المحتوى محمي
المحتوى محمي
استثمار

لماذا على الشركات الناشئة العربية الاستجابة لدعوات خفض الإنفاق؟

هناك بعض النفقات المخفية غير الضرورية وسط المصاريف اليومية والتشغيلية تحتاج الشركات الناشئة إلى ضبطها وعدم التهاون معها، سواء في الأزمات أو الظروف العادية.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية)

تحتاج الشركات الناشئة إلى خفض الإنفاق، سواء في أوقات الأزمات أو الظروف العادية، وفقاً للمستثمر الملائكي السعودي فيصل العبد السلام، والذي يرى أن لبعض المؤسسين مشاكل في جمع الأموال، ومع ذلك ينفقون أحياناً بشكل منفلت وبطريقة سلبية.

في حديثه مع فورتشن العربية، يشير العبد السلام إلى أن هناك بعض المجالات التي تحتاج إلى خفض الإنفاق الآن، وخصوصاً تلك التي لها علاقة بالاستيراد، فهي بحاجة لخفض الإنفاق على الشحن نتيجة الاضطرابات التجارية، إذ إن كثيراً من الشركات التي يتطلب عملها الإنفاق على الشحن، تعاني.

بدأت شركة نتسوق (Natsawaq) الناشئة للتجارة الإلكترونية، ومقرها الإمارات العربية، العمل على خفض الإنفاق في الفترة الأخيرة، لتتمكن من الحفاظ على السيولة، والاستفادة من رأس المال المتبقي لتغطي أي ركود أو ضعف في الإيرادات، وفقاً لحديث مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي المغربي، أيوب طويلي، مع فورتشن العربية، والذي يشير إلى أن الشركة استغنت عن بعض الأنشطة التسويقية عالية التكلفة، مع الحفاظ على الاستراتيجية والرؤية للنمو.

دعوات خفض الإنفاق

تتفق خطوات نتسوق مع الدعوات والنصائح التي تلقتها الشركات الناشئة حول العالم لخفض الإنفاق بهدف مواجهة الظروف الاقتصادية الحالية وانخفاض الاستثمارات، فشركة سيكويا كابيتال (Sequoia Capital)، إحدى شركات رأس المال الاستثماري في وادي السيليكون بأميركا، نصحت في مايو/أيار الماضي مؤسسي الشركات الناشئة بخفض التكاليف أو مواجهة خطر الاندثار، وحثتهم على الاحتفاظ بالأموال من أجل البقاء، كما تقوم بتدريب الشركات الناشئة على خفض التكاليف، كونها لا ترى أن الاقتصاد سيتعافى في وقت قريب، ونصحتهم أيضاً بتجميد التوظيف مع إعادة النظر في مجالات البحث والتطوير والتسويق والنفقات الأخرى.

وهناك دعوة أخرى من المستثمر الأميركي والشريك في نايت فينتشرز(Night Ventures) الاستثمارية، بين ماثيوس، في أغسطس/آب الماضي لتخفيض الإنفاق بشكل عام من 20-30%، ومن وجهة نظره، سيُحدث ذلك فرقاً كبيراً للشركات الناشئة فيما يتعلق بمن سيخرج سالماً العامين المقبلين.

وقامت بعض الشركات الناشئة بخفض الإنفاق على التسويق عبر الإنترنت بنسبة 30- 60%، حسب ماني كونترول(moneycontrol) في أغسطس الماضي، حيث أصبحت الشركات الناشئة التي قامت بهذا الخفض أكثر وعياً بالتكلفة، ويتم ترشيد جميع التكاليف الخاصة بالتسويق، وفقاً للرئيس التجاري لشركة شير شات (ShareChat)، أجيت فارغيز.

هناك توقعات قادمة من وادي السيليكون في أميركا بانكماش حاد قادم يتطلب تخفيضات مؤلمة، وفقاً لتقرير ذا وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) في يوليو/تموز الماضي، وأشار من خلاله بعض مؤسسي الشركات الناشئة إلى تعديل خطط التوظيف وتقليصها، وتخفيض بعض النفقات والامتيازات.

ونصحت مسرعة الأعمال الأميركية واي كومبينيتور (Y Combinator) في مايو/أيار الماضي الشركات الناشئة بالتخطيط لمواجهة الأسوأ، وترى أن أفضل طريقة للاستعداد هي خفض التكاليف، والحد من معدلات الإنفاق والحرق، أي المبالغة في الإنفاق، والتوظيف.

إيجابية خفض الإنفاق

تأسست شركة نتسوق في ديسمبر 2021، كمتجر للتسوق، يوفر للمغتربين المغاربة بالإمارات المنتجات والسلع المغربية، ويشير مؤسسها طويلي إلى أن السيولة التي كانت مخصصة للإنفاق في 12 شهراً تعمل الشركة على إنفاقها حالياً على مدار 17 شهراً، للحفاظ على موقعها في السوق الإماراتي، ونظراً لعدم وجود تمويل حالياً.

ويسعى فريق العمل إلى إغلاق جولة تمويلية قريباً للمساعدة في تطوير الشركة، حسب طويلي. صحيح أن الشركة تحقق الأرباح حالياً، لكنها تقوم بإعادة استثمارها، ويرى طويلي أن خفض الإنفاق إيجابي بالنسبة للشركة في الوقت الحالي.

ومن الشركات العربية التي أعلنت عن خفض إنفاقها، شركة سويفل (SWVL) للنقل الذكي، وتتضمن الخطوات التي اتخذتها، من أجل التحول إلى الربحية وتعويض خسائرها التي تتوقع الشركة أن تصل إلى 90 مليون دولار هذا العام، خفض العمالة بنسبة 32%، وإيقاف بعض الرحلات الخاسرة في كل من مصر والأردن وكينيا، وتأجيل التوسع بأسواق مستهدفة، وفقاً للمدير المالي للشركة يوسف سالم.

مراقبة الأوضاع

تراقب شركة أوليمون (olymon) الإماراتية الناشئة الأوضاع الحالية باهتمام، لتحديد ما يجب اتباعه، وفقاً للشريك المؤسس والرئيس التنفيذي عبد الله العجيل، وتتخصص الشركة في الذكاء الاصطناعي، وتقدّم حل تعاملات الشركات B2B المستند إلى السحابة لمتاجر البقالة المستقلة والمتاجر الصغيرة ومتاجر المواد الغذائية الافتراضية التابعة للتجار، لإدارة طلباتهم عبر الإنترنت.

ويقول العجيل في حديثه لفورتشن العربية إن أي شركة ناشئة في مرحلة البداية تواجه تحدياً في توفير ميزانية كافية لتطوير واختبار فكرتها لاستقطاب المستثمرين وتسريع نموها.

ويرى العجيل أن خفض نفقات الشركات الناشئة في منطقتنا العربية أمر مهم، بسبب زيادة حذر المستثمرين في التوجه نحو التمويل، فأصبح رائد الأعمال أمام خيارين، إما أن يكمل تطوير منتج شركته حتى تحقق الأرباح، أو يخفض من قيمة الشركة الإجمالية أمام المستثمرين، فريادة الأعمال وفقاً للعجيل تتطلب المرونة، إذ حتى الشركات القوية تحتاج إلى الإنفاق ضمن المعقول دون مبالغة.

يؤكد العجيل أن شركته أدركت منذ البداية أن قطاع التكنولوجيا التي تحل مشاكل محلات التجزئة لا يجذب المستثمرين باكراً، مثل بعض المجالات الأخرى، لأن هذا القطاع يأخذ وقتاً أكبر حتى يحقق الربحية، وهذا الأمر كان في صالح الشركة، حيث يستكمل فريق العمل حالياً تجاربه على السوق دون ضغوط ناتجة عن انتظار الربحية. يقول العجيل إن إدراكهم لتأخر إقبال المستثمرين دفع الفريق للتركيز على المهام التي تجذب الطلب من السوق قبل جذب المستثمرين.

التحكم في الإنفاق

التحكم في الإنفاق مهم في كل الأوقات، وفقاً للشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة خزنلي (Khazenly) محمد يونس، والشركة تعمل في خدمات التجارة الإلكترونية ومقرها مصر. يقول يونس لفورتشن العربية إن شركته كانت تعمل بالتمويل الذاتي منذ بدايتها، ولذلك اهتمت بخفض النفقات، وتأمين معدل نمو مطمئن يوصل الشركة إلى هدفها دون تمويلات تشغيل، مقابل إمكانية الحصول على تمويلات بهدف التوسع.

وجمعت خزنلي 2.50 مليون دولار في جولة تمويلية في يونيو/حزيران الماضي، وبعدها، بدأت بتركيز الإنفاق على الأمور التي تساعد في النمو، فاستخدمت التمويل في زيادة مرافق الشركة أربعة أضعاف ودعم التوسع الجغرافي والتخطيط للتوسع خارج مصر، وفقاً ليونس.

ويرى يونس أن هناك شركات تتوسع في شراء معدات على سبيل المثال، أو أشياء ليس لها علاقة مباشرة بالنمو، بينما يجب الاهتمام بوجود معدل ربح مطمئن يجعل القائمين على الشركة قادرين على اتخاذ قرارات صحيحة، مؤكداً أنه على الشركات الناشئة أن تنظر إلى الإيرادات عند الإنفاق، وفي حال لم يكن هناك نمو فيجب تقليل النفقات، ووفقاً ليونس لم تلجأ خزنلي لخفض الإنفاق لأنها تحقق النمو المطلوب.

نفقات مخفية

خفض الإنفاق على التسويق يعتمد على طبيعة المشروع، وفقاً للعبد السلام، الذي يؤكد أن هناك بعض الشركات التي لا تحتاج إلى الحملات التسويقية التي تحمّل الشركة تكاليف دون فائدة، ولذلك يجب خفض الإنفاق على التسويق في بعض تلك الشركات، بجانب وجود ثغرات في مجال التوظيف مثل زيادة العمالة أو المرتبات العالية، وتحتاج إلى ترشيد الإنفاق أيضاً.

استثمر العبد السلام في العديد من الشركات، منها ميديرا (Medera) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ومقرها كاليفورنيا بأميركا، ورصيد (Raseed) المتخصصة في الاستثمار بالأسهم ومقرها دبي، وأنتاب تكنولوجيز (Untap Technologies) التي تقدم برنامج ابتكار مفتوح وويلت (Wuilt) المتخصصة في إنشاء متاجر إلكترونية ومقرهما مصر، وغيرها من الشركات. واكتشف خلال استثماراته المتنوعة وجود نفقات مخفية وكثير من مؤسسي الشركات لا يدرون عنها شيئاً، وتكون مخفية وسط المصاريف اليومية والمصاريف التشغيلية غير الضرورية والاستهلاكية، فعدم تقييدها، بمعنى التحكم فيها، والتهاون في الأمور الصغيرة يؤدي إلى زيادة النفقات، حسب العبد السلام.

ضبط المصاريف

على الرغم من ضرورة ضبط النفقات لكل الشركات الناشئة، إلا أن الشركات لا تتجاوب كلها مع هذه النصائح وترى أنها غير ملزمة طالما هناك أرباح. فعلى سبيل المثال، تركز شركة بيمز (Baims) الكويتية المتخصصة في تكنولوجيا التعليم على زيادة الإيرادات والتحكم بمعدل الإنفاق الشهري، حسب حديث مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي يوسف الحسيني مع فورتشن العربية، والذي أكد أن بيمز رابحة، ولذلك ليست هناك ضرورة للتركيز على خفض التكاليف في الفترة الحالية، مقابل التركيز على زيادة الإيرادات.

وكانت بيمز قد تأسست في 2017، ونجحت في مارس/آذار الماضي في جمع تمويل قدره 2.20 مليون دولار، وتقوم الشركة ببعض الخطوات الأخرى لضبط المصاريف، منها عدم التعجل في التوظيف والابتعاد عن الصرف غير المهم، وفقاً للحسيني.

إجمالاً تحتاج الشركة الناشئة إلى التحكم في إنفاقها، وخصوصاً تلك التي تواجه ظروفاً اقتصادية صعبة أو تعاني في الحصول على الاستثمارات، وعليها أن تضبط مصاريفها، وتضع إمكانياتها في طريق النمو.


image
image