المحتوى محمي
آراء وخبرات

خدمات الرعاية الصحية قد تزيد من موجة الاستقالة الكبرى، فهل تفيد الاقتصاد؟

من المحتمل أنّ نظام الرعاية الصحية وليد صدفة تاريخية تعود لعام 1942، إذ لم يكن هذا النظام منطقياً قط. ففي النهاية، لا أحد يتوقع أن تمنحه شركته تأميناً على السيارات أو تأميناً على أصحاب المنازل.

بقلم ، 


money

(مصدر الصورة: Alexi Rosenfeld - Getty Images)

تزيد معدلات الاستقالة من الوظائف في الولايات المتحدة بأرقام قياسية، إذ استقال ما يقرب من 4 ملايين شخص، أي نحو 3% من إجمالي القوى العاملة، في شهر أكتوبر/تشرين الأول، وفقاً للبيانات الصادرة مؤخراً من 'مكتب إحصاءات العمل' (Bureau of Labor Statistics). بعض هؤلاء الأشخاص تقاعدوا، بينما قرر آخرون البقاء في المنزل مع أطفالهم، لكن الغالبية انتقلوا ببساطة إلى وظائف جديدة كانت تقدم رواتب أفضل أو كانت أكثر ملاءمة لهم.

وقد تكون موجة 'الاستقالة الكبرى' هذه في النهاية أمراً جيداً للاقتصاد والمجتمع. فمن المؤكد أن معدل دوران العمالة يسبب مشاكل مؤقتة للشركات، لكنه يجعل النمو أسرع والموظفين أكثر صحة وسعادة عندما يجدون وظائف تتناسب مع مهاراتهم واهتماماتهم بشكل أفضل. ويمكن أن يكون معدل الاستقالة المرتفع في الواقع دليلاً على قوة الاقتصاد.

لحسن الحظ، قد يسهّل الكونغرس قريباً على الموظفين إيجاد الوظائف التي يستمتعون بها.

لا يبحث الكثير من الناس حالياً عن فرص جديدة، وذلك لأنهم يعتمدون على الفوائد الصحية من خلال صاحب العمل الحالي. إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة 'غالوب' (Gallup) مؤخراً أن واحداً من كل ستة موظفين يستمر في وظيفة لا يحبّها خوفاً من فقدان المزايا الصحية.

وفي وقت سابق من العام 2021، جعل المشرّعون تغطية نفقات الرعاية الصحية من خلال 'قانون الرعاية الصحية الأميركي' (Affordable Care Act) أقل تكلفة بشكل ملحوظ. وهم الآن على وشك تمديد هذا الدعم لعدة سنوات أخرى، أو حتى بشكل دائم. وإذا أدرك المزيد من الموظفين كيف أصبحت الرعاية الصحية ميسورة التكلفة على المستوى الفردي، سوف يترك المزيد من الأميركيين وظائفهم بسهولة. ونتيجة لذلك، يصبح الاقتصاد أكثر ديناميكية.

وعلى عكس مواطني البلدان الأخرى التي يحصل فيها الناس على تغطية نفقات الرعاية الصحية من خلال الحكومة أو مباشرة من شركات التأمين المختلفة، يحصل معظم الأميركيين على المزايا الصحية من خلال أصحاب العمل (مثل الشركات).

ولم يكن هذا النظام منطقياً قط. ففي النهاية، لا أحد يتوقع أن تمنحه شركته تأميناً على السيارات أو تأميناً على أصحاب المنازل. فلماذا نحصل على تغطية رعاية صحية من خلال العمل؟

من المحتمل أنّ هذا النظام وليد صدفة تاريخية، ففي عام 1942، قام الرئيس فرانكلين روزفلت بتجميد الأجور (أي إيقاف زيادتها) لمواجهة التضخم. وللتنافس على جذب الموظفين، بدأت الشركات بتوفير تأمين صحي سخي. ثم في عام 1943، أعفت دائرة الإيرادات الداخلية (IRS) التأمين الصحي القائم على صاحب العمل من الضرائب، واستمر الحال بهذا الشكل حتى الآن.

ومنذ ذلك الحين، أدركت الشركات والموظفون أنه من الأرخص دفع (وتلقّي) أموال غير خاضعة للضريبة على شكل فوائد صحية، بدلاً من دفع أموال خاضعة للضريبة بشكل أجور أو مكافآت.

والحال الراهن، الذي تحبّه الشركات الكبرى، يبقي الناس سجناء وظائفٍ كانوا سيستقيلون منها لو اختلف الحال. وتعني هيمنة التأمين القائم على صاحب العمل على مدى عقود، أن سوق الباحثين عن تغطية صحية مباشرة كان صغيراً ومضطرباً.

غيّر 'قانون الرعاية الصحية الأميركي' (Affordable Care Act) المعروف اختصاراً بـ (ACA) في عام 2010 المعادلة أخيراً، إذ أدّى لنشوء أسواق عبر الإنترنت يمكن للأفراد شراء التأمين الصحي فيها، فضلاً عن نظام الإعانات القائمة على الدخل لجعل الخطط ميسورة التكلفة.

وكان قانون الرعاية المذكور مفيداً للموظفين المتنقّلين والمستقلين بشكل متزايد. إذ أنّه فجأة، لم يعد فقدان الوظيفة أو تركها يؤدّي إلى  فقدان التأمين الصحي، ولم يعد أصحاب العمل يقررون ماهية الفوائد التي يمكن للموظفين الوصول إليها، وحصل ملايين الأميركيين الذين تركوا نظام التأمين القديم على نظام تأمين خاص بهم.

كان الإصلاح ثورياً بشكل خاص بالنسبة للموظفين المستقلين. إذ ارتفعت نسبة الموظفين المستقلين الذين يمتلكون تأميناً صحياً من 64% في عام 2013 (العام الذي سبق إتاحة خطط 'قانون الرعاية الصحية الأميركي' لأول مرة في البورصات الفيدرالية) إلى 83% في عام 2016. وقد أوجد القانون أول "فوائد متنقّلة" فعلية يمكن للموظفين الاستفادة منها لدى انتقالهم من وظيفة إلى أخرى، وقدّم إعانات مميزة تقلل من تكلفة التأمين للأميركيين ذوي الدخل المنخفض.

وليس من قبيل الصدفة أن عدد الأميركيين الموظفين المستقلين بدوام جزئي على الأقل قد نما بنسبة 11% ليصل إلى 59 مليون موظف بين عامي 2014 و2020. ومن المتوقع أن يصل عدد الموظفين المستقلين في الولايات المتحدة إلى 86.5 مليون شخص، أي ما يزيد قليلاً عن نصف العدد الإجمالي للقوى العاملة بحلول عام 2027.

ومع ذلك، قد لا يدرك حتى بعض الموظفين المستقلين منذ فترة طويلة أن خياراتهم قد توسّعت بشكل كبير منذ أن صدر 'قانون الرعاية الصحية الأميركي'. ففي شهر مارس/آذار، وسّعت 'خطة الإنقاذ الأميركية' (Rescue Plan Act) أهلية الحصول على إعانات التأمين، بحيث أصبح الأشخاص الذين يحصلون على أجر يزيد عن أربعة أضعاف (400%) مستوى الفقر الفيدرالي مؤهلين الآن. ويؤدي هذا إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يمكنهم الحصول على دعم بنسبة 20%، وفقاً لـ 'مؤسسة عائلة كايزر' (Kaiser Family Foundation).

كما زادت 'خطة الإنقاذ الأميركية' من المساعدة للأشخاص ذوي الدخل المنخفض. وإجمالاً، فقد خفضت الأقساط السنوية لـ 9 ملايين مواطن أميركي بنحو ​​600 دولار للفرد وسطياً. ويمكن للموظفين التسجيل للحصول على خطة 'نظام الرعاية الصحية الأميركي'، وكذلك هذه الإعانات الإضافية، في أثناء التسجيل المفتوح المتاح حتى 15 يناير/كانون الثاني في معظم الولايات الأميركية.

ويطبّق الدعم المعزز بصورة مؤقتة حالياً لمدة عامين. وقد تمدد خطة 'بيلد باك بيتر' (Build Back Better Act)، المعروضة حالياً على الكونغرس، الدعم حتى عام 2025. ومع ذلك، يمكن للمشرّعين أن يخطو خطوةً إضافية ويزيدوا الإعانات بشكل دائم.

وسيكون ذلك اعترافاً مهماً بأن القوى العاملة قد تغيرت بشكل دائم وأنه يجب أن تتغير شبكة أمان الرعاية الصحية معها. إذ تعتمد حيوية اقتصادنا المستقبلي والقوى العاملة عليها.


image
image