المحتوى محمي
المحتوى محمي
وجه

عمران خان بطل الكريكيت الذي سقط في ملعب السياسة والاقتصاد

حاول بطل الكريكيت السابق عمران خان، أن يكون كذلك في ميدان السياسة الباكستاني المفتوح على كل الاحتمالات والتغيرات، لكن ربما كانت الأزمات التي تعانيها البلاد أقوى منه.

بقلم


money

عمران خان، رئيس الوزراء الباكستاني السابق (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

ربما راهن عمران خان على شعبيته وشهرته كبطل دولي في رياضة الكريكيت (يلعبها فريقان من 11 لاعباً ترتكز على رمي الكرة، وصدها بمضرب من قبل الخصم قبل ارتطامها بأهداف خشبية) حين قاد بلاده لحصد كأس العالم في اللعبة عام 1992، فأراد أن يعيد الأضواء إليه مرة أخرى بعد قرابة الثلاثة عقود، لكن هذه المرة في ملعب السياسة.

دخل خان المشهد السياسي عام 2018 بتوليه منصب رئيس الوزراء، طامحاً بأن يكون استثناء عن سابقيه، وأن لا يطاح به مبكراً، بعد أن قطع أشواطاً من المناورات السياسية بقيادة حزبه "حركة الإنصاف" الذي أسسه عام 1996.

بطل الكريكيت السابق، حاول أن يكون كذلك في ميدان السياسية الباكستاني المفتوح على كل الاحتمالات والتغيرات، لكن الأزمات التي تعانيها البلاد كانت أقوى منه، فلم يستطع صد كل الكرات التي ضربت نحوه، لينتهي الأمر بإطاحته من منصبه في  أبريل/نيسان الجاري.     

محاولات إنقاذ لم تكتمل

حين تولى خان منصب رئيس الوزراء، كانت البلاد في مواجهة مع العديد من الأزمات الاقتصادية، من فقر وبطالة، وركود اقتصادي، ما دفعه إلى صياغة شعاراته بشكل يعبر عنها حتى ينال رضا الباكستانيين، فرفع الآمال بإصلاح اقتصادي، وتأمين 10 ملايين وظيفة، ومكافحة الفساد، وتغيير وجه باكستان الممزق في الخارج، وبالنهاية خلق "باكستان جديدة" بحسب تقرير نشر على رويترز في آب/أغسطس 2018. 

التغيير والإصلاح لم يكونا سهلين، حيث ورث خان وضعاً مالياً معقداً وأزمة في ميزان المدفوعات عليه حلها، لكنه على الرغم من ذلك، انطلق إلى تحقيق أهدافه الاقتصادية التي يريد، وفي 2019، تمكنت الحكومة الباكستانية من خفض العجز في الحساب الجاري بأكثر من 70%، ولكن في مقابل هذا النجاح، انخفض النمو الاقتصادي في البلاد من 5.6% عام 2018، إلى 3.3%، كما ارتفعت معدلات التضخم.

استمرت محاولات خان في النهوض بالاقتصاد المتهاوي، فعمل على توسيع خطط الرعاية الصحية في مناطق الفقراء، وحقق ذلك في مقاطعتين، إلى جانب محاولاته في إصلاح نظام التوظيف الحكومي، والتخفيف من حدة الفقر.

ومع حلول عام 2020، وقبل أن يتمكن من تحقيق كل أهدافه الاقتصادية، كان عليه أن يقف بمواجهة تحدٍ جديد مع بدء انتشار فيروس كورونا وما أفرزه من تداعيات اقتصادية عالمية، ليبدو الرياضي المتمرس محاطاً بالضربات من كل صوب، وعلى الرغم من ذلك؛ بقي واقفاً يحاول صدها وإكمال المباراة.

بطل تحدي كورونا

حاول خان استغلال الحالة التي رافقت انتشار فيروس كورونا من قلق وخوف والتفكير بمستقبل ضبابي وتداعيات اقتصادية لبلاد تغرق في الأزمات، ليثبت قواعده أكثر في منصبه، ويظهر التوجه الذي تبناه في التصدي للأزمة بثلاث مناحٍ:

  • بينما توجهت معظم الدول إلى سياسة الإغلاق الكامل للحد من انتشار الفيروس بين الناس، اختار خان بألا يكون الأمر صارماً، وطبق الإغلاق على أحياء معينة ولفترات قصيرة، بما يسمح للناس بمزاولة عملهم، ومن هذه الناحية ربما استطاع أن يلعب على مشاعر الباكستانيين بإتقان. وبعد فترة من بدء انتشار الفيروس، ألقى خطاباً قال فيه إن 25% من الباكستانيين لا يأكلون وجبتين يومياً، مؤكداً أن الإغلاق الشامل للمدن قد ينقذ السكان من عدوى فيروس كورونا المستجد، لكنهم سيموتون جوعاً، مشيراً إلى أن باكستان لا تملك رفاهية إغلاق المتاجر لفترة طويلة، كالولايات المتحدة أو أوروبا، بل قد يدفع ذلك البلاد نحو فقر مدقع.
  • وسط الشكوك المتباينة تجاه علاقة خان بالجيش الباكستاني، من حيث اتهامه بأنه وصل بدعمه أو من حيث إشاعة وجود قطيعة، اتجه خان لتعزيز التعاون مع الجيش في جائحة كورونا، المؤسسة التي لها تأثير على مصير بقائه في منصبه، وربما كان لهذا التعاون حينها هدف آخر يتمثل بإيصال رسالة للحزب المعارض "الرابطة الإسلامية" بأنه لن يكون هناك مجال لصفقة وراء الكواليس مع الجيش للإطاحة به.
  • أطلق نداءات لمراعاة الدول النامية عالمياً في ظل الجائحة، وتقديم الدعم لها، وإسقاط الديون عنها حتى لا تغرق بالمزيد من الفقر، ومنها بلاده. تمكن خان من التعامل بتوازن مع أزمة كورونا، مصدّراً الصورة بأنه سيحافظ على الأرواح دون أن يتسبب بقطع سبل العيش، وربما استطاع بهذا التصرف أن يكسب جولة من جولات التحدي  على الأقل، بالظهور بصورة البطل الإنساني الذي حاول أقصى ما يستطيع فعله في دولة نامية ترهقها الأزمات.

وعود خائبة

لكن، لم يستطع خان كسب كل الجولات، فقد ورث واقعاً معقداً، ومشاكل متصاعدة في الداخل والخارج، ولم تتحقق كل  الشعارات، فبعد نحو 3 أعوام من توليه المنصب، تزايد تأزم الوضع الاقتصادي.

 يشير مقال منشور على مجلة "الغارديان" في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إلى أن أسعار المواد الأساسية تضاعفت وكذلك الوقود، وازداد التضخم الاقتصادي في البلاد، وكانت النتائج على عكس ما وعد به خان، وأصبح تأمين المستلزمات المعيشية أمراً صعباً، وفق ما ساقت الغارديان من آراء لمواطنين باكستانيين في تقريرها.

لم يجد خان حلاً فعلياً لمواجهة الواقع الاقتصادي المتردي حينها، فبدأ بإلقاء اللوم على معارضيه، وسياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاهه، وحاول أنصاره تبرير ارتفاع تكلفة المعيشة، وهبوط سعر عملة البلاد الرسمية الروبية مقابل الدولار، بالظروف العالمية، لكن الأمر لم يتح له مهرباً من معارضيه الذين يجمعون أسبابهم وذرائعهم، ليعجلوا بإزاحته، وقد تكون ورقة الوضع الاقتصادي المتهالك، أكثر الأوراق ربحاً، في بلد ربط آماله على وعود رئيس حكومته لانتشاله من ضائقته، لكن النتائج جاءت معاكسة.

فقدان الثقة

لم يكمل رئيس وزراء مدته الدستورية (5 أعوام) في باكستان منذ انفصالها عن الهند في 1947، وخان لحق بمصير أسلافه السياسيين، حيث لم تسر الأمور كما رسم لها منذ تسلمه المنصب، وعزل من منصبه يوم الأحد 10 أبريل/نيسان الجاري، بعد تصويت بحجب الثقة عنه في البرلمان بأغلبية 174 صوتاً، أي أكثر من الأغلبية البسيطة المطلوبة بصوتين.

من المرجح أن أحد أسباب سقوط خان في المعركة السياسية الأخيرة، أنه خسر الجيش الباكستاني الذي ساعده في وصوله إلى المنصب، حيث يعد دعم الجيش في باكستان مهماً لاستمرار رئيس الوزراء في منصبه، وخلاف المؤسسة العسكرية مع خان هز حزبه، حسب نيويورك تايمز التي أشارت إلى أن المشكلات دبت بين رئيس الوزراء المخلوع والجيش بعد خلاف مع قائد الجيش الجنرال قمر جاويد باجوا، على منصب رئيس الاستخبارات الداخلية، حيث يرغب خان بإبقاء فايز حميد في المنصب، في حين لا يرغب باجوا بذلك.

لكن، على الرغم من اختلاف الأزمات السياسية التي ساهمت بشكل أو بآخر بزعزعة المشهد في باكستان، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى أكبر زيادة في أسعار الفائدة منذ عقود في الأسبوع الذي سبق عزله، قد سرّع بإطاحته من منصبه، وشكّل ذريعة قوية لزعيم حزب "الرابطة الإسلامية" المعارض شهبناز شريف للإلحاح بالمطالبة بقرار حجب الثقة من ناحية، ومن ناحية أخرى، كان الوضع الاقتصادي جانباً تعلق عليه أسباب  خلاف خان مع الجيش.

قد يكون خان استفاد من نجوميته في الرياضة، وشعبيته، والكاريزما التي يتمتع بها، وخطاباته التي تحمل قدرة على التأثير، لكن لم يقدّر لبطل الكريكيت أن يكون كذلك في ميدان السياسة والاقتصاد، فأشواط المناورات مفتوحة هنا والخصوم أكثر عدداً، وقد تكون الكرات المضروبة تجاهه أقوى وأكثر، وليست من فريق واحد في بلاد يهدد مصيرها التوتر السياسي المتصاعد، وعدم الاستقرار الاقتصادي.


الوسوم :   إدارة ،  باكستان ،  كوفيد-19
image
image