المحتوى محمي
استثمار

حلم مصر الذهبي | السعي نحو الصدارة الإفريقية واستعادة أمجاد التعدين

يحتاج طموح مصر إلى الكثير من الخطط والمشاريع، إذ تملك مصر احتياطيات كبيرة من الذهب، ولطالما ارتبطت مصر القديمة في الأذهان بذهب الفراعنة، ومع وجود 270 موقعاً غنياً، فإن هناك عوامل ساهمت بعدم استثمارها طيلة السنوات الماضية.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية)

كشفت شركة "سنتامين" للتعدين المستثمرة في منجم السكري للذهب جنوب الصحراء الشرقية في مصر، عن أكبر زيادة منذ 10 سنوات في احتياطي المنجم التجاري الوحيد في البلاد بنمو صافي يقدر بنحو 1.1 مليون أوقية، محددةً خارطة طريق لإنتاج أكثر من 500 ألف أوقية سنوياً من المنجم خلال العقد القادم، ما يدعم جهود مصر لتعزيز وجودها في قائمة كبرى الدول المنتجة للمعدن الأصفر، التي دخلتها في 2020 بالمرتبة 36 من أصل 43 دولة من كبار المنتجين.

مساعي لجذب الاستثمار الأجنبي

العمل على طموح مصر الذهبي يحتاج الكثير من الخطط والمشاريع، وبالفعل، وُضعت خطط لإنشاء أول مدينة في العالم لصناعة وتجارة الذهب ومصفاة ذهب محلية، مع توسيع باب الاستثمار الأجنبي في القطاع، ما قد يحمل مصر نحو الصدارة بين منتجي الذهب في إفريقيا.

التشريعات الاستثمارية السابقة والتي وصفها وزير البترول والثروة المعدنية طارق الملا بأنها "طاردة" للمستثمرين، كانت حجر عثرة أمام جذب الشركات الأجنبية، وقد اعترف الملا بأن شركات التعدين العالمية لم تهتم بالاستثمار في مصر بسببها، رغم وجود العديد من المناجم غير المستثمرة. ولذلك، سعت الحكومة المصرية منذ العام الماضي لتحسين البيئة الاستثمارية عبر إصلاحات تشريعية.

تملك مصر احتياطيات كبيرة من الذهب، ولطالما ارتبطت مصر القديمة في الأذهان بذهب الفراعنة، ومع وجود 270 موقعاً غنياً، فإن هناك عوامل ساهمت بعدم استثمارها طيلة السنوات الماضية، أهمها شروط الاستثمار بالتعدين، التي كانت تفرض رسوماً نسبتها 6% واستعادة جزء من التكلفة قبل البدء في تقاسم الإنتاج، وكذلك دفع 3 منح للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية إحداها بنحو مليون دولار، إضافة إلى تقاسم الحكومة للنصف على الأقل من أي عوائد من الذهب تحققها الشركات، وبرز ذلك الخلل جلياً في مزايدة للتنقيب عن الذهب في 2017 عرضت خمس مناطق للاستثمار.

ورغم صدور قانون جديد للتعدين في عام 2014 فإن القيود التنظيمية حطمت آمال المستثمرين والحكومة على حد سواء، وخاصة أن القاهرة تهدف لتنمية قطاع التعدين ليساهم بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2024 مقارنة بمشاركة تبلغ 0.5% حالياً.

إصلاح قانون استثمار الثروة المعدنية

الفشل في جذب الاستثمارات، دفع مصر لإجراء تعديلات أخرى على قانون استثمار الثروة المعدنية لتشجيع الشركات الأجنبية على إدخال رؤوس أموالها بالقطاع وخاصة الذهب، وأصدرت الحكومة قانوناً جديداً معدلاً خاصاً ينظم قطاع التعدين في 2019، ونشرت لائحته التنفيذية في يناير/كانون الثاني 2020، وأهم ما نص عليه القانون الإصلاحي هو إلغاء بنود مشاركة الإنتاج مقابل اعتماد نظام الضريبة والاستئجار والإتاوة، والتي لا تزيد على 10% من إجمالي الإنتاج السنوي، وفصل تراخيص البحث عن الثروات المعدنية عن تراخيص استغلالها لمزيد من المرونة في جذب استثمارات للبحث والاستكشاف.

وأثمرت الإصلاحات فوز 11 شركة في مزايدة للتنقيب عن الذهب في الصحراء الشرقية شملت مساحة 56 ألف كيلو متر مربع موزعة على 320 قطاعاً في مناطق البحر الأحمر والصحراء الشرقية، وتوزعت بين 4 شركات مصرية و7 شركات عالمية، من بينها باريك جولد الكندية، ثاني أكبر شركة في العالم، والتي وقعت العقود في يوليو/حزيران الماضي.

إنشاء مدينة عالمية للذهب

وبعد إصلاح البيئة التشريعية، كشفت وزارة البترول المصرية العام الماضي عن مشروعين للنهوض بقطاع الاستثمار بالذهب، الأول هو مدينة خاصة بالذهب بدأ العمل بها في سبتمبر/أيلول 2021، والثاني هو مصفاة ذهب ضمن المدينة التي تعد أحد مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتضم بدايةً 500 ورشة ومصنعاً مصغّراً إضافة للمصفاة وأكاديمية للتدريب على صناعات الذهب والمعادن الأخرى، تحت إشراف الاتحاد العام للصناعات الإيطالية، ومن المقرر أن تحمل المدينة اسم "نيس".

وتعتبر مدينة الذهب المصرية الأولى من نوعها عالمياً بحسب المتحدث باسمها، وائل سليمان، الذي أكد أنها ستشمل مدينة للصناعات القائمة على الذهب وكافة الصناعات الأخرى القائمة على التعدين.

وتهدف المدينة التي تعود فكرتها الأساسية لعام 2008 إلى إعادة مصر لموقعها الإقليمي في مجال تصنيع الذهب والأحجار الكريمة، واستعادة إنتاج الذهب القشرة ليكون بديلاً عن الذهب الصيني المستورد، وزيادة الدخل القومي من العملات الأجنبية عن طريق التصدير للأسواق الأوروبية والعربية والإفريقية، وإنشاء بورصة مصرية إفريقية للذهب والمعادن، والعمل على تواجد مصر بقوة في السوق العالمي.

وتذهب مدينة الذهب بأهدافها إلى أبعاد سياسية أيضاً، حيث يؤكد القائمون عليها عبر موقعها الرسمي، أن المشروع وضع ليشكل قوة اقتصادية تدعم مصر سياسياً في التفاوض بالنزاعات وإدارة الأزمات لصالح مصر.

خريطة فرعونية تحدد مكان الكنز المصري

ورغم تلك المشاريع والخطط، لا يوجد حالياً مناجم مصرية تجارية تعمل حتى الآن سوى السكري، الذي بدأ إنتاجه منذ 2015، ويعد من أكبر 20 منجماً على مستوى العالم ويقع في الصحراء الشرقية واحة الذهب في مصر، حيث تضم وحدها أكثر من 120 موقعاً أغلبهم يعود لزمن المصريين القدماء، لكنها غير مستثمرة.

الباحث الأثري محمود توني دعا الحكومة المصرية لاستثمار أحد المناجم الفرعونية القديمة في محافظة البحر الأحمر التي تحتضن الكثير من الكنوز التاريخية، قائلاً في تصريح نقلته صدى البلد إن منجم الذهب بوادي الفواخير يعد واحداً من الكنوز التاريخية لمصر وإعادة تشغيله تساهم بزيادة موارد الاقتصاد، لكن منجم وادي الفواخير واحد من عشرات المناجم التي يمكن الوصول إليها عبر خارطة دقيقة وضعها المصريون القدماء.

ويحتضن متحف تورينو الإيطالي حالياً أقدم خريطة في العالم يعود تاريخها لعام 1318 قبل الميلاد تظهر جميع المسالك والدروب الجبلية لمناجم الصحراء الشرقية وأن منطقة وادي الحمامات يوجد فيها نحو 25 منجماً من الذهب، والطرق إلى 130 منجماً للذهب بينهم السكري، بحسب تصريح مدير آثار البحر الأحمر محمد أبو الوفا لليوم السابع.

وسابقاً، كانت هناك مشقة كبيرة وغير مجزية في التنقيب عن الذهب عبر أجهزة الكشف عن المفرقعات بشكل فردي، وكان من الممكن أن يقوم المنقب برحلة تنقيب في الجبال لأكثر من شهر ويعود دون شيء، وكان للحظ دوراً كبيراً في ذلك، بينما يقود التطور التكنولوجي حالياً وجذب الشركات المتخصصة في التنقيب إلى مستقبل واعد، كما يساهم ارتفاع سعر المعدن الأصفر في زيادة الجدوى الاقتصادية للتنقيب عن الذهب وإنتاجه.

ولكن آمالاً جديدة بثها وزير البترول والثروة المعدنية المصري حين أعلن مؤخراً عن نجاح سير الاستراتيجية المصرية المرسومة لإنعاش الاستثمار بالذهب، بكشفه عن خطة لبدء الإنتاج المبكر قريباً من كشف تجاري جديد للذهب في منطقة إيقات بصحراء مصر الشرقية، في ظل وجود احتياطي محتمل يقدر بأكثر من مليون أوقية من الذهب و بإجمالي استثمارات تتجاوز المليار دولار على مدار 10 سنوات قادمة.

رؤية مصر الطموحة في الذهب، تجسدها خطط ومشاريع قد لا تنتهي عند ما ذكره التقرير فقط، كونها تسعى لجذب استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 375 مليون دولار خلال عامين ونحو مليار دولار في 2030 بقطاع التعدين، إضافةً إلى خطط لزيادة صادرات التعدين بشكل عام إلى 10 مليارات دولار في 2040، مقارنة بقرابة ـ1.6 مليار دولار حالياً.

صدمة كورونا

خلال العام الماضي، تلقى الذهب المصري ضربة موجعة مع انخفاض صادراته مع الحلي والأحجار الكريمة بنسبة 66% إلى نحو 750 مليون دولار خلال 8 أشهر من 2021، مقابل 2.2 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2020.

ويعود التراجع لعدة عوامل، منها رسوم تثمين الذهب المصدّر والتي تصل إلى 1%، ويراها بعض المصدّرون رسوماً تزيد من سعره في الخارج، إضافة إلى ضعف الطلب الخارجي وتبدل سلوك المستهلكين بسبب جائحة كوفيد-19، ما سبب تراجعاً للطلب خاصةً في السوق الرئيسية للذهب المصري في الإمارات، التي استوردت ذهباً مصرياً بقيمة 1.7 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من 2020، مقابل 290 مليون دولار فقط في ذات الفترة من 2021، بانخفاض 83%، وبحسب البيانات لم يكن السوق الإماراتي وحده من تراجعت مشترياته من المعدن الأصفر المنتج مصرياً، فقد انخفضت الصادرات إلى تركيا أيضاً بنسبة 88%، فيما جاءت كندا في صدارة مستوردي الذهب المصري بنسبة 45% ثم الإمارات بنسبة 29%.

ومن اللافت أن صادرات مصر من النحاس ارتفعت بنسبة 130% خلال 10 أشهر من 2021 إلى 296 مليون دولار، فيما سجلت صادرات الألمنيوم نمواً بنسبة 44% خلال نفس الفترة إلى 635 مليون دولار في إشارة إيجابية لقطاع التعدين المصري رغم تحديات الجائحة والصدمات التي تعرض لها الاقتصاد العالمي.


image
image