المحتوى محمي
المحتوى محمي
مقابلة

رجل الصناعة الوزير؛ بندر الخريف ودروس مستفادة من تجربة ثلاث سنوات في قيادة وزارة الصناعة والثروة المعدنية

خلال السنوات الثلاث من عمر وزارة الصناعة والثروة المعدنية وتوليه المنصب، طغت أخبار وزارة الصناعة والثروة المعدنية، وتصدرت المشهد تطورات الاستثمارات في قطاع الصناعة والتعدين.

بقلم


money

بندر الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

رسالة مكونة من حوالي عشر كلمات، بدأ بها الوزير القادم من القطاع الخاص عهده في إدارة هذه المؤسسة الحكومية العملاقة، وأبلغ بها فريق عمل الوزارة محدِّداً من خلالها أسلوب عمله الذي ساعد على تحقيق نقلة نوعية. فما هي الدروس المستفادة من تعيين رجل صناعة ورجل أعمال ناجح في القطاع الخاص في قيادة أول وزارة للصناعة والثروة المعدنية في العصر الحديث ضمن التشكيل الحكومي في المملكة العربية السعودية؟ بندر بن إبراهيم بن عبد الله الخريف كان حتى بداية عام 2019 رئيساً تنفيذياً لشركة صناعية عايشت مختلف التطورات الاقتصادية في المملكة على مدار 60 عاماً، واستطاعت التأقلم والتطور والانتشار في 40 بلداً حول العالم. ثم جاءه النداء لينتقل إلى الخدمة العامة وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، ناقلاً معه خبرة عريقة، تتجاوز 25 عاماً، متوارثة من تجربة شركته العائلية وشركات أخرى في عدد من المجالات، وتجاربه في البلدان التي تنتشر فيها مشاريعها الخارجية، لينضم إلى فريق رؤية المملكة في رسم وتنفيذ استراتيجية الصناعة في هذا البلد الطموح.

خلال السنوات الثلاث من عمر الوزارة وتوليه المنصب، طغت أخبار وزارة الصناعة والثروة المعدنية، وتصدرت المشهد تطورات الاستثمارات في قطاع الصناعة والتعدين، وبرزت مجدداً أخبار صناعة السيارات الكهربائية، ودعم الصناعة المحلية، وبدء تأسيس المناطق الصناعية الحرة وطرح عدد من المنافسات الاستثمارية في قطاع التعدين لأول مرة. وقد تواصلتُ قبيل المقابلة التي كنت أخطط لإجرائها مع معالي الوزير مع بعض الصناعيين والمستثمرين في المملكة واستمعت إلى حماسهم واهتمامهم بالتطورات المتسارعة في قطاع الصناعة، وجمعت أسئلتهم إلى أسئلتي وكانت هذه المقابلة:

ما الذي يعنيه تعيين وزير من خلفية وخبرة في الصناعة لتولي إدارة هذا القطاع على مستوى المملكة، وكيف تعامل الوزير القادم من القطاع الخاص الذي يمتلك مرونة وسرعة في التحرك مع أجواء المؤسسات الحكومية التي تحتاج لإجراءات مختلفة وتداخل في صلاحيات الوزارات واحتمالية الروتين والبيروقراطية؟

قاربت على إتمام ثلاث سنوات كوزير للصناعة والثروة المعدنية، ولكن دعني أخبرك أنني، طيلة هذه الفترة، لم أضطر حقاً إلى تغيير شخصيتي أو طريقة عملي التي كنت أتبعها في القطاع الخاص، وإنما على العكس تماماً، تحتاج خطط القطاع الحكومي الطموحة إلى مبادئ العمل المتبعة في القطاع الخاص، مثل الديناميكية وسرعة اتخاذ القرار، وهذا ما يدركه القادة في المملكة بالفعل.

وفي الحقيقة، كان لتعييني بعد سنوات من إطلاق الرؤية أثر في تسهيل مهمة الانتقال بين القطاعين، إذ كانت الحكومة مدركة تماماً لأهمية التغيير في نمط العمل، وإعادة هيكلة سير العمليات لتحقيق مستهدفات الرؤية الطموحة. وظهر ذلك في جانبين، الأول هو إعادة النظر في دور الحكومة وتعزيزه؛ بحيث يكون دورها مكملاً للقطاعات ومسرعاً لعملها، أما الجانب الآخر فيتمثل في النظر إلى الوزارات المختلفة كمنظومة متكاملة وليست جهات منفصلة. فإلى جانب عملي كوزير للصناعة والثروة المعدنية، فإنني في الوقت ذاته أرأس مجموعة من الهيئات الداعمة لعمل الوزارة.

وكما تعلم، يمتلك القطاع الصناعي عدة أذرع داعمة بجانب الوزارة، فمثلاً هناك هيئتان مسؤولتان عن البنية التحتية وهما: الهيئة الملكية للجبيل وينبع، وهيئة مدن. وجهتان مسؤولتان عن التمكين المالي وهما: صندوق التنمية الصناعية السعودي، وهو جهاز عريق وله دور فاعل في تنمية القطاع الصناعي منذ 46 عاماً، وبنك التصدير والاستيراد السعودي الذي بدأ عمله في 2020 لدعم التصدير وتوفير الضمانات للمصدرين، إضافة إلى هيئة تنمية الصادرات السعودية التي تساعد المصدرين في النفاذ إلى الأسواق، والمركز الوطني للتنمية الصناعية وهو الذراع الفنية للوزارة ويعني بدراسة الصناعات كقطاعات مجمعة مثل قطاع الأغذية والأدوية والكيماويات، ودراسة التحديات في كل قطاع بدءاً من سلاسل الإمداد وحتى المنتجات. إضافة إلى الهيئات التابعة لقطاع التعدين، مثل هيئة المساحة الجيولوجية المعنية بالمسح الجيولوجي وتوفير البيانات المتعلقة بالثروات الطبيعية، والشركة السعودية لخدمات التعدين لحماية المناطق التعدينية من التعديات والآثار البيئة، والرقابة على المواقع ومساعدة المستثمرين في التغلب على التحديات.

باختصار، سهّلت إعادة الهيكلة التي خاضتها الحكومة لتتلاءم مع المتطلبات الجديدة مهمة اندماج شخص مثلي جاء من القطاع الخاص. وفي الحقيقة، تضم الحكومة عدداً كبيراً من الوزراء الذين جاؤوا من القطاع الخاص.

أنشئت وزارة الصناعة والثروة المعدنية في 2019، وبدأت في مزاولة نشاطها مع بداية عام 2020، حيث واجهت أزمة جائحة كوفيد-19. ما الدروس المستفادة من هذه الأزمة على مخططاتكم ورؤيتكم لمستقبل هذا القطاع في المملكة؟

نعم، هناك 3 دروس مستفادة من الجائحة: الأول أنها أثبتت كيف أن العالم هش للغاية ويستطيع حدث طارئ مثل "كوفيد-19" إرباكه بهذا الشكل، لذا كان الأمر اختباراً حقيقياً للقدرات سواء المجتمعات أو الحكومات. وكان الدرس الثاني بمثابة إعادة تأكيد أن بناء القدرات المحلية أمر مهم جداً لضمان استمرار الأعمال والحياة، ولا سيما في قطاعات مثل الأمن الغذائي والأمن الدوائي والسلامة. أما الدرس الثالث فكان محلياً أكثر، إذ كانت الأزمة اختباراً للرؤية التي تبنتها المملكة قبل سنوات من الجائحة، حينما استثمرت في البنى التحتية وأثبتت صحة توجهات القادة الحقيقيين، إذ لم تشهد المملكة إرباكاً يذكر فيما يتعلق بإمدادات الغذاء والمستلزمات الطبية، ما عزز الثقة في قدراتنا وتوجهاتنا.

إضافة إلى كل ذلك، أكدت الجائحة دور الحكومة السعودية في دعم القطاع الصناعي بما هو أكثر من التحفيز والدعم المالي. إذ تنظر الحكومة إلى التحديات وتبتكر طرقاً لمواجهتها وتسهيل المهمة على أطراف العملية الصناعية. ففي بداية الجائحة، ركزت الحكومة على سلاسل الإمداد ومساعدة المصانع على تأمين المواد الخام، فقد زاد إنتاج الكمامات خلال 5 أشهر فقط، من 450 ألف كمامة يومياً إلى 7.5 ملايين كمامة، وزاد عدد مصانع مستحضرات التعقيم من 12 إلى 70 مصنعاً. وقد تمت هذه القفزة بعد أن نظرت الحكومة للتحديات التي تقابل المصنّع والمستثمر المحلي مثل توفير المواد الخام، وحماية الشركات من المنافسة غير العادلة، لخلق بيئة استثمارية جاذبة.

ما هي الاستراتيجية التي تبنتها الوزارة لجعل القطاع الصناعي جذاباً؟

دعني أبدأ بالتحديات التي يواجهها المستثمرون في القطاع، الأول هو منافسة القطاع الصناعي من قِبل القطاعات الأخرى في المملكة مثل التجارة والسياحة والعقار والترفيه، والثاني هو أن الصناعة بشكل عام تحتاج إلى نظرة طويلة الأمد ورؤوس أموال كبيرة. وهنا يأتي دور رؤية 2030 التي وضعت نظرة مستقبلية واضحة.

لذا، عملنا على وضع تشريعات واضحة وثابتة لمدة طويلة، وتصميم منتجات تمويلية بأسعار منافسة في صندوق التنمية الصناعية السعودي وبنك التصدير والاستيراد السعودي، والتركيز على البنى التحتية، والتوسع في المدن الصناعية. كما أنشأنا لجاناً لمساعدة المصدّرين في التغلب على العوائق، ولجنة لحماية الصناعة من المنافسة غير العادلة والإغراق.

أطلقتم مؤخراً منصة الصناعة المتقدمة بمساراتها الثلاثة (الوصول إلى المواهب، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في رحلاتها نحو التحول الرقمي، ونقل التقنية والابتكارات سعياً لتطوير المصانع المحلية). أحد أهدافها تعزيز الروابط بين المستثمرين ومقدمي التقنيات الحديثة على مستوى العالم. هل توضح لنا كيف يتم ذلك؟

منصة الصناعة المتقدمة هي إحدى الأدوات التي نستخدمها لتبني الثورة الصناعية الرابعة، إذ نراهن على تطبيقات هذه الثورة المرتبطة بالصناعة والتي ستحقق للمملكة عدة مكاسب، مثل تسريع تحقيق المستهدفات بوتيرة أعلى من الطرق المألوفة، وخلق فرص وظيفية نوعية تتناسب مع الشباب السعودي وتخفيف الأيدي العاملة الوافدة، إلى جانب أنها ستساعد المملكة في خطتها الطموحة لاقتناص فرص المستقبل ودخول قطاعات جديدة. 

وتهدف منصة الصناعة المتقدمة إلى تأهيل قطاعات مختلفة لاحتواء العمليات الصناعية المتطورة من خلال بناء علاقات على المستوى الدولي، ونشر قصص النجاح المحلية والإقليمية وتقديمها في منصات، مثل المنتدى الاقتصادي العالمي، للاستفادة من الخبرات في مواجهة التحديات التي قد يمر بها القطاع في مشوار تبنّي الثورة الصناعية، وبناء شراكات مع منصات متقدمة حول العالم. إذ نطمح إلى تحويل 4,000 مصنع إلى تبني تقنيات الثورة الصناعية بحلول 2030.

تحويل 4,000 مصنع لتبنّي حلول التقنية هدف طموح للغاية، كيف ستجرون هذا التحوّل؟

معظم جهود تحويل المصانع ستكون تطوعية باستثناء الاستثمارات الجديدة الممولة من الحكومة، والتي سيكون لها معايير محددة، لضمان ألا يتبنى المستثمرون تقنيات الماضي. أما بالنسبة للمصانع القائمة، هناك برامج تحفيزية مختلفة، للاستعانة بالتطبيقات التي ترفع الكفاءة وتقلل الفائض. إذ نتواصل مع مقدمي الحلول التقنية لتسويق منتجاتهم للقطاع الصناعي، ومن ناحيتنا ندعمهم بالبرامج التمويلية.

من أبرز ركائز رؤية 2030؛ تحويل المملكة إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجستية عالمية عبر برنامج (ندلب). حدثنا عن هذا البرنامج وأهدافه، ماذا حقق وأبرز مبادراته، وما الذي يُنتظر تحقيقه خلال السنوات القادمة حتى 2030؟ 

برنامج ندلب أحد برامج الرؤية ويكاد يكون أكبر برامجها، إذ ينطوي على هدفين، الأول على المستوى الوطني والمعني بربط 4 قطاعات معاً (وهي: الصناعة، والطاقة، والتعدين، والخدمات اللوجستية) وتحقيق تناغم بينها لتحقيق عائد اقتصادي ووطني أكبر. أما الهدف الآخر فيمتد عالمياً وهو تحويل المملكة إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجستية عالمية. ويعتمد البرنامج على مكوّن أساسي، هو تعزيز المحتوى المحلي عبر تعديل السياسات المرتبطة به.

ما هي الإجراءات التي تتبعونها لتحفيز إنتاج المحتوى الصناعي المحلي؟

هناك عدة أدوات لتحفيز إنتاج المحتوى، مثل التفضيل السعري للمحتوى المحلي الذي يصل إلى 10% في العطاءات الحكومية، وما يسمى بالقائمة الإلزامية التي تضم مجموعة من المنتجات المحلية يلتزم المقاول بالشراء منها، واتفاقيات الشراء الثنائية بين المصنع والجهات الحكومية المشترية لشراء أو بيع أجزاء من السلع القادمة للمنتج. كما أقر مجلس الوزراء تطبيق أدوات المحتوى المحلي على الشركات المملوكة للحكومة.

من أهم بنود استراتيجية المملكة الصناعية، الاستثمار في الموارد الطبيعية واستغلال الموقع الجغرافي المتميز للوصول إلى العالم من خلال الاستثمار في عدد من الصناعات التحويلية التي سيكون لها قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وصرحتم بأن المملكة تمتلك ثروات تقدر بـ 26 طناً من الذهب والفضة والنحاس والحديد، وعناصر الأرض النادرة. حدثنا بالتفصيل عن هذا القطاع، ونوعية وحجم الاستثمارات التي يجذبها والتي تتوقعون أن يجذبها؟

يشهد العالم تغييراً لنمط الفكر الاقتصادي فيما يسمى سابقاً بالمزايا النسبية، إذ أثبتت العقود الماضية أن المزايا النسبية قد تكون محفزاً كبيراً لنمو الاقتصاد إذا أديرت بالشكل المناسب، أو إهداراً للموارد الطبيعية إذا تم التعامل معها بشكل خاطئ. فعلى سبيل المثال، تتمتع الكثير من الدول بالثروات التعدينية، ولكنها لم تستفد من هذه الموارد داخل بلدانها وإنما استفادت دول أخرى. 

وبالنسبة للمملكة السعودية، فإنها محظوظة، لأن الحديث عن قطاع التعدين لديها ظهر في مرحلة تاريخية على مستوى العالم تشهد نضوج الفكر المرتبط باستغلال الثروات المعدنية، خاصة فيما يتعلق بمعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والمؤسسية للتأكد من أن الاستفادة من هذه الموارد الطبيعية لن تكون على حساب المجتمع أو البيئة أو أطراف دون أطراف أخرى.

ولا تقتصر الميزة النسبية فيما يخص الثروة التعدينية في المملكة فقط على حجمها الاستثماري الذي يقدر بـ 1.30 تريليون ريال، وإنما أيضاً في استراتيجية المملكة بالاستفادة من هذه الثروات. فعلى سبيل المثال، تعد قوة البنية التحتية في مناطق الثروات المعدنية ميزة نسبية، فمثلاً، آخر موقع عرضناه في المزاد كان في منطقة في القويعية تبعد عن الرياض ساعة ونص، وقريبة من الخط السريع، وهناك مدينة صناعية قريبة منها، لديها كهرباء وشبكة مياه، واتصالات، وهذه الخدمات تندر في المواقع البكر.

هل تؤمنون بضرورة وجود نظام موحد للمستثمرين الأجانب، أم بنظام مرن يمكن أن يتأقلم مع مختلف أنواع الاستثمارات، ولا سيما في ظل التطور المتسارع في تكنولوجيا الصناعية وأنواعها؟

المملكة حريصة على اتباع نظام يتمتع بالشفافية العالية، خاصة أن المستثمرين لديهم هاجس بشأن عدالة النظام في التعامل معهم. وفي العموم، نتبع النظام الخليجي الموحد. ولكنّ هناك مساراً آخر مرتبطاً بالاستثمارات النوعية، سواء لحجمها كأن تكون استثمارات مليارية، أو لطبيعتها كأن تكون مرتبطة بقطاعات الأمن الغذائي أو الدوائي. حينها يستطيع المستثمر التقدم إلى لجنة لطلب تشريعات أو استثناءات أو محفزات تجعل استثماره أكثر أماناً.

مع وجود أكثر من 36 مدينة صناعية في المملكة، يجري الحديث في السنوات الأخيرة حول تشريع نظام للمناطق الحرة في المملكة. ما هي رؤيتكم لدور المناطق الحرة المتوقع في جذب الاستثمارات لقطاع الصناعة؟ وما الفرق بينها وبين المدن الصناعية من حيث المناخ الاستثماري؟ وأيضاً من حيث الضرائب والتشريعات الأخرى؟

لدى المملكة هيئتان مسؤولتان عن البنية التحتية الصناعية، هيئة مدن، والهيئة الملكية للجبيل وينبع، وتحتضن كلتاهما 60% من المصانع. بينما تتوزع بقية المصانع بين مصانع تابعة لبلديات أو موانئ ومصانع زراعية تابعة لمناطق زراعية، وغيرها. 

ونعمل حالياً على تجهيز 3 مدن اقتصادية خاصة، أي مناطق حرة، في رأس الخير وجازان ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية، إذ تجذب هذه المدن المستثمرين الذين لديهم تحديات تتعلق بنسب التوطين أو الضرائب، أو التصدير. 

تابعنا خلال الشهور الماضية تحركات كبرى بشأن تعزيز صناعة السيارات في المملكة، بتوقيع عقد مع لوسيد لبناء مصنع متكامل للسيارات الكهربائية في السعودية، أو بتمويل مصانع لقطع الغيار ومصنع لمدخلات بطاريات السيارات. كيف ترون مستقبل هذا القطاع في السعودية؟ خاصة أنه قطاع جديد نسبياً في المملكة من ناحية، ويضم العديد من التحديات المتعلقة بمعايير القطاع العالمي من ناحية أخرى.

صناعة السيارات إحدى الصناعات المهمة لكل دولة تهدف إلى امتلاك قاعدة صناعية قوية. وقد حاولت المملكة في فترات مختلفة بناء قدرات لصناعة السيارات. ولكن عندما بدأ قطاع السيارات الكهربائية يظهر بشكل تجاري، كانت فرصتها للسير مع التوجهات العالمية، خاصة أننا نمتلك الفرصة لنصبح على قدم المساواة من العديد من دول العالم، لأنها صناعة جديدة نسبياً. 

تحتاج صناعة السيارات بطبيعة الحال إلى نظام متكامل، لذا، لدينا نقاش مع شركة بطاريات، كما أن مستثمراً في ينبع يبني مصنعاً لمواد تدخل في صناعة البطاريات، وهكذا نبني النظام بشكل تدريجي.

وبالإضافة إلى شركة لوسيد، هناك شركة وطنية سنعلن عنها قريباً، إلى جانب مشروعين آخرين أحدهما للسيارات الكهربائية، لنصل إلى إنتاج أكثر من 300 ألف سيارة، منها سيارات موجهة للتصدير.

احتلّت المملكة العربية السعودية مراتب متقدمة من حيث عدد صفقات رأس المال الجريء وتأسيس الشركات الناشئة. هل تضعون هذا النمو الكبير في الشركات الناشئة والاستثمار الجريء ضمن حسابات الصناعة، أم لديكم رؤية مختلفة، وكيف؟

تاريخياً، القطاع الصناعي لم يكن قطاعاً للشركات الصغيرة والمتوسطة، لكن التقدم التكنولوجي في العشرين عاماً الماضية غيّر هذا الواقع، إذ أصبحت ريادة الأعمال جزءاً أساسياً من الصناعة بفضل التقنية التي أتاحت نماذج عمل لرواد الأعمال لم تكن موجودة.

وعلى الجانب الآخر، يحتاج القطاع الصناعي إلى عدد هائل من الخدمات التي يقدمها قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فحتى الشركات الكبرى مثل لوسيد أو سابك تحتاج لخدمات هذه الشركات، مثل البرمجة، والتقنيات المتقدمة، والدعاية والتسويق، والخدمات اللوجستية، وهذا يعني أن الفرص متاحة، فكان السؤال الملحّ هو: "ما التحديات التي تقف أمام رواد الأعمال لتتحول هذه الفرص إلى واقع". ووجدنا أن التحدي الأكبر أمام رواد الأعمال هو تمويل مشروعاتهم، إذ إن نظام التمويل في صندوق التنمية الصناعية السعودي كان يتطلب بعض الشروط مثل ضمانات محددة وملاءة مالية، وبينما تجد الشركات الكبرى التي تتعامل مع الصندوق هذه الشروط قابلة للتنفيذ، إلا أنها تشكل عائقاً أمام أصحاب الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم. لذا، حاولنا استحداث نظام تمويل يلائم إمكانيات رواد الأعمال، وتلقينا بالفعل موافقة مؤخراً على إنشاء شركة تابعة للصندوق لمساعدة رواد الأعمال إلى أن تقف شركاتهم على أقدامها.

ما هي الآلية التي سيعمل من خلالها بنك الصادرات السعودي لدعم المصدرين السعوديين؟

بنك التصدير والاستيراد السعودي هو علامة فارقة في تاريخ المملكة، على الرغم من أن جهود تمويل الصادرات كانت موجودة منذ سنوات، لكنها مقتصرة على الصندوق السعودي للتنمية، تحت أحد برامج الصادرات، وقد استفدت فعلياً من هذا البرنامج حينما كنت أعمل في القطاع الخاص.

ولكن يظل التحدي الذي يواجهه المصدرون هو تمويل عملائهم أو تمويل طلبياتهم، وهو ما يُعنى به بنك التصدير والاستيراد، فبالنسبة لتمويل العملاء، يستطيع المصنّع السعودي التصدير لأي مكان في العالم، ومن ثم يسترد أمواله من بنك التصدير والاستيراد الذي يتحمل المخاطر، أي أن البنك هنا يمول المشترين الدوليين. وبالنسبة لتمويل الطلبيات، قد يطلب أحد العملاء في الخارج طلبية معينة من المصنع السعودي، غير أن الأخير لا يستطيع شراء المواد الخام لهذه الطلبية على سبيل المثال، وهنا يأتي دور بنك التصدير والاستيراد الذي يمول عمليات التصنيع المستهدفة للصادرات. والخدمة الثالثة التي يقدمها البنك هي التأمين وتقديم الضمانات ووثائق التأمين المختلفة انطلاقاً من أن عملية التصدير تعتمد بشكل أساسي على التأمين أكثر من التمويل، إذ يبني البنك شراكات مع بنوك ومؤسسات حول العالم لمساعدة المصنّع السعودي في الدول التي يصدر إليها منتجاته.

تركزون مؤخراً على أهمية إجراء المسح الصناعي، وتسعَون من خلاله لتحقيق الشفافية في هذا القطاع. هل يمكن أن تشرحوا هذه الخطوة وما أهمية الشفافية في هذا القطاع؟ 

في الحقيقة، لدينا نقص حاد في البيانات، لذا، نعمل حالياً على تأسيس قاعدة بيانات قوية عن طريق المنصة لتوفير معلومات عن المصانع والمواقع والطاقات لتتمكن الوزارة من خدمة القطاع، ومساعدة المصنعين على رفع أدائهم وطاقاتهم. ووصلنا الآن، وفق آخر تقرير، إلى إجراء مسح صناعي لنحو 78% للقطاع الصناعي بما فيه من منشآت ومواقع صناعية ومنتجات وأفراد عاملين.

كيف تعملون على تحقيق الصناعة الخضراء الصديقة للبيئة انسجاماً مع استراتيجية "السعودية الخضراء"؟

الخبر الجيد هنا، أن السعودية في وضع متميز بين الدول فيما يتعلق بالصناعة الخضراء، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الصناعات الكبيرة تدار من قبل شركات كبرى مثل أرامكو وسابك، والتي تمتلك وعياً كاملاً بالأثر البيئي لها، وحتى الشركات الأصغر مثل المراعي وصافولا تضع سياسات ومعايير بيئية في عمليات التصنيع لديها بسبب هذا الوعي. إذ إن أقل من 200 مصنع فقط من أصل 4,000 مصنع خارج المدن الصناعية كان لها أثر سلبي على البيئة، وقد عملنا على إعادة نموذج العمل لديها أو إزالتها حتى وصل عددها إلى أقل من 50 مصنعاً. لذلك، أستطيع القول بكل ثقة إن السعودية من الدول القليلة التي تستطيع تحقيق مستهدفاتها في الوقت المناسب.

ذكرتم في تصريح سابق أن 17 ألف سعودية يعملن في قطاع التصنيع، كيف تعملون على توطين العمالة في هذا القطاع وخاصة النساء؟

شهد ملف القوى العاملة تحولاً كبيراً حينما أصدر مجلس الوزراء قراراً بنقل مسؤولية الملف إلى القطاعات المختلفة، بهدف تصميم السياسات تبعاً لاحتياجات القطاعات. إذ سيشهد عام 2022 نموذجاً لهذا التحول، سيتم تطبيقه على عدة قطاعات كتجربة، ومن ضمنها القطاع الصناعي لنقل ملف القوى العاملة من وزارة الموارد البشرية إلى وزارة الصناعة والثروة المعدنية. وبالفعل، استطاع القطاع الصناعي خلق فرص وظيفية خلال الـ 3 سنوات الماضية على الرغم من الجائحة، إذ وفر 77 ألف وظيفة في العام الماضي فقط، تجاوزت حصة السعوديين فيها ثلث الوظائف، وهو أعلى من النسبة التي استهدفتها الموارد البشرية والتي قُدرت بـ 25% من الوظائف للسعوديين.

أما فيما يتعلق بالعنصر النسائي، فقد نلن سابقاً الحقوق ذاتها في التعليم مساواةً بالرجال، ولكن بقيت فرصهن أقل في العمل والقيادة. وفي الواقع، لم يكن القطاع الصناعي القديم جاذباً للنساء، إلا أن الثورة الصناعية الرابعة وتقنياتها المتقدمة غيرت شكل بيئة العمل، إذ أتاحت فرص عمل للشباب والنساء.

ولم تكن التقنيات فقط هي ما أتاحت فرص العمل للعنصر النسائي والشباب أيضاً، وإنما المواقع الجغرافية للمصانع أيضاً، فليست كلها في المدن الصناعية البعيدة، وإنما وجود المصانع النظيفة في كل مكان يعزز دور المرأة في القطاع.

وأخيراً، بعد تجربة هذه السنوات في قيادة الوزارة ومقارنتها مع تجربتك في القطاع الخاص، ما هي العقلية التي يتمتع بها القطاع الخاص وتعتقد أن القطاع الحكومي في أي مكان يحتاج إلى الاستفادة منها؟ والعقلية الحكومية التي يمكن للقطاع الخاص الاستفادة منها؟

بالنسبة للميزة الحكومية التي ينبغي أن يستفيد منها القطاع الخاص هي أن الحكومة ليست أنانية، فهي مثل الأب الذي ينظر إلى أطفاله بالتساوي، على عكس ما يتميز به القطاع الخاص الذي بطبيعة الحال ينطوي على شيء من الطمع وتفضيل مصالح أطراف على أطراف، كما أن وضوح الرؤية والسياسات العامة لدى حكومة المملكة حالياً ممارسةٌ يمكن أن يستفيد منها القطاع الخاص.

أما عقلية القطاع الخاص التي تم نقلها للحكومة، فأنا لم أضطر لتغيير نمط عملي كثيراً، بل على النقيض، كان وجودي في موقع حكومي بعقلية القطاع الخاص تخدم منصبي أكثر من محاولة التأقلم، خاصة أنني أتحدث مع المستثمرين اللغة ذاتها التي يودون سماعها. والآن أستطيع أن أخبرك إنني، بعد 3 سنوات كوزير، مازلت نفس الشخص بنفس العقلية وطريقة التفكير. 

حينما توليت الوزارة، أتذكر أن أول ما قمت به هو أنني أرسلت رسالة صوتية للزملاء مفادها: "دعونا نحاول إدارة الوزارة وكأنها شركة، فنخدم المستثمر كأنه زبون يهمنا نجاحه، لأن نجاحه يعد نجاحاً لنا أيضاً".


image
image