المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

كيف حوّلت جائحة كوفيد-19 الرعاية الصحية إلى هدف موحّد للدول

في هذه الأوقات التي يتزايد فيها عالمياً عدم اليقين والتقلب والانقسامات، فإن العامل المشترك الذي يمكن أن يوحّدنا جميعاً هو الرعاية الصحية.

بقلم


money

مليحة هاشمي، خبيرة في قطاع الإدارة الصحية والتحول الرقمي في هذا القطاع في المملكة العربية السعودية (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

تساءلت وسائل الإعلام العالمية قبل نحو عام عما إذا كنا نتّجه إلى عشرينيات مزدهرة في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19.

لكنني أعتقد أن الآراء حالياً قد تتغير بشأن ذلك ، فقد تبدلت  الأخبار العالمية بالفعل بعد نصف العام الحالي وبدأت تتكلم عن جانب آخر من القضية، ولكن هل يمكن أن  نحافظ على تفاؤلنا قليلاً؟

في هذه الأوقات التي يتزايد فيها عالمياً عدم اليقين والتقلب والانقسامات، فإن العامل المشترك الذي يمكن أن يوحّدنا جميعاً هو الرعاية الصحية.

فعلى الرغم من أن الجائحة كانت مرهِقة، لكنها وضعتنا على الطريق الصحيح، ولا أذكر أي حدثٍ آخر في حياتي واجه فيه العالم بشكل جماعي الأزمة نفسها بغض النظر عن الأمة أو الانتماء، و الحالة الاقتصادية والعمر وغير ذلك.

وكان أثر الجائحة واحداً سواءً كنت قائداً عالمياً أو مليارديراً أو مزارعاً، حيث نجحت في الجمع بيننا بطرق غير مسبوقة، وتقوية الروابط القائمة وخلق روابط جديدة.

كما انتقلت عدوى الاحتفاء بعمال الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية من إيطاليا إلى بلدان أخرى حول العالم، حيث واجهت كل دولة الجائحة بطريقتها، لكننا اتفقنا جميعاً على شكر هؤلاء  على مواجهة الجائحة، سواءً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو على أرض الواقع.

ورأينا في مجال الرعاية الصحية كيف توحّد الأطباء وخبراء تصميم الرعاية الصحية والباحثون والعلماء لهزيمة العدو الماكر -فيروس كورونا المستجد- الذي لا يعترف أبداً بالمخاوف الجيوسياسية أو ضوابط الحدود أو سياسات الهجرة أو الحروب الثقافية.

ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، تعاون الباحثون مع العلماء في الخارج على تطوير عقار وقائي ضد فيروس كورونا ولقاح محتمل قائم على الحمض النووي الريبي المرسال للفيروس، وكانت هذه واحدة من عدة شراكات.

كما دعت المملكة إلى زيادة التعاون العالمي لتحسين النضج الرقمي في مجال الرعاية الصحية، بما يشمل خدمات التحليلات والطبابة عن بُعد في الشرق الأوسط لتحسين النتائج.

ورأينا أيضاً كيف فتحت المراكز الدولية الكبرى في العالم أبوابها للمتخصصين الدوليين في الرعاية الصحية وتشّكلت بذلك بوتقة تنصهر فيها المواهب العالمية.

ولنأخذ مثالاً آخر من الإمارات العربية المتحدة، حيث تتيح القواعد الجديدة منح التأشيرة الذهبية للباحثين والعلماء ذوي الإنجازات العالية على النحو الذي أوصى به مجلس علماء الإمارات (Emirates Scientists Council).

وستجذب هذه التغييرات المهنيين الأجانب العاملين في مجال الرعاية الصحية والأبحاث إلى الإمارات العربية المتحدة، وتشجعهم على الاستقرار لفترة أطول.

وسمحت حكومة الإمارات العربية المتحدة في السابق لجميع الأطباء المقيمين في الدولة بالتقدم للحصول على التأشيرة الذهبية، ومنحتهم وعائلاتهم إقامة لمدة 10 سنوات.

وستؤدي تغييرات قوانين التأشيرة هذه إلى تعزيز مكانة الإمارات بصفتها ملتقى للأفكار والتعاون المثمر الناتج عن اختلاط الجنسيات والخبرات معاً في مكان واحد.

ولكن ماذا لو وسّعنا نطاق ملتقيات الأفكار هذه على نحو أكبر بكثير؟

شهدنا مؤخراً إبرام اتفاقيات جديدة بين المنظمات المتعددة الأطراف مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) ورابطة دول الكومنولث (رابطة الشعوب البريطانية) (Commonwealth)، وكلاهما ملتزمتان بتعزيز التعاون في مجالات مهمة مثل الوصول العادل إلى اللقاحات، حيث يوصف هذا المجال بأنه الأولوية الأكثر إلحاحاً في العالم على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي.

وعلى الرغم من أن هذا التعاون جدير بالثناء، لكنّه مجرد بداية ويجب أن يتبعه المزيد من العمل.

وأعتقد اعتقاداً راسخاً أننا بحاجة إلى مزيد من الخبرة من مختلف مناحي الحياة والمزيد من التوافق مع أصحاب المصلحة على المستوى العالمي، وبحاجة إلى تنويع الآراء في نقاشاتنا، وهذا ليس رأيي الشخصي فقط بل هو المنطق الشائع.

وبصفتي صانعة تغيير، فإنني متحمسة لتطوير النظم الصحية والتصاميم الصحية للصالح العام، ولتحقيق ذلك فإننا نحتاج إلى مدخلات من الأشخاص ذوي الخبرة العملية، مثل خبراء تصميم النظام الصحي، وقادة القطاع الصحي، ومقدمي الرعاية في الخطوط الأمامية الذين يساعدون المرضى بشكل مباشر، وعلماء البيانات، ومطوري الذكاء الاصطناعي، حتى موظفي الاستقبال الذين يستقبلون المرضى، والقائمة تطول.

ففي النهاية، إذا عمل أصحاب المصلحة والمساهمون المختلفون معاً لمعالجة مشكلة مشتركة، حتى لو لم يكونوا جميعاً ذوي خبرات صحية، فسوف نحدد نظرياً، وبشكل أسرع، الحلول لتحديات الرعاية الصحية الملحّة في العالم، سواء كانت الاستدامة في الرعاية الصحية، أو معالجة الشيخوخة من خلال التقنيات التكوينية من وجهة نظر طول العمر، أو معالجة السمنة أو السرطان أو الزهايمر.

ويمكن تطبيق هذا النهج التشاركي في طرح الأفكار وتحويلها إلى حلول على أي أزمة عالمية، حيث تتطلب الأزمات العالمية إجراءات منسّقة، وقد حان الوقت لنتصرف بطريقةٍ أكثر تآلفاً فقد يعتمد بقاء الجنس البشري على التعاون.

لن تكون هذه الجائحة هي الأخيرة من نوعها، وهناك تحديات قادمة وعلى رأسها أزمة المناخ، ولا يمكننا تحمل التأخر في ابتكار الحلول أكثر من ذلك.

وأخيراً، بصفتي خبيرة صحية وأتمتع بخبرة في مجالات الصحة والطب والقانون والسياسة والفقه والتعليم وإدارة تصميمات الأنظمة، فإنني أتخذ الخطوة الأولى إلى الأمام من أجل التعاون والتأثير الإيجابي للتلقيح المتبادل من خلال هذه المقالة، وأرجو أن تكون نقطة بداية للتأثير الإيجابي والمحادثات المشتركة.

 


image
image