المحتوى محمي
المحتوى محمي
استثمار

خبير يرى وجهاً مشرقاً للتضخم

يعتقد الأستاذ في جامعة كاليفورنيا براد ديلونغ أننا في خضم تحول اقتصادي ضخم وينبغي أن يتفاءل الجميع بشأنه، وأن هذا التحوّل يتمحور حول اقتصادنا الغريب والمذهل.

بقلم


money

(مصدر الصورة: Andriy Onufriyenko - Getty Images)

كيف يمكن أن يكون لارتفاع التضخم أي جانب سار أو إيجابي؟ كيف ذلك وقد ارتفعت أسعار كل شيء مقارنة بالعام الماضي، كما أن القراءات الأعلى من المتوقع لمؤشر أسعار المستهلك تُهلِك سوق الأسهم باستمرار، وأدّت مؤخراً إلى انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (S&P 500) بأكثر من 1,000 نقطة يوم الثلاثاء الماضي، وهو أسوأ أداء يومي للمؤشر منذ يونيو/ حزيران 2020.

في الواقع، يقول أحد كبار المؤرخين الماليين في الولايات المتحدة إن الفترة الحالية تعيد إلى الذاكرة درساً مهماً في الاقتصاد. فقد قال الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي (UC Berkeley)، براد ديلونغ لفورتشن (Fortune) إن "التضخم المستمر الذي نشهده حالياً هو أمر جيد للغاية".

وتتناقض تعليقاته مع رأي آخر متشدد بشأن التضخم ومعروف لعالم الاقتصاد في جامعة هارفارد، لاري سمرز، الذي عمل جنباً إلى جنب مع ديلونغ في وزارة الخزانة الأميركية خلال إدارة الرئيس كلينتون. ويعتقد ديلونغ أننا في خضم تحول اقتصادي ضخم وينبغي أن يتفاءل الجميع بشأنه، وأن هذا التحوّل يتمحور حول اقتصادنا الغريب والمذهل في آن واحد في فترة ما بعد الجائحة.

عالم العمل الافتراضي

يقول ديلونغ إن الاقتصاد الجديد قائم على قضاء المزيد من الوقت على الإنترنت، والوظائف التي تتطلب تفاعلات شخصية أقل، ومعدلات أعلى في إنتاج السلع. ويبدو الأمر كما لو أننا تقدّمنا لعقود في المستقبل خلال بضع سنوات فقط.

وقال ديلونغ رداً على السؤال عن مدة التحوّل الاقتصادي الفعلي الذي انضغط خلال العامين الماضيين إننا تقدّمنا نحو "عقدين من الزمن، وهذا يعني عقدين كاملين من التغيير الهيكلي والتعلم الاجتماعي والاقتصادي عن كيفية اعتبار الوجود الرقمي أمراً دائماً".

وقد تحدّث ديلونغ عن الاقتصاد الجديد خلال مقابلة منفصلة مع فورتشن الأسبوع الماضي عن كتابه الجديد بعنوان الانتقال البطيء نحو المدينة الفاضلة (Slouching towards Utopia)، وقال إن "السمات الأساسية لهذا الاقتصاد هي قلة عدد العاملين المباشرين (وجهاً لوجه) في متاجر تجارة التجزئة، وتضاعف عدد طلبات التسليم، والزيادة الملحوظة في إنتاج السلع، وأيضاً زيادة الإنتاج المرئي والمعلومات والترفيه"، وأشار ديلونغ إلى أن الاجتماع جرى عبر منصة زووم (Zoom)، ما يدعم وجهة نظره.

ويؤثر التضخم في الولايات المتحدة حالياً في مجالين يمكن أن يدعما الاقتصاد على المدى الطويل، وهما وفقاً لديلونغ: المساهمة في توسيع قطاعات اقتصادية جديدة مهيأة للنمو الملحوظ، وكشف عوائق سلاسل التوريد الموجودة منذ بداية الجائحة وتخفيفها. وقال ديلونغ إن البطالة الآن في أدنى مستوياتها منذ فترة ما قبل الجائحة، لكن شكل التوظيف الحالي الذي نشهده بعد الجائحة يختلف عما كان قبلها.

وأضاف أن السوق قد تعاود الوصول إلى اقتصاد التوظيف الكامل بسرعة، لكن هذا الاقتصاد الجديد سيكون مختلفاً تماماً عندما يتحقق. ويجب أن يترافق نقل الموظفين بعيداً عن قطاعات مثل تجارة التجزئة والضيافة إلى القطاعات المتوسّعة مع حوافز بهيئة أجور أعلى برأي ديلونغ، ما يقودنا إلى التضخم.

وقال: "إذا كنت ترغب في خلق حوافز اقتصادية لدفع الموظفين للانتقال إلى القطاعات المتوسعة التي تحتاج بالفعل إلى مزيد من الموظفين، فيجب أن ترتفع أجورهم". وأضاف: "عندما تخرج من ركود كبير، يجب أن يكون المعدل الطبيعي للتضخم أعلى من المعدل المعتاد البالغ 2%، وإن معدل التضخم الذي تحتاجه السوق فعلياً لإجراء تخصيص فعّال للإنتاج والتوزيع والنقل يجب أن يتجاوز 2%".

ويعتقد ديلونغ أن هناك جانباً آخر إيجابياً للتضخم الحالي إلى جانب تحويل الاقتصاد إلى شكل جديد، حيث قال: يمكن أن يساهم التضخم في التخلّص من معوقات سلاسل التوريد، وتطبيق المثل الشعبي القائل"لا يفل الحديد إلا الحديد" كناية عن أن ارتفاع الأسعار سيكون له تأثير غير مباشر سيؤدي إلى خفض الأسعار في النهاية عن طريق تقليل الطلب.

ونظراً لأن مشكلات سلاسل التوريد تساهم في ارتفاع الأسعار وخفض القدرة الشرائية للأفراد، فقد يكون ذلك هو دافع إعادة تنشيط الصناعة وتعزيزها بالنتيجة، وذلك برأي ديلونغ الذي يعتقد أن التضخم يدفع المزيد من المنتِجين للتفكير في كيفية إنتاج المزيد مما نحتاجه أو خفض إنتاج ما لا نحتاجه.

وقال: "أعتقد أن هذا هو جوهر السوق، فعندما ترتبط الأسعار مع القيم الاجتماعية، نجد أن الجميع منخرطون في حل المشكلة وأن هذا الحل لا يقتصر على شخص أو بضعة أشخاص فقط، بل يفعل الجميع ما في وسعهم لحل المشكلات حسب ظروفهم الراهنة". لكن كما هو الحال دائماً، هناك جانب سلبي.

مخاطر الركود التضخمي

يعترف ديلونغ واقتصاديون آخرون بأن النظرة الإيجابية للتضخم مترافقة مع علامات تحذيرية، وهناك مخاوف من أن تتحقق التوقعات القائلة إن التضخم قد يترسّخ في الاقتصاد ويصبح ظاهرة دائمة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ظاهرة اقتصادية أسوأ.

وهذه الظاهرة التي تُثير مخاوفهم تُدعى الركود التضخمي: وهو السيناريو الأسوأ الذي يتضمن نمواً اقتصادياً بطيئاً مترافقاً مع ارتفاع معدل التضخم، ويعتقد ديلونغ أن هناك احتمالاً لا بأس به لحدوث هذه الظاهرة.

وقال: "الأسوأ من ذلك كله أننا قد نواجه ركوداً تضخمياً كالذي حصل في السبعينيات، وسيكون الحال مزرياً إذا ترسّخ التضخم مثلما تُشير التوقعات".

ويضيف ديلونغ أن الوضع المثالي هو تكرار حالات الركود التي ضربت الولايات المتحدة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، حيث كانت قصيرة نسبياً وانحسر التضخم بعدها.

وحذّر ديلونغ من أن السيناريو الأسوأ لحصول الركود التضخمي لا يزال ممكناً أيضاً، خاصة إذا تحققت التوقعات وأصبح التضخم راسخاً في الاقتصاد. وقد كان رسوخ التضخم هو مصدر القلق الرئيسي للفيدرالي الأميركي لهذا العام، حيث يريد البنك المركزي تجنّبه بشدة، إذ يرتبط رسوخ التضخم بالأشخاص الذين يتوقعون استمرار ارتفاع الأسعار، ما قد يؤدي إلى استمرار التضخم لفترة أطول بكثير مما كان سيحدث بخلاف ذلك.

وقال ديلونغ إنه إذا أصبح التضخم راسخاً خلال الركود الاقتصادي، فسيكون ذلك "أمراً مريعاً" بالنسبة للاقتصاد، وسيعتمد احتمال حدوث ذلك على الأرجح على الاتجاه الذي تتخذه أسعار الوقود والطاقة، حيث كان من الصعب إلى حد كبير توقّع هذه الأسعار حتى الآن هذا العام.

وقال إن "احتمال رسوخ التضخم والدخول في ركود تضخمي كالذي حصل في سبعينيات القرن الماضي يعتمد بشكل أساسي على اتجاه أسعار الطاقة، إذ إن توقعات التضخم مرتبطة غالباً بأسعار الوقود والطاقة".

وحذّر اقتصاديون ومصرفيون مخضرمون، مثل كبير المستشارين الاقتصاديين لشركة أليانز (Allianz) وغرامرسي (Gramercy)، محمد العريان، والرئيس التنفيذي لبنك غولدمان ساكس (Goldman Sachs)، ديفيد سولومون، من أن التضخم قد أصبح راسخاً ومستمراً في جميع أنحاء العالم، كما أصدر البنك الدولي عدة تحذيرات هذا العام من أن التضخم المستمر المترافق مع نمو اقتصادي بطيء يحمل تحذيرات فعلية من الركود التضخمي في العديد من البلدان حول العالم.

ولا يتفق كل الخبراء الاقتصاديين مع وجهة نظر ديلونغ القائلة إن هناك الكثير من الجوانب المبشّرة بشأن التضخم الحالي، حيث يقول الكثير منهم إنه تحدٍّ أكثر إلحاحاً تفشل الحكومات في السيطرة عليه بشكل كافٍ.

وانتقد الخبير الاقتصادي بجامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University)، ستيف هانكي، الفيدرالي الأميركي مؤخراً بسبب "عدم الكفاءة وسوء الإدارة" اللذين أدّيا إلى التضخم، وتوقّع أن سماح الفيدرالي بنقص المعروض النقدي الأميركي قد يؤدي إلى حدوث ركود هائل العام المقبل.

وكان لاري سمرز، مدير ديلونغ القديم، يتحدّث بطريقة متشائمة وباستمرار عن التضخم محذراً العام الماضي من أن الفيدرالي الأميركي لم يتخذ الإجراءات اللازمة بشأن ارتفاع الأسعار، وكتب بعد إصدار تقرير مؤشر أسعار المستهلك هذا الأسبوع أن البنك يواجه "أزمة تضخم حادة"، وحذّر من أنه من المرجح أن تبدأ البطالة في الارتفاع قبل أن نشهد انخفاضاً كبيراً في التضخم.

ويخشى العديد من الاقتصاديين من أن المستويات المرتفعة للتضخم اليوم والتزام الفيدرالي الأميركي باحتوائه قد يؤديان إلى ركود قريب في العام المقبل، على الرغم من أن هيئة المحلّفين لا تزال تناقش ما إذا كان هذا سيُحدِث تباطؤاً شديداً أو بسيطاً.

وشبّه ديلونغ في مدونة نشرها العام الماضي، عندما أصبح التضخم بالفعل مصدر قلق، تعافي الاقتصاد الأميركي بسائق يتسارع فجأة وبصورة كبيرة، حيث تمثّل علامات الانزلاق المتبقية على الطريق التضخم، وبذلك يستحق الأمر العناء لإعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح على الرغم من أن هذه الخطوة قد تكون لها جوانب سلبية.

والآن بعد مرور عام، لا يزال التضخم مجرد أثر مؤقت على طريق الانتعاش الاقتصادي كما يقول ديلونغ، لكنّه يعترف بأن التوقعات أصبحت أقل وضوحاً حالياً في ظل الحرب في أوكرانيا وعدم اليقين في أسواق الطاقة في المستقبل المنظور.

وقال: نعاني حالياً من تضخم في أسعار الطاقة والمواد الغذائية ناجم عن غزو روسيا لأوكرانيا وهذا يعقّد الوضع بشكل كبير ويجعله أكثر خطورة.


image
image