المحتوى محمي
المحتوى محمي
استثمار

كيف يمكن لكرة القدم العربية توسيع مصادر إيراداتها؟

بات من المهم للأندية العربية مواكبة الركب العالمي وتنويع مصادر الإيرادات بدلاً من محدوديتها، وذلك عبر اغتنام القواعد الجماهيرية الغفيرة لبعضها والتي تُقدّر بعشرات الملايين.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية)

"تعتمد الأندية العربية على تبرعات رجال الأعمال أو الهبات الحكومية لإنعاش الميزانية المالية، وهذا يجب أن يتوقف ويبدأ البحث عن مصادر حقيقية للدخل"، حسب حديث الخبير الرياضي وحيد رزق المصري مع فورتشن العربية.

حديث وحيد يشير إلى الفجوة الكبيرة بين عائدات الأندية الأوروبية ونظيرتها العربية، وإلى اختلاف الأساليب المتبعة في جني الأرباح. فقد بلغت إيرادات نادي ريال مدريد الإسباني نحو 650 مليون دولار في العام المالي 2020-2021، ما مثّل نحو 5 أضعاف إيرادات أكبر نادي كرة قدم عربي من حيث الأرباح، وهو الهلال السعودي (133 مليون دولار عن نفس الفترة).تلك الفجوة بين الرقمين لا تعود فقط للتقدم الواضح لصالح الكرة الأوروبية عن العربية، وإنما أيضاً لتنوع مصادر الدخل وتعددها على خلاف نظيرتها العربية.

بات من المهم للأندية العربية مواكبة الركب العالمي وتنويع مصادر الإيرادات بدلاً من محدوديتها، وذلك عبر اغتنام القواعد الجماهيرية الغفيرة لبعضها والتي تُقدّر بعشرات الملايين على غرار الأهلي والزمالك المصريين مثلاً، إذ يُمثّل المشجعون أحد أهم المصادر المباشرة لزيادة الأرباح. ويقول تقرير من مؤسسة آي تي إي آر برو (IterPro) إن مقياس الأندية الناجحة هو قدرتها على كسب بين 30 و50% من الأرباح عبر اغتنام القاعدة الجماهيرية لها في التسويق.

ما مصادر مداخيل أندية كرة القدم؟

يمكن تقسيم مصادر مداخيل أندية كرة القدم إلى 4 أقسام رئيسية وهي: حقوق البث التلفزيوني، وتذاكر ملعب الفريق، والأنشطة التجارية، وبيع اللاعبين. ولكل من هذه المصادر الأساسية فروع ثانوية تندرج تحتها. فمثلاً تشمل الأنشطة التجارية أرباح الرعاة، وأرباح بيع القمصان في المتاجر الرسمية، وأرباح المشاركة في البطولات الودية.

تستحوذ الأنشطة التجارية على نصيب الأسد من بين مصادر دخل أندية كرة القدم، إذ بلغت أرباح نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي عام 2020 من الرعاة الرئيسيين فقط 226 مليون دولار، فضلًا عن باقي الأرباح من بيع القمصان وغيرها من الفروع الثانوية للأنشطة التجارية التي قد تتعدى حاجز 300 مليون دولار. في المقابل وصلت أرباح النادي من حقوق البث التلفزيوني لنفس العام إلى 196 مليون دولار.

القاعدة الجماهيرية أهمية لا تُضاهى عند الحديث عن دورها في جذب المال إلى الأندية، فهي تحظى بتأثير غير محدود على أغلب مصادر الدخل. إذ يؤثّر عدد الجماهير في نسبة المشاهدات التي تنعكس بدورها على حصة النادي من أرباح حقوق البث التلفزيوني، وكمية التذاكر المباعة، إضافة إلى أن النادي صاحب الشعبية الكبيرة يبيع قمصاناً أكثر ويحصل على عقود رعاية أضخم.

لكن على الصعيد العربي، وعلى الرغم من القاعدة الجماهيرية الواسعة لبعض الأندية، إلا أن أغلب الميزانيات تشهد عجزاً في نهاية كل عام مالي بوجود معدلات صرف مرتفعة مقابل مصادر دخل محدودة. فبلغت مثلاً مصاريف نادي الزمالك، بطل الدوري المصري، في موسم 2020-2021 نحو 24 مليون دولار، أمّا الإيرادات فلم تتعدَّ 10 ملايين دولار، أي بلغ العجز 14 مليار دولار. ومن بين 16 نادياً في الدوري السعودي موسم 2021-2022، جاءت ميزانية 3 أندية فقط رابحة، وهي الهلال والفتح والفيصلي، مقابل 13 نادياً خاسراً أبرزها الاتحاد الذي بلغت إيراداته 70 مليون دولار مقابل 105 ملايين دولار للمصاريف.

لماذا مصادر دخل الأندية العربية ضعيفة؟

يرى المحلل الاقتصادي لقطاع الرياضة، عبد الرحمن الشويخ في مقابلة مع فورتشن العربية، أن القوانين الرياضية في كل دولة تساهم في عرقلة التعدد بمصادر دخل الأندية، ويضرب مثالاً على ذلك مصر التي تجني أنديتها أرباحاً من مصادر محدودة مثل النقل التلفزيوني وبيع اللاعبين، لكنها تفتقد إلى أحد أهم العناصر وهو "الجماهير" الممنوعة من حضور المباريات بالسعة الكاملة للملاعب، أو بنصف السعة حتّى، منعاً للتجمعات، ما جعل الأندية المصرية تخسر أموالاً طائلة.

كما أن بعض القوانين تُكبّل دخول القطاع الخاص للاستثمار في الأندية الأهلية المصرية والسعودية، ما جعل كرة القدم في البلدين تتراجع مالياً، حسب الشويخ الذي قال إن "الدوري السعودي يحظى بإقبال جماهيري كبير وعقود رعاية وعوائد بث ضخمة، لكنه لا يزال متأخراً قليلاً بسبب حظر الاستثمار الخاص في الأندية الجماهيرية". 

مصادر دخل الأندية العربية بشكل عام محدودة، ولعل نادي الهلال السعودي هو المثال الأبرز بالعودة لتصريحات رئيسه فهد بن نافل عام 2021 عندما قال إن "الزعيم" (لقب النادي) يعتمد في دخله على دعم الوزارة ودعم الأمير الوليد بن طلال وعقود الرعاية ومنصة أنا هلالي الإلكترونية. 

نصائح لزيادة الإيرادات

يرى المصري أن أغلب الأندية العربية لا تمتلك في هيكلها الإداري موظّفاً مسؤولاً عن تسيير الاستثمارات والبحث عن فرص استثمارية جديدة. وهذه النقطة بالتحديد تميّز الأندية الأوروبية عن نظيراتها العربية التي تفتقد حلقة الوصل بين النادي والمستثمر.

طبقاً للمصري، فإن على أندية كرة القدم العربية الخروج من بوتقة النظرة التقليدية للعبة، وعليها الإيمان بأنها –أي الأندية- أصبحت كيانات اقتصادية عملاقة وليست مجرد فريق يقدّم أداء جيداً في الملعب، وهذه هي الخطوة الأولى لحل المشكلة.

وطالب الخبير الرياضي الأندية العربية بالبحث عن مصادر حقيقية للدخل مثل الشراكات مع مؤسسات تجارية عالمية أو تدشين مشاريع خاصة مثل استغلال الأراضي المحيطة بالنادي لإقامة محال تجارية، أو التعاون مع منصات إلكترونية.

الاهتمام بأكاديميات تأهيل الناشئين نقطة تغفل عنها أغلب الأندية العربية، لذلك لا نرى مداخيل من بيع اللاعبين إلا نادراً، ويرى وحيد أن تدشين أكاديميات على الطراز الحديث من الممكن أن يعود على الأندية بمصادر دخل جيدة، خاصة أن أندية أوروبا تبحث دائماً عن المواهب الشابة في إفريقيا والشرق الأوسط.

العناصر الأجنبية تنهش الخزائن

تقليل حجم الإنفاق في الأندية، ليس أقل أهمية من توسيع مصادر الدخل. فالناظر إلى كرة القدم الخليجية يستنتج أن أغلب عناصر اللعبة هم أجانب يتم الدفع لهم بالعملة الصعبة. فمثلاً، تتراوح تكلفة استقدام حكم أجنبي لمباراة واحدة في كل من الدوري الإماراتي والسعودي بين 40 و47 ألف دولار على التوالي، يتحملها النادي صاحب الضيافة، فيما تكبّدت خزائن الأندية السعودية 23 مليون دولار لإنهاء عقود 17 مدرباً في موسم 2021-2022، المبلغ ذاته الذي خسرته الأندية الإماراتية لإقالات المدربين.

يمكن تقليل الإنفاق بالاعتماد على العناصر المحلية في اللعبة بدلاً من الأجانب، من مدربين وحكّام ولاعبين أيضاً عبر إنشاء أكاديميات خاصة لتأهيلهم للمستويات المحترفة. هذا من شأنه أن يوفّر ملايين الدولارات موسمياً للأندية. مثلاً: الهلال السعودي دفع 18 مليون دولار للتعاقد مع البرازيلي ماتيوس بيريرا، وكلّف البرازيلي الآخر إيغور كورنادو خزائن الاتحاد السعودي 12 مليوناً، كما دفع الدحيل القطري نحو 13 مليون جنيه استرليني (أكثر من 15 مليون دولار) لجلب البلجيكي توبي ألدرفيلد، جميع هذه الصفقات حدثت العام الماضي 2021.

مواكبة التكنولوجيا

لجأت بعض الأندية العربية مؤخّراً إلى تغيير شعارها لخدمة الأغراض التجارية والتسويقية، ما عاد على بعضها بالنفع المادي بالفعل، بعد أن أصبح الشعار أكثر تطابقاً وملائمةً للاستخدام الرقمي الحديث وصار جاذباً للمعلنين. أبرز هذه الأندية السد القطري والاتحاد والاتفاق السعوديين، وهذا الأخير وصف عملية تغيير شعاره بأنها خطوة "ستخدم أهداف النادي اللوجستية والتسويقية والاحترافية".

من المهم دائماً استغلال التطور التكنولوجي والأنظمة الذكية وربطها بالانتشار الجماهير للنادي، عبر بيع المنتجات –القمصان مثلاً- من خلال تطبيقات النادي على الإنترنت، وكذلك بيع تذاكر المباريات إلكترونياً. باتت هذه الخطوات أسهل وأكثر فاعلية من عملية البيع التقليدي بالنقود، وتخدم مصلحة النادي باستبدال المتاجر الافتراضية بالواقعية عبر توصيل المنتجات إلى باب المنزل.

أيضاً، قد يكون خيار طرح نادي غزل المحلة المصري في البورصة، كأول نادٍ في الشرق الأوسط يقوم بهذه الخطوة، أحد الأبواب التي تتيح للأندية تحقيق مزيد من العوائد، إضافة إلى أن تحوّل النوادي إلى شركات، يساعدها في طرح المنتجات التجارية وممارسة التجارة بشكل عام.


الوسوم :   كرة القدم
image
image