المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

كيف تسعى حكومة دولة الإمارات لتحقيق سعادة المتعامل عبر "الخدمات الاستباقية"؟

تعمل الإمارات على نقل مفهوم الخدمات الحكومية إلى نموذج جديد وهو "الخدمات الاستباقية". فما الذي تعنيه الخدمات الاستباقية الحكومية؟ وكيف نعمل على الوصول الكامل إليها؟ 

بقلم


money

محمد بن طليعة، رئيس الخدمات الحكومية لحكومة دولة الإمارات (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

"حكومة المستقبل حكومة لا تنام، تعمل 24 ساعة في اليوم، 365 يوماً في السنة، مضيافة كالفنادق، سريعة في معاملاتها، قوية في إجراءاتها،" بهذه المقولة عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة التي ترسم نهجاً يتخطى الحاضر، ويضع خطوات فعلية في طريق المستقبل؛ ليصل إلى محطات متقدمة قبل توجه الكثيرين إليها بسنوات.

ولذا فقد بدأت حكومة دولة الإمارات في اتخاذ خطوات كبيرة نحو التحول الرقمي وأتمتة الخدمات الحكومية منذ أكثر من عقد، قبل أن تجبر جائحة كورونا العالم على اتخاذ النهج نفسه. واليوم ننقل مفهوم الخدمات الحكومية في دولة الإمارات إلى نموذج جديد وهو "الخدمات الاستباقية" في المؤسسات الحكومية. وقد جاء هذا الوعد في صلب استراتيجية  الإمارات للخدمات الحكومية 2021-2025. فما الذي تعنيه الخدمات الاستباقية الحكومية؟ وكيف نعمل على الوصول الكامل إليها؟ 

تطور الخدمات الحكومية 

تؤدي الإجراءات البيروقراطية التقليدية إلى جعل مهمة، مثل استخراج مستند من جهة حكومية، معاملة تستغرق وقتاً يصل إلى أيام، ومسافات قد تقطعها بين المؤسسات الحكومية المختلفة للحصول على ورقة من مكان، وختم من آخر، وتوقيع أو اعتماد من مكان ثالث، وهكذا.  

مرت دولة الإمارات كغيرها من الدول بمرحلة تقديم الخدمات الحكومية التقليدية، فكانت الخدمة قديماً تقدم من خلال مقر المؤسسة الحكومية؛ إذ يتقدم المتعامل سواء كان مواطناً أو مقيماً أو سائحاً بطلب الحصول على الخدمة، عبر ملء استمارة محددة، وإرفاق الوثائق المطلوبة، ثم يدفع الرسوم، ويتحصل على الخدمة.  

وخلال العقد الماضي، بادرت دولة الإمارات بنقل الخدمات الحكومية إلى الفضاء الإلكتروني، ضمن إجراءات التحول الرقمي الذي خاضته الدول في وقت مبكر للغاية، فقد بدأت دولة الإمارات في تبَني فِكر الحكومة الإلكترونية منذ عام  2003 برؤية و توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وكانت بذلك من أوائل دول العالم في هذا المجال، وباتت تقدم خدماتها تدريجياً عبر المواقع الإلكترونية أو التطبيقات الذكية، إذ يتقدم المتعامل بطلب الخدمة عبر الإنترنت، بملء استمارة محددة أيضاً وإرفاق الوثائق المطلوبة، ومن ثم يدفع الرسوم ويحصل على الخدمة.  

الخدمات الاستباقية سبيل حكومي لإسعاد المواطن 

وعلى الرغم من أن دولاً كثيرة لا تزال في منتصف الطريق نحو أتمتة الإجراءات الحكومية،  بالنسبة للإمارات لم يكن ما وصلت إليه كافياً لحكومة تسعى إلى إسعاد المتعاملين، والوصول إلى معاملات حكومية خالية من الورق، لذا شرعت في تطبيق ما يعرف بـ "الخدمات الاستباقية". 

الخدمات الاستباقية تعني قيام الحكومة بإجراءات التعامُل نيابةً عن المتعاملين، بدءاً من اقتراح تقديم الخدمة بشكل استباقي، ومروراً بملء الاستمارات عنه وإرفاق الوثائق المطلوبة بدلاً منه، ووصولاً إلى إتمام أي تعاملات مطلوبة من جهة أخرى نيابة عنه، لتصبح مهمة المتعامل محصورة فقط بضغطة زر تمنح الحكومة موافقته على إتمام العملية بدلاً منه . 

فعلى سبيل المثال، حينما يرزق مواطن بمولود جديد سيتعين عليه تسجيل المولود، واستخراج شهادة ميلاد له من المركز الحكومي المختص. ولكن، وفقاً لسياسة الخدمات الاستباقية، فور وضع المولود، تستلم الحكومة إشعاراً من المشفى بالمولود الجديد، فترسل للوالد إشعاراً بدورها لاقتراح تسجيل المولود، وفور ضغطه على زر "نعم" تبدأ الحكومة ملء الاستمارة نيابة عنه، إذ تمتلك بالفعل بياناته لديها في سجلاتها، فلا ترهقه بحقول فارغة لتعبئتها، بل تعرض عليه الاستمارة معبأة بالبيانات وجاهزة ليطلع عليها ويضغط زر "موافق"، وهكذا تنتهي العملية تماماً، ويبقى عليه الانتظار لاستلام شهادة الميلاد . 

بالطبع، لم يحدث التحول بين يوم وليلة، ولم يخلُ من التحديات، ولكن حكومة دولة الإمارات لديها هدف واضح يتمثل في إسعاد مواطنيها وجعل المجتمع الإماراتي هو الأسعد على مستوى العالم، لذا، وضعت خطة فعالة تضمن لها تحويل خدماتها الحكومية إلى خدمات استباقية بنسبة 100% بحلول عام 2025.  

وجود سياسة واضحة للمؤسسات الحكومية 

وضعنا سياسة واضحة تلزم الجهات الحكومية بعدم طلب أي معلومات من  المتعامل  متوفرة بالفعل لدى مؤسسات الحكومة، مثل صورة الهوية  والقيد العائلي، والبيانات المتوافرة لدى السجل الحكومي مثل الاسم الكامل، وتاريخ الميلاد، وبلد الميلاد، وهكذا. وإنما ستكون هذه المعلومات معبأة بشكل استباقي في الاستمارات ولن يضطر المتعامل إلى كتابتها عشرات المرات في كل وثيقة، لكنه فقط سيطلع عليها معبأة للموافقة عليها. 

وحتى بالنسبة إلى المعلومات الجديدة، مثل الشهادة الدراسية، ستطلب مرة واحدة فقط من المتعامل في جهة حكومية ما، وبعدها ستسجل ضمن قاعدة البيانات، ولن تطلب منه مرة أخرى في أي إجراء لاحق . 

أرسلنا هذه السياسة إلى العاملين بالجهات الحكومية، مرفقة بمهلة تقدر بـ 12 شهراً، للاطلاع عليها والتدريب عليها ومعرفة العقبات ومعالجتها، للتأكد في النهاية أن خدمات أي من المؤسسات لن تطلب أي وثائق بالفعل موجودة لدى الحكومة.  

في بعض المؤسسات لم يكن ذلك بالأمر الهين على الإطلاق، فعلى سبيل المثال، كانت هناك وثائق حكومية تعود إلى بداية نشأة دولة الإمارات وربما حتى قبل الاتحاد، وبعضها لم يخضع للرقمنة. فلم نركز في البداية على إدراج جميع الوثائق، لكننا بدأنا بما يمكننا إدراجه، ووضعنا البقية ضمن جدول زمني. وهكذا أصبح لدى دولة الإمارات العربية المتحدة دليل للخدمات الاستباقية يوجه الجهات لتحويل خدماتها تباعاً إلى خدمات استباقية . 

التكامل بين الجهات الحكومية في الإجراءات المتداخلة 

كما ذكرنا، كان المتعامل في السابق مضطراً إلى التنقل بين المؤسسات الحكومية لاستخراج مستند واحد، أو اتخاذ إجراء حكومي ما. هذه الخطوة أيضاً ستقوم بها الحكومة نيابةً عن المتعامل ضمن مفهوم الخدمات الاستباقية.  

ولذا، فقد وضعت حكومة دولة الإمارات خطوة تكامل وترابط الخدمات بين الجهات الحكومية على رأس أولوياتها لإتمام الخدمات الاستباقية بشكل فعال، إذ إن الهدف في النهاية هو تقليل احتكاك المتعامل مع الجهات الحكومية وتوفير وقته وجهده. وعلى الرغم من أننا لم نصل بعد إلى هذا التكامل بنسبة 100%، لكننا نسير بخطوات حثيثة في اتجاه الربط بين الخدمات الحكومية المحلية والاتحادية. فمثلاً، فيما يتعلق بتجديد رخصة القيادة، لا تنتظر الحكومة قيام المتعامل بطلب التجديد، بل ترسل له إشعاراً قبل موعد انتهاء رخصته القديمة بنحو شهر أو شهر ونصف تخبره بأن رخصة قيادته على وشك الانتهاء، وتمنحه خياراً للموافقة إذا أراد تجديدها. 

وكما حدث في تسجيل المولود، يصل للمتعامل نموذج معبأ ببياناته بشكل استباقي ليضغط زر موافقة فقط.  

ولكن في حالة رخصة القيادة، ظهر تحدٍ مثل قياس النظر، إذ يتطلب التجديد قياساً لقوة النظر، فترشح له بعض الجهات لقياس نظره، ويصبح طلب التجديد هنا معلقاً بانتظار اللحظة التي سيخضع بها للفحص، ثم يكتمل تلقائياً.  

وفي مثال آخر، أصدرت وازرة الداخلية مبادرة مؤخراً تقتضي بفتح ملف مروري للطالب الذي يوشك على إنهاء المراحل التعليمية الأساسية، إذ يقترب من إتمام 18 عاماً. ترسل له الوازرة إشعاراً بفتح ملف مروري تلقائي له، ويبقى معلقاً للحظة التي يصدر فيها قرار تعلم القيادة، وتستكمَل حينها الإجراءات بشكل تلقائي، لتصدُر الرخصة في النهاية.  

في النهاية، لن يضطر المتعامل إلى المبادرة إلا في حالات قليلة مثل تجديد رخصة القيادة بسبب تلف الرخصة أو فقدانها وليس اقتراب انتهائها، إذ كيف ستعرف ما لم يبدأ المتعامل بالخطوة الأولى؟ ولكن بعدها سيأتي دور الحكومة في تسهيل الإجراءات وتقليل الخطوات عليه.  

إتاحة تقديم الخدمات الحكومية و الشراكة مع القطاع الخاص

اتخذت حكومة دولة الإمارات خطوة أخرى في سبيل تسهيل مهام المتعامل، إذ لا تحتكر تقديم الخدمة الحكومية على منصاتها الحكومية، بل تتيح الخدمة عبر التطبيقات والبرمجيات التي تتبع للشركات الخاصة والتي يفضلها المتعامل. إنها طريقة أخرى لمبادرة الحكومة للذهاب إلى المتعامل بدلاً من انتظاره. 

وبالفعل، أطلقت منصة السوق الافتراضي لواجهات البرمجيات (UAE API Marketplace)  و التي تتيح للمبرمجين و المبدعين و الشركات الناشئة تقديم الخدمات الحكومية عبر منصاتهم سواء كانت تابعة لجهات حكومية أخرى، أو للقطاع الخاص أو حتى لأفراد.  

بالعودة إلى مثال فحص النظر لتجديد الرخصة، يمكن أن يستخدم مركز فحص النظر أو متاجر النظارات المنتشرة في كل أنحاء الدولة واجهة برمجة التطبيقات والتي نوفرها على منصة السوق الافتراضي من (UAE API Marketplace) وندرجها ضمن الموقع الإلكتروني، ليسجل المستخدم من خلالها إذا كان الغرض من فحص نظره هو تجديد الرخصة. 

إدراج تقنيات الذكاء الاصطناعي 

تسعى حكومة دولة الإمارات إلى الاستمرار في مقدمة السباق الرقمي بإطلاق الخدمات المدعومة بالتكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة وروبوتات المحادثة "تشات بوت" لتسهيل الخدمات على المتعاملين. ولكنها تتخذ خطواتها في هذا الاتجاه بجرأة وحذر في الوقت ذاته، إذ تضع القيادات في حسبانها احتمالية تذمر المتعامل من التحدث مع الآلة. لذلك، تترك مجالاً للتعامل الإنساني في حال تعثر استكمال أحد الإجراءات عن طريق الأنظمة الالكترونية.  

كما نستخدم تقنيات تعلم الآلة في سعينا لفهم سلوك المستخدمين للخدمات بشكل أفضل و أكثر عمقاً عن طريق تحليل البيانات، و تدريب تحليل المشاعر القائم على الذكاء الاصطناعي؛ وذلك بهدف أن نتمكن مع الوقت لخدمة المتعامل في وقت أقصر و بشكل أفضل.

ضمان خصوصية بيانات المتعاملين

نقل الخدمات والبيانات إلى الفضاء الإلكتروني يمثل تحدياً سواء فيما يتعلق بالمخاوف من التهديدات السيبرانية، أو خصوصية بيانات المتعامل. ولكن تمتلك دولة الإمارات بالفعل قوانين تنظم عملية تبادل البيانات بين الحكومة والمتعاملين وبين الحكومة والقطاع الخاص، حيث إن هذا النوع من التنظيم هو الأداة الرئيسية التي تساعدنا اليوم لتفعيل عملية التبادل بين الأنظمة لتقديم خدمات استباقية. وهناك ضوابط تلزم الأطراف المعنية بالحفاظ على بيانات المتعاملين وعدم مشاركتها إلا لحاجة المتعامل. كما نطبق معايير الأمن السيبراني لحفظ بيانات المتعامل رقمياً. 

 نقل مفهوم الخدمات الاستباقية إلى دول أخرى   

لا تنتظر دولة الإمارات الأزمات لتشرع في إجراءات التكيف، بل تسير على نهج استباقي يصنع المستقبل ولا ينتظره.

إذ تعمل الدولة والحكومة باستشراف مستقبل الخدمات واختيار المستقبل الأكثر مواءمة لها.  

واليوم، لاحظت الحكومة حماساً لدى الكثير من الدول التي تتعاون معها لاتباع المعايير والتوجهات التي تطبقها دولة الإمارات اليوم، ما قاد الحكومة إلى نقل نموذج دولة الإمارات في الخدمات الحكومية، وطرق تقديمها، وآلية تطويرها، وطريقة إسعاد المتعاملين للدول التي تتعاون معها مثل مصر والأردن وأوزبكستان و غيرها من البلدان الصديقة. 

وقد وضعت الحكومة برامج مختلفة لنقل خبرات حكومة دولة الإمارات في مجال الخدمات الحكومية سواء بالتدريب أو بإعداد قيادات الصف الأول ، أو مسابقات تحفيز الشباب الإبداعية لخدمة المؤسسات الحكومية و برامج أخرى كثيرة، مثل جائزة ولي عهد الأردن لأفضل تطبيق خدمات حكومية لتحفيز طلاب الجامعات الأردنية لتطوير برمجيات تسهل الإجراءات الحكومية.  

ارتفاع سقف توقعات المتعامل 

مع وجود عمالقة التكنولوجيا، والتجارة الإلكترونية، وتطبيقات المشاهدة حسب الطلب، وشركات التوصيل والدفع المنتشرة في العالم والناشطة في بلداننا، والتي تقدم نموذجاً متقدماً لخدمة المتعاملين، فإن توقعات المتعامل باتت ترتفع بشكل متسارع. وهذا ما أدركناه في دولة الإمارات بشكل مبكر، لذلك، فنحن نعمل على تقديم نموذج يحتذى به في تقديم الخدمات الاستباقية والخدمات التي تحقق أعلى مستويات الرضا و السعادة للمتعاملين، نحن في تحد مع أنفسنا يومياً لتحقيق هذا الهدف بالتعاون والشراكة مع كل المبدعين والمبتكرين وشركات التقنية الناشئة في المنطقة والعالم.  


image
image