المحتوى محمي
المحتوى محمي
استثمار

العام الذي غيّر السلوك الاستهلاكي إلى الأبد

كشفت جائحة كوفيد-19 والمتحوّرات عن هشاشة المنتجات الاستهلاكية وقطاع البيع بالتجزئة التي لا طالما كانت موضع جدال قبل انتشار الجائحة بوقت طويل، وبدلاً من طرح السؤال "متى سينتهي هذا؟"، فإن علينا أن نفهم أن هذه الأزمة الكبيرة لن تنتهي قريباً.

بقلم


money

(مصدر الصورة: Alex Wong - Getty Images)

بدأنا عام 2021 في خضم جائحة عالمية، ما أدى إلى نقص في العمالة، ومشاكل في سلاسل التوريد، ومستويات من التضخم هي الأعلى منذ عقود، وانتهى العام في حالٍ كارثيّ، حيث غيّر المستهلكون بشكل جذري طريقة تفكيرهم في التسوق إلى الأبد.

إذ يَعتبر أكثر من نصف الأميركيين أن السلوكيات التي اعتادوها في أثناء الجائحة أصبحت الآن طبيعية، ويعتقد 49% أن حياتهم ستبقى على حالها الجديد بشكل ملحوظ بعد الجائحة، وذلك وفق بيانات 'مؤشر مستقبل الاستهلاك' (Future Consumer Index) التابع لشركة 'إرنست ويونغ' (EY).

لطالما كانت هشاشة المنتجات الاستهلاكية وقطاع البيع بالتجزئة موضع جدال قبل انتشار الجائحة بوقت طويل، لكن جائحة كوفيد-19 والمتحوّرات كشفت عن هذه المشاكل وأوصلتها إلى حدٍّ لا يمكن تجاهله. وبدلاً من طرح السؤال "متى سينتهي هذا؟"، فإن علينا أن نفهم أن هذه الأزمة الكبيرة لن تنتهي قريباً. وبدلاً من ذلك، فقد غيّر المستهلكون تطلّعاتهم بشأن شركات البيع بالتجزئة والعلامات التجارية.

الاستقالة الكبرى أثّرت على قطاع البيع بالتجزئة بقوة، ولن ينتهي التأثير قريباً

في شهر سبتمبر/أيلول 2021، توقّفت 685 ألف شركة بيع بالتجزئة عن العمل وهو رقم قياسي. وفي نفس الشهر، استقال 4.4 مليون موظف أميركي من وظائفهم. وبالإضافة إلى مواجهة الاستقالة الكبرى، فإنه يتعين على قطاع التجزئة التنافس على أعداد العمال المتناقصة ذوي الأولويات المتغيّرة.

لم يعد الموظفون - ولا سيما من الجيل زد - مستعدين للعمل لدى الشركات غير المدفوعة بالغاية والشركات التي لا تستطيع تلبية حاجاتها المتزايدة للأجر العادل والمرونة. وللنظر إلى المستقبل بشكل أوضح، ففي أحدث إصدار من 'دراسة تجزئة الجيل زد' (Gen Z Segmentation Study) من شركة 'إرنست ويونغ'، يشعر ما يقرب من ثلثي المشاركين من الجيل زد أنه من المهم العمل لدى شركة تشاركهم قيمهم.

وهذا تحديداً صحيح، وربما يشكل تحدياً أكبر، في المجالات التي لا تكون فيها ظروف العمل هي الظروف النموذجية بدوام كامل من التاسعة إلى الخامسة. في عام 2022، سوف تحتاج شركات البيع بالتجزئة إلى تغيير طريقة جذب المواهب وإدارتها وما يعنيه ذلك بالنسبة لقيمة المساهمين والموظفين. وبالنسبة لهذه الشركات، فإن الموظفين هم الخط الأول لتجربة العلامة التجارية، وعندما لا يوجد موظفون أو يكونون غير منخرطين في العمل، فإن جودة الخدمة وتجربة المستهلك تصبحان موضع شك.

يخطط المستهلكون للإنفاق على الرغم من التضخم، على الأقل حالياً

نشهد حالياً أعلى مستويات التضخم منذ 39 عاماً. ومع ذلك، ولأول مرة في التاريخ، لا يزال المستهلكون مستعدين (وراغبين) في إنفاق أموالهم على الرغم من ارتفاع تكلفة المعيشة.

ويمكننا أن نعزو ذلك إلى تعقيدات سلاسل التوريد التي تحد من قدرة المستهلكين على شراء ما يريدون، وليس إلى ارتفاع الأجور. إذ يمتلك المستهلكون أموالاً ويرغبون بإنفاقها في أقرب وقت وهم على استعداد لشراء ما هو متاح، حتى لو كان بسعر أعلى.

وبينما يقبل المستهلكون أسعاراً أعلى في الوقت الحالي، إلى متى سوف يستمر هذا الحال؟ وما هي نقطة التحول؟ سيؤدي تغيير أسعار الفائدة وظروف السوق، فضلاً عن التعقيدات المستمرة الناتجة عن المتحوّرات الجديدة واستمرار عدم الاستقرار الجيوسياسي، إلى إطالة المدة التي سيقبل فيها المستهلكون الأسعار المرتفعة.

وعلى المدى الطويل، سيستمر المستهلكون في تفضيل جوانب أخرى على السعر، إذ سيكون 58% منهم أكثر تركيزاً على القيمة مقابل السعر في المستقبل وفقًا لـ 'مؤشر مستقبل الاستهلاك' الأميركي. لذلك، عندما تستخدم سلاسل التوريد المخزون الاحتياطي وتطلق العنان للطلب المكبوت على الاستهلاك، يمكن توقّع تغيير العلامات التجارية وشركات البيع بالتجزئة للمتطلبات الجديدة للخدمة والجودة فيما يتعلق بالسعر.

من "المِيل الأخير" إلى "المِيل الأول"

ركّزت الشركات لسنوات مضت بشكل كبير على المِيل الأخير (ويقصد به المرحلة الأخيرة من البيع وتتمثل في توصيل المنتج)، وأعطت شركات البيع بالتجزئة والعلامات التجارية الأولوية لعمليات دعم التحول إلى التسليم عبر الإنترنت أو الشراء بطريقة 'بي أوه بي آي إس' (BOPIS) (وتعني الشراء عبر الإنترنت، والاستلام في المتجر). ولكن ما فشلت الشركات في إدراكه هو أن القيمة تنتج في الميل الأول (ويقصد به المرحلة الأولى من إنتاج المنتج والبضائع في المنشأة قبل أن تُخرَج للتسليم أو البيع).

أصبحت الهشاشة والندرة اللذان كانا أساس مبيعات التجزئة قبل انتشار الجائحة واضحتين تماماً، إذ يستمر نقص المواد الخام في تهديد الإنتاج، والسفن عالقة في الموانئ، ومن الصعب إيجاد شاحنات فارغة للنقل، وتتسبب هذه المشاكل جميعها بكارثة لسلاسل التوريد.

وفي العام المقبل، سوف يتعيّن على شركات البيع بالتجزئة والعلامات التجارية تغيير الأولويات لتأمين البيانات والعمليات المتعلقة بشراء المواد الخام والخدمات اللوجستية، ويجب إعادة صياغة مفهوم الميل الأول مع التركيز على المستهلكين.

وسيصبح ذلك مهماً بشكل متزايد مع استمرار التركيز على توقعات الاستعانة بمصادر التوريد الأخلاقي والاستدامة. فقد تغيرت معنويات المستهلكين حول الاستدامة، ويجب على شركات البيع بالتجزئة وشركات المنتجات الاستهلاكية تغيير تطلّعاتها أيضاً.

تكشف البيانات أن واحداً من كل ثلاثة مستهلكين أميركيين يعتقد بشدة أن الشركات يجب أن تركز على الإنتاج والاستهلاك المسؤولين للسلع والخدمات، ويعزز هذا الاتجاه أهمية الانتباه إلى الميل الأول في سلسلة التوريد.

تغيير كبير

إن الجدال الذي كان سائداً في فترة ما قبل الجائحة هو الآن في ذروته، إذ أدت عواقب هذا الجدال غير المقصودة إلى تغييرات كبيرة في شركات البيع بالتجزئة والعلامات التجارية - وهو ليس تغييراً قصير الأمد لمعنويات المستهلك، ولكن تغييراً كبيراً طويل الأمد.

القرارات الحاسمة بشأن تغيير طريقة جذب المواهب وإدارتها، وتعديل سلاسل التوريد لتشمل الروبوتات والأتمتة، واكتساب قيمة المعايير البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، جميعها قرارات تنتظر قادة الصناعة. وهي فترة حاسمة لشركات البيع بالتجزئة والعلامات التجارية، وإذا لم تتغير بسرعة، فإنها مهددة بالاستمرار في هذه الأزمة الكارثية.


image
image