذا ما سيحدث. ففي الحالات التي يكون فيها مستوى النمو في الأعمال كبيراً يسمى أحياناً "Exponential Growth" أو نمواً أسّياً مضاعفاً، وما لم يكن هذا النمو ناضجاً وطبيعياً، أي ما يدعى في لغة التسويق "Organic"، فإنه سيكون خطراً ويبقى بمثابة فقاعة. وقس على ذلك من يهتمون برقم عدد المتابعين في منصات التواصل الاجتماعي، والذين يسعون للحصول على طرق استحواذ مدفوعة تمكنهم من جذب مئات الآلاف من المتابعين بين عشية وضحاها، لكنهم سيكونون في الواقع مجرد فقاعة، وستكون فقاعة مضرّة أكثر من كونها نافعة نظراً لما تقدمه من انطباع خاطئ.

وينطبق هذا المبدأ على أي تسرع في النمو سواء في قطاع معين أو شركة معينة، فمثلاً هنالك في قطاع الأعمال والشركات الناشئة مصطلح يسمى "تأثير كبد الإوز المسمن"، وهو الحالة التي يزيد فيها الإقبال على تمويل شركة ناشئة جديدة لدرجة أن تقتلها كثرة التمويل أكثر مما تحييها. وهذه الحالة تنطبق على بعض الشركات الناشئة في المنطقة العربية والتي جذبت تمويلاً أكثر من اللازم لدرجة أن كثرة التمويل أفسد عملها وأطفأ شعلتها.

وتنطبق مخاطر النمو السريع على النمو في قطاعات معينة، كما يحدث تماماً في الحالات التي تسمى في عالم الأعمال "فقاعات"، تلك الفقاعات التي تحدث عندما يصبح لدينا موجة نمو في قطاع معين غير مبررة في قوانين الاقتصاد، لكنها قد تحدث بسبب عوامل نفسية أو اجتماعية أو سياسية تؤدي لفقاعة في العقارات أو في تجارة معينة، لكنها فقاعة قد تنفجر في أي لحظة ما لم تكن مستندة لأسس صحيحة، وما لم تشهد مراحل النمو الناضجة المطلوبة، ولذلك يتحدث خبراء مثل المفكر نسيم طالب عن أن الرموز غير القابلة للاستبدال أو ما يطلق عليها (NFTs) تعد فقاعة وستنفجر قريباً، حيث ستجدون أن التسرع في تقييمها كان خطأ يشبه التسرع في استحواذ العملاء عليها قبل التأسيس للنمو الناضج، فقد كانت أول تغريدة لمؤسس تويتر قد بيعت كرمز غير قابل للاستبدال بثلاثة ملايين دولار قبل سنة تقريباً لكنها لا تساوي الآن سوى بضعة آلاف من الدولارات. 

ولا يقتصر الأمر في عالم اليوم على فقاعة هذه الرموز أو فقاعة النمو المتسرع أو فقاعة الشركات الناشئة المسمنة، لكنه يصل إلى العملات المشفرة، والتي لا نقول إنها "وهم"، بل نقول إن نموها الكبير والمتسرع هو فقاعة، مثلها مثل الكثير من الفقاعات التي يمتلئ بها عالمنا الذي يشهد اليوم تسارعاً وتسرعاً سببته التكنولوجيا المتسارعة بشكل غير مسبوق، لدرجة أن الخبير المالي البروفيسور موراي سابرين كتب في مقال نشرته فورتشن، بأن هناك فقاعة في كل شيء تقريباً في عالمنا المعاصر، وبأن هذه الفقاعات ستنفجر قريباً، وسيحدث بعدها ركود حتمي في نهاية العام الحالي.


image
image