المحتوى محمي
المحتوى محمي
مقابلة

جامعة "كاوست" السعودية تقدم نموذجاً تعليمياً لدعم تحول المملكة وصناعة قادة المستقبل

نحن نؤمن بأنّ ملامح التعليم ستتغير جذرياً لتواكب التغيرات والتقدم في طبيعة العلم والتعلم، وسيكون تكييف المناهج الدراسية مع أنماط تعلم الطلبة.

بقلم


money

نجاح عشري، النائب والمشارك الأعلى لرئيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست" (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

شهد قطاع التعليم في السعودية تحولاً كبيراً دعماً وتواؤماً مع رؤية 2030 للمملكة التي تعد بتحويلها إلى مركز جذب عالمي على الأصعدة كافة. وتؤكد النائب والمشارك الأعلى لرئيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست"، نجاح عشري، في مقابلة خاصة مع فورتشن العربية على الدور الرائد الذي يؤديه هذا الصرح الجامعي في النهج التحوّلي للملكة وتقول:"استقطبت كاوست البروفيسور يروغن شميدهوبر الملقّب بـعرّاب الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، ليكون عضواً في الهيئة التعليمية. هذا سيسهم في ترسيخ موقع المملكة كمركز عالمي لتمكين أفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبالتالي نحن نؤمن بأنّ ملامح التعليم ستتغير جذرياً لتواكب التغيرات والتقدم في طبيعة العلم والتعلم، وسيكون تكييف المناهج الدراسية مع أنماط تعلم الطلبة، والشهادات العلمية ذاتية التصميم، ودور التعليم عن بُعد من الأمور الأساسية التي تحرص عليها القطاعات التعليمية في المملكة".

فورتشن: كيف ساهمت جامعة الملك عبدالله -كاوست في إرساء نهج تعليمي يتماشى مع رؤية 2030؟

عشري: أوْلت رؤية 2030 أهمية كبيرة للمواهب ودورهم في تحول المملكة، من خلال إعطاء الأولوية للتعليم وتنمية رأس المال البشري. ولهذا، تركزت جهودنا في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية على دعم تحقيق الأهداف الرئيسية للرؤية، واستثمرنا في البحث والابتكار والتعليم وفي العقول الناشئة، بالتركيز على المجالات ذات الأولوية للسعودية، مثل الغذاء والطاقة والمياه والبيئة والذكاء الاصطناعي، كما تساعد برامجنا التعليمية على إعداد الشباب لدخول سوق العمل بعقلية تركز على الابتكار وريادة الأعمال بما يمكنّهم من أن يصبحوا قادة المستقبل، بل قادة العِلم في العالم.

فورتشن: ما أهم التحولات التي شهدها قطاع التعليم في السعودية؟ وما الدور الذي لعبته كاوست لإرسائها؟

عشري: من أهم التحولات: وضع تصور لنظام بيئي متكامل للبحث والتطوير والابتكار وإنشاء هيئة خاصة به لخدمة الأولويات الوطنية والتحديات العالمية، ويُعدّ الأفضل في فئته. لم يكن هذا التحول نتاج لحظة راهنة؛ بل جاء لتلبية احتياجات الصناعة المتطورة والتحديات التي تتطلب نهجاً جديداً للتعليم والبحث العلمي. 

النهج الجديد يتمحور حول تلبية احتياجات التحول الرقمي أيضاً، وتحديات المنظمات التي تتطلب من المواهب امتلاك مهارات رقمية وبحثية وابتكارية جديدة فضلاً عن عقلية ريادة الأعمال والقيادة. وجاء دور جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في تعزيز ثقافة التميز والإتقان مع التركيز على التحديات الكبرى التي تواجه السعودية بشكل خاص والعالم أجمع بشكل عام، حيث تم وضع البرامج والمبادرات البحثية والتعليمية التي تخدم هذا الغرض بشكل أساسي. فعلى سبيل المثال، هناك برامج نركز فيها على تطوير المواهب من خلال تدريبها على مهارات قادرة على التعايش مع المتطلبات المستقبلية في سوق العمل وفي دعم الصناعات والتقنيات الجديدة، وهي جزء لا يتجزأ من تحول المملكة ونموها.

فورتشن: ما الدور الذي تلعبه السعودية في التأسيس لقطاع تعليمي حديث يضاهي التعليم لدى الغرب؟ 

عشري: لا يخفى على أحد أن أغلب جامعات المملكة حاصلة على تصنيفات أكاديمية مرموقة في جميع المجالات من البحث والابتكار وبراءة الاختراع، وما هذا إلا نتاج لاستثمار الدولة في قطاع التعليم، حيث رصدت الميزانيات الكبيرة، وأوجدت برامج الابتعاث والمنح الدراسية المختلفة لتطوير أعضاء هيئة التدريس والطلبة بشكل عام، ورفعت سقف استقلالية الجامعات. 

يمكن القول إن جامعة الملك عبدالله هي مثال حي على ذلك ببنيتها التحتية البحثية ذات المستوى العالمي، وبما تمتلكه من أجهزة الكمبيوتر العملاقة والمختبرات المتطورة، وبوجود الكوكبة المتميزة من أعضاء هيئة التدريس التي تعدّ الأفضل عالمياً من حيث الاستشهادات البحثية، بالإضافة إلى نجاحها في استقطاب العقول من الطلبة المتميزين من مختلف الجنسيات من أفضل جامعات العالم. 

فورتشن: ما الذي يحتاجه هذا القطاع ليصبح مركز جذب عالمي لطلبة من الجنسيات كافة؟

عشري: من أجل أن تصبح المملكة مركز جذب عالمي للطلبة من جميع الجنسيات، يحتاج قطاع التعليم إلى مدارس وجامعات ذات بنية تحتية هي الأفضل في فئتها، وموظفين وأعضاء هيئة تدريس استثنائيين، وفرص نمو واستثمار للمواهب والأفكار، وبيئة سياحية قادرة على منافسة الوجهات السياحية الرائدة في جميع أنحاء العالم. 

يمكن القول إنّ كل تلك العوامل تلعب دورها اليوم بقوة في السعودية. وتُعد جامعة الملك عبدالله مثالاً رائعاً على امتلاك الأساس الصحيح ليس فقط من حيث البنية التحتية وأعضاء هيئة التدريس؛ ولكن أيضاً من حيث قدرتها على الوصول إلى استثمار الفرص، إذ نستثمر في المواهب والشركات الناشئة، وربط المواهب والأفكار بالفرص على نطاق واسع في جميع أنحاء المملكة. فنحن نجتذب بالفعل طلبة من أكثر من 120 دولة حول العالم، ومستوى الاهتمام بكل من جامعة الملك عبدالله بشكل خاص والجامعات السعودية بشكل عام ينمو بشكل كبير يوماً بعد يوم.

إضافة إلى ذلك، بدأت السعودية في تنمية قطاع السياحة، والأهم من ذلك استثمارها في المشاريع الضخمة مثل نيوم والبحر الأحمر، التي ستؤتي ثمارها في السنوات القليلة المقبلة، إذ تعد هذه المشاريع جاذبة للعلماء والمفكرين بما تقدّمه من تحديات هندسية وابتكارية وبيئية. وكلنا على ثقة بأن المملكة ستصبح في السنوات القادمة مركزاً عالمياً رائداً للمواهب، منافسةً بذلك الاقتصادات العالمية الرائدة.

فورتشن: ما الإضافة التي توفرها كاوست للراغبين في التخصص بقطاعات التكنولوجيا المختلفة التي تميزها عن صروح المنطقة والعالم؟

عشري: نحن نفخر بتحقيق المعادلة المتكاملة في نظامنا البيئي بكل عناصرها الداعمة للتقدم والتطوير؛ مثلاً لدينا أكثر البنى التحتية تقدماً في العالم في الحرم الجامعي، وذلك لدعم أبحاثنا مثل الكمبيوتر العملاق شاهين 2 كجزء من مختبرنا الأساسي للحوسبة الفائقة، بالإضافة إلى أحدث التقنيات الأخرى والمختبرات بما فيها المختبر الأساسي للتصنيع النانوي، والمختبر الأساسي للنماذج الأولية وتطوير المنتجات، والمختبر الأساسي للتصور من بين مختبرات أخرى. 

وبصرف النظر عن بنيتنا التحتية الاستثنائية، نحن نفخر أيضاً بأن يكون لدينا حائزون على جائزة نوبل من بين أعضاء هيئة التدريس المشهورين عالمياً، والذين ساعدوا في وضع جامعة الملك عبدالله ضمن أعلى المراتب في الأبحاث التي يتم الاستشهاد بها بدرجة عالية، جنباً إلى جنب مع الجامعات الرائدة مثل هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأكسفورد.

أخيراً، نحن محظوظون لأن لدينا شراكات مع قادة الصناعة المحلية والعالمية، تدعم تسويق أعمالنا وأبحاثنا. نحن أيضاً نستثمر بقوة في الأفكار والمواهب، ولدينا نظام بيئي سريع النمو للشركات الناشئة الذي يُحدث بالفعل تأثيراً في كل من المملكة والعالم.

فورتشن: ما هي التخصصات التي تعتقدين أنها ستحدد ملامح قطاع التعليم في السنوات القادمة؟

عشري: عندما ننظر إلى المستقبل، فإنه من الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً كبيراً في تشكيل قطاع التعليم، إذ غدت هذه التقنيات اليوم إضافة إلى إنترنت الأشياء، أدوات لتحقيق الريادة ضمن الاقتصادات القادمة، وهو ما أكّدت عليه الرؤية الطّموحة للمملكة. ومواءمة مع ذلك، جاءت الخطوات الواسعة لجامعة كاوست في تحقيق هذه الأهداف، من خلال مشاركتها عبر الأبحاث العلمية في الذكاء الاصطناعي والتقنيات والبيانات، وتهيئة منظومة بيئية بحثية طورت فيها المهارات البشرية، للمتخصصين وغير المتخصصين، إضافة إلى تمكين دور المرأة في البحث العلمي، وتمكين أفضل المؤسسات البحثية المتخصصة في البيانات والذكاء الاصطناعي، ومد جسور الشراكات البحثية مع المؤسسات المتخصصة واستثمار أفضل العقول فيها.

فورتشن: ما دور الحكومات في نسج رؤى استراتيجية تساهم في نهوض الاقتصادات؟ أخبرينا عن التجربة السعودية في هذا المجال؟

عشري: يتم سنّ استراتيجيات الحكومات في جميع أنحاء العالم اليوم من خلال سياسات مصممة لدعم وتنمية الاقتصاد المحلي وعبر المساعدة في جذب المواهب والاستثمار الأجنبي المباشر، وتعزيز المحتوى المحلي والإنتاج. 

ومع ذلك، لا يمكن لهذه الاستراتيجيات وحدها أن تحدث التغيير والتحول دون روابط قوية مع الصناعة والأوساط الأكاديمية وغيرها من ذوي العلاقة. بالنسبة لنا في السعودية، فإنّنا محظوظون بأنّ الصلة بين الحكومة والصناعة والأوساط الأكاديمية قوية ومدعومة بنظام بيئي مرن ورشيق، يمكنه التكيّف بسرعة مع الظروف المتغيرة للمضي قدماً دون عوائق.

 ويعدّ البحث والتطوير والابتكار أموراً أساسية لتمكين استراتيجية المملكة ذات الرؤية المستقبلية الطموحة، ونحن في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية فخورون للغاية لكوننا من المساهمين في نمو هذا النظام البيئي.

فورتشن: كيف تعمل كاوست على إنشاء جيل من المبتكرين يساهم في نقل السعودية إلى مستقبل يرتكز على التكنولوجيا؟

عشري: التعليم ركيزة أساسية لغرس روح الريادة والشغف بالابتكار لدى الشباب. ودفع هذا الاعتقاد جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية إلى الاستثمار في تطوير الجيل القادم من المبتكرين، لتسريع انتقال المملكة إلى مستقبل يعتمد على التقنية. 

حتى الآن، قدمنا سلسلة من البرامج تخدم جميع الفئات العمرية، فعلى سبيل المثال، في المعهد السعودي للعلوم البحثية يتم استقطاب الطلبة ذوي الإمكانات العالية من المرحلة الثانوية، ونوفَّر لهم الفرصة للعمل جنباً إلى جنب مع فريق البحث وأعضاء هيئة التدريس؛ للعمل على أبحاث حقيقية في مختبرات الأبحاث الحديثة لدينا باستخدام الأدوات والتقنيات المتقدمة. إذ تساعدهم تجربة التعلم هذه على اكتشاف إمكاناتهم في إحداث التغيير والتأثير عبر الصناعات من خلال العلم والبحث، ما يؤهلهم لخوض غمار المسابقات العالمية التي يمثلون فيها المملكة بتميز. 

فورتشن: ما أبرز الصعوبات التي تعترض طلبة السعودية وطلبة المنطقة وما أبرز الفرص؟

عشرييمكن تلخيص الصعوبات في تقليدية التعليم والاعتماد على التلقين، إضافة إلى استمرار وجود ضعف في التدريب التطبيقي ومناهج الرياضيات والبرمجة، وهي من أساسيات متطلبات النجاح المستقبلية سواء في الدراسة أو في سوق العمل. 

كما أنّ الطلبة محدودو الاحتكاك بالمنظمات الصناعية المهمة في مواجهة تحديات العالم الواقعي، حيث يتمحور التعليم بشكل أكبر حول النظرية أكثر من الممارسة، ولا يتاح للطلبة بالضرورة فرصة التفاعل مع المنظمات وتطبيق معارفهم ومهاراتهم على أرض الواقع. 

وأمّا بالنسبة لأبرز الفرص، فيتم تقديم عدد كبير من الفرص للطلبة اليوم في المملكة، من خلال التوسع الكبير في الابتعاث والجامعات والتخصصات المتنوعة، وذلك بفضل وتيرة النمو والتحول غير المسبوقة، مدفوعة بالمشاريع العملاقة في المملكة مثل نيوم والبحر الأحمر. وستتطلب هذه المشاريع الطموحة اجتماع أذكى العقول لتحقيق رؤية المملكة والمساهمة في صقل الجيل القادم. 

فورتشن: ما أهم النصائح التي تقدمينها للطلبة السعوديين ولطلبة المنطقة والعالم؟

عشري: أولاً وقبل كل شيء، تحديد الهدف والتركيز على الشغف وتحمُّل المخاطر في وقت مبكر، والإيمان بأنّ الفشل هو جزء من النجاح. المملكة اليوم تبحث عن أشخاص لديهم أفكار ابتكارية وعلى استعداد لتقديم دعم هائل لهم لتحقيق النجاح، وهذه رفاهية لم تكن موجودة في الماضي. 

النصيحة الثانية هي استكشاف الفضول وتغذيته، فمعظمنا يجهل إمكاناته واهتماماته، وليس هناك وقت أفضل للاستكشاف من الوقت الذي تكون فيه طالباً نظراً لمحدودية مسؤولياتك، واستكشاف هذا يكون من خلال التعلم أو التدريب أو الهوايات التي تسمح بالكشف عن مجالات جديدة، والوصول إلى المعرفة، كما تشكل مصدر إلهام لإحداث تأثير أو تغيير.


image
image