المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

ثورة الذكاء الاصطناعي تثير حاجة ملحة لتحديث البنية التحتية للأسواق المالية

لدى المستثمرين الأوائل في الذكاء الاصطناعي القدرة على تحقيق عائدات مالية كبيرة، ولكن من المهم التأكد من أن الاستثمار متجذر حقاً في التكنولوجيا المبنية على العلوم، بعيداً عن الكلام الرنان والترويج غير المبني على الوقائع.

بقلم


money

ديمتري كامينسكي، الشريك العام، مجموعة المعرفة المتعمّقة (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

في الآونة الأخيرة؛ حقق الذكاء الاصطناعي مستويات عالية من التطور، ومع ذلك لا تزال البنية التحتية للأسواق المالية متخلّفة نسبياً. لذلك، هناك فرصة كبيرة للتقدم في عالم التمويل لجهة الاستثمار في التقنيات المتطورة.

وفي حين يستمر نهج توافق الآراء الذي يهيمن على قرارات الاستثمار والتمويل في قطاع الذكاء الاصطناعي، ما تزال المبالغ الكبيرة من التمويل المحتمل لشركات التكنولوجيا المبتكرة غير مستغَلة. يترك ذلك المستثمرين والمبتكرين عرضة لخطر فقدان الفرص الاستثمارية المربحة.

يُظهر أكبر المستثمرين في العالم وأكبر أصحاب الثروة، مثل وارن بافت، نهجاً محافظاً تجاه الاستثمار؛ فيركز معظمهم اهتمامه في المقام الأول على الأسواق الخالية من المخاطر، والتي تتسم بالسيولة وقابلية التداول، ما يجعل شركات رأس المال الاستثماري الجهة الوحيدة في مجال تمويل الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن لهذه الشركات التعامل مع فترات استثمار أطول مقترنة بمستويات أعلى من المخاطر؛ فيشتهر بافيت مثلاً باستثماراته في الشركات الراسخة ذات السجل الحافل بالنجاح، مثل كوكا كولا وأميركان أكسبرس، ومثال آخر هو شركة الاستشارات الاستثمارية الأميركية ذا فانغارد غروب (The Vanguard Group) التي تستثمر عادةً في صناديق المؤشرات منخفضة التكلفة وتتبع استراتيجية استثمار سلبية، وتتجنب الأسهم الفردية التي تعتبر عالية المخاطر.

الاستفادة من الذكاء الاصطناعي للعناية الواجبة (Due Diligence)

تتطلب استراتيجيات الاستثمار حالياً مناهج متطورة تقوم على الذكاء الاصطناعي وتستنير بالبيانات لمواكبة التعقيدات المتزايدة التي قد تعاني منها القطاعات المختلفة. ومن خلال استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تنفيذ الاستثمارات بدقة، يمكن للمستثمرين تحديد الهدف الاستثماري وتقديم التحليلات والتنبؤ وقياس الأداء والعناية الواجبة وإزالة المخاطر.

لدى المستثمرين الأوائل في الذكاء الاصطناعي القدرة على تحقيق عائدات مالية كبيرة، ولكن من المهم التأكد من أن الاستثمار متجذر حقاً في التكنولوجيا المبنية على العلوم، بعيداً عن الكلام الرنان والترويج غير المبني على الوقائع.

على سبيل المثال، شهد قطاع التكنولوجيا المالية طفرة بين عام 2016 و2019، إذ حقق الكثيرُ من المستثمرين عوائد قيّمة؛ فحسب تقرير صادر في العام 2019 عن شركة كيه بي إم جي (KPMG) العالمية، والتي تنشط في مجال المحاسبة والمراجعة القانونية، وصل حجم الاستثمار العالمي في شركات التكنولوجيا المالية إلى مستوى قياسي بلغ 111.8 مليار دولار في عام 2018، محققاً ارتفاعاً من 50.8 مليار دولار في عام 2017.

ومع تحول التكنولوجيا المالية اليوم إلى "تكنولوجيا عادية" إلى حد ما؛ يلجأ المستثمرون الأذكياء إلى مجالات أكثر تقدماً عند تقاطع العلوم والتكنولوجيا، ومن خلال الاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي المستقبلية تلك؛ يمكن للأفراد والمؤسسات تحقيق أرباح متباينة في مشاريعهم.

ومن أجل تقييم شركة ناشئة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي بهدف الاستثمار؛ على المستثمرين اعتماد تدابير العناية الواجبة المكثفة والمعدّة خصيصاً لقطاع الذكاء الاصطناعي، بدلاً من استخدام مقاييس التقييم التقليدية.

يقبع بعض المستثمرين الأذكياء اليوم في مأمن من المطالبات المبالغ بها من الشركات الناشئة، وذلك بمساعدة حلول العناية الواجبة المتقدمة التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي، والتي توفر شبه أتمتة لعملية الاستثمار بهدف تقليل المخاطر.

ويمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي المستثمرين عبر توفير التحليلات التنبؤية التي توجه قراراتهم بشأن الاستثمارات. فمن خلال تحليل كميات هائلة من البيانات، باستطاعة خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحديد الأنماط والاتجاهات التي قد لا تكون واضحة للبشر، والتي لا يمكن لإجراءات العناية الواجبة التقليدية التحقق منها، ويوفر ذلك نظرة ثاقبة لفرص الاستثمار والمخاطر المحتملة.

تسعى الشركات الناشئة الناشطة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى إحداث ثورة في المستقبل، لذلك عليها أن تلتزم بمستوى أعلى بكثير من ناحية القدرات التكنولوجية الخاصة بها. 

الفئة الكبيرة التالية من الأصول 

لدى الذكاء الاصطناعي القدرة على إحداث ثورة في فرص الاستثمار، من خلال اتخاذ خطوة نحو جعله فئة أصول جديدة بمفردها تخضع لنفس التشريعات والقوانين للأصول الأخرى ضمن الأسواق المالية. بغض النظر عن تفضيلات المخاطر أو السيولة، يمكننا فتح الباب أمام المستثمرين والمؤسسات للاستفادة من منتجات الذكاء الاصطناعي وخدماته كسلع يمكن تداولها. لذلك، ثمة حاجة إلى إنشاء أصول مخصصة قابلة للتداول، مثل المؤشرات والمشتقات التي توفر تعرضاً منخفضاً للمخاطر في قطاعات التكنولوجيا عالية القيمة.

إن إنشاء الذكاء الاصطناعي كفئة أصول جديدة من شأنه أن يطلق العنان لتريليونات الدولارات من رأس المال، ويعزز النظام البيئي للتكنولوجيا، ما يسمح لنا بإحداث تأثير هائل على المجتمعات والاقتصادات على حد سواء. تضمن هذه التطورات مستقبلاً أكثر إشراقاً مع إمكانية معالجة بعض تحدياتنا الأكثر إلحاحاً بسرعة غير مسبوقة.

الحذر الاستثماري

يجب على المستثمرين توخي الحذر في صفقاتهم واتخاذ خطوات استراتيجية لضمان النجاح، مثل الاستفادة من علوم البيانات المدعومة من قبل الذكاء الاصطناعي للتحقق من صحة الفرص الاستثمارية السانحة، وتنفيذ أنظمة التنبؤ التكنولوجية حيثما أمكن وذلك لغرض تحسين دقة التنبؤات، واستخدام حلول التكنولوجيا الاستثمارية الحديثة بدلاً من الاعتماد على النماذج القديمة. من خلال تسليح أنفسهم بهذه الأدوات، يمكن للمستثمرين تقليل المخاطر مع تعزيز السيولة والاستقرار في أعمالهم.

مع نمو قطاع الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة؛ أصبحت فرص الاستثمار وفيرة، ومن أجل إتاحة هذه الاستثمارات للمؤسسات المالية والمستثمرين الأفراد؛ يجب تطوير اعتماد مناهج مبتكرة من خلال الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات لتحسين عملية صنع القرار.

على الرغم من تقدم عالم الذكاء الاصطناعي بسرعة؛ تبقى مناهج الاستثمار والبنية التحتية المالية مقيّدة إلى حد كبير. ثمة حاجة ملحة لمعالجة هذه القيود حتى تتمكن البشرية من جني الثمار المحتملة من هذه التكنولوجيا الثورية عاجلاً وليس آجلاً.


image
image