المحتوى محمي
نفط وطاقة

الربط الكهربائي بين مصر السعودية: نواة لتكامل إقليمي وصادرات عالمية

من المخطط تشغيل الخط المصري السعودي بعد 36 شهراً بطاقة 1.5 غيغاواط لتكتمل طاقته بعد 52 شهراً، ويكون حينها أكبر مشروع للربط في المنطقة العربية.

بقلم


money

(مصدر الصورة: arturnichiporenko - Shutterstock)

تسعى مصر لأن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة، ومن بين دعائم هذا الهدف مشاريع إنتاج الكهرباء والربط الكهربائي الإقليمي مع المملكة العربية السعودية، وجارتي مصر السودان وليبيا اللتين تفتحان فرصاً للربط الكهربائي مع المزيد من الدول الإفريقية، وكذلك شركائها في شرق المتوسط قبرص واليونان، معبرها إلى الأسواق الأوروبية.

وتقول رئيسة مجلس إدارة الشركة المصرية لنقل الكهرباء، صباح محمد مشالي، في تصريح نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية الأسبوع الماضي، إن الجهود تتوجه نحو مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، من خلال تدعيم وتطوير الشبكة القومية الموحدة لجعل مصر مركزا إقليميا لتبادل الطاقة بين الدول، عن طريق دعم مشروعات الربط الإقليمي القائمة بين الأردن وليبيا والسودان، وكذلك مشروعات الربط المزمع تنفيذها مع كل من السعودية، وهيئة الربط الخليجي، وقبرص واليونان.

وتأتي أهمية مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية من أن القاهرة والرياض تتشاركان في طموح التحول إلى مركز إقليمي للطاقة وتصدير الكهرباء إلى الأسواق الأوروبية. وقد وقع الطرفان منذ 9 سنوات اتفاقاً لإنشاء مشروع ربط كهربائي بينهما، أرسيت عقود تنفيذه مؤخراً في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بقيمة 1.8 مليار دولار، مع ثلاثة تحالفات لشركات عالمية ومحلية، ما يتيح تبادل نحو 3 آلاف ميغاواط في أوقات الذروة التي تختلف مواعيدها اليومية في البلدين.

ومن المخطط تشغيل الخط المصري السعودي بعد 36 شهراً بطاقة 1.5 غيغاواط لتكتمل طاقته بعد 52 شهراً، ويكون حينها أكبر مشروع للربط في المنطقة العربية.

ويدعم الربط رؤى وأهداف مشتركة لمصر والسعودية فهو مكمل لرؤيتهما في التنمية ومشروعات عام 2030، حيث تسعى البلدان لتكوين فريق واحد في سبيل ذلك بربط أكبر شبكتين للكهرباء عربياً من حيث طاقة الإنتاج، وتعزيز وتوسيع الربط مع المنظومة العربية كاملةً، وهذا ما أكدته تصريحات وزراء الطاقة والكهرباء في مصر والسعودية وقت توقيع عقود المشروع.

وتسعى مصر ضمن رؤيتها لعام 2030 أن تكون مركزاً إقليمياً للطاقة ضمن جهود استعادة واستدامة الاستقرار الاقتصادي الكلي وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، كما أن رؤية السعودية 2030 تركز على خلق مصادر إيراد متنوعة لاقتصادها، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط.

تصدير الكهرباء إلى أوروبا

وتمتد البنية التحتية للمشروع الذي يتضمن إنشاء 3 محطات تحويل جهد عالي، وهي محطة شرق المدينة المنورة ومحطة تبوك في السعودية ومحطة بدر شرق القاهرة في مصر، ليشمل خطوط نقل هوائية بطول يفوق 1350 كيلومتراً، وكابلات بحرية في خليج العقبة بطول 22 كيلومتراً، ويستخدم المشروع تقنية التيار المباشر عالي الجهد (HVDC).

ويحمل المشروع أبعاداً استراتيجية واسعة تربط الخليج العربي وبلاد الشام مع إفريقيا والمغرب العربي لتتخطى بعدها البحر المتوسط وصولاً إلى القارة العجوز، بهدف تغذية أوروبا المتعطشة للطاقة بالكهرباء العربية الجاهزة، ربما بدلاً من الغاز الذي يتعرض لهزات وتذبذبات سعرية وصعوبة في تأمينه، إضافة إلى أن المشروع يحقق ضوابط الحد من الانبعاثات الضارة المسببة للاحتباس الحراري بالنسبة لأوروبا.

ويأتي المشروع بالتوازي مع عمل مصر والسعودية على شبكات جديدة مع دول الجوار وتطوير القائمة منها، والربط بينهما سيدعم الشبكة العربية المشتركة ويساهم بالاستفادة اقتصادياً من الفائض عبر إنشاء سوق كهرباء عربية مشتركة تصل بصادراتها إلى الأسواق الخارجية، حيث يتخطى المشروع حدود المنطقة، كما أشار وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان إلى أن المشروع يفتح آفاقاً جديدة لتصدير الكهرباء لأوروبا وآسيا.

ومع مشروع الربط بين السعودية ومصر، يرتبط شمال إفريقيا بالخليج العربي وبلاد الشام والعراق وقد تصل إلى تركيا، لتتشكل منظومة كهرباء عربية تستند إلى قوة التوليد في السعودية ومصر، بينما ستكون مصر بوابة هذه الشبكة الأكبر إلى أوروبا مقارنة ببوابتين أخرتين من تونس والمغرب، وبهذا يمكن لمصر زيادة دخلها القومي وتوفير آلاف فرص العمل بقطاع الطاقة الذي سينمو أكثر ويجذب المزيد من المستثمرين.

وفي وقت وصل فيه الاحتياطي اليومي بالشبكة المصرية إلى أكثر من 21 ألف ميغاواط، يعطي مشروع الربط مع السعودية زخماً أكبر لمصر في إنجاز مشروع الربط مع قبرص، بحسب وزير الكهرباء المصري محمد شاكر، فالوصول إلى قبرص يعني الوصول إلى أوروبا التي تربطها شبكة كهرباء واحدة.

وترتبط مصر مع ليبيا ودول شمال إفريقيا بخط 240 ميغاواط يتم العمل على رفعه إلى 500 ميغاواط، مع إمكانية مضاعفة قدراته، كما يربطها خط آخر مع الأردن وبلاد الشام والعراق بطاقة 450 ميغاواط وتوجد اتفاقيات لزيادة طاقته إلى 3 غيغاواط، فيما يجري حالياً العمل على خط باستطاعة 3 غيغاواط مع القارة الأوروبية عبر البحر المتوسط، مروراً بقبرص.

الربط بين الشبكة المصرية والشبكة الليبية المرتبطة بدورها مع تونس ثم الجزائر والمغرب، يسهل الوصول إلى الشبكة الأوروبية عبر مشروع يتم العمل عليه لربط تونس مع ايطاليا بقدرة 600 ميغاواط، بدأت أعمال المسح البحري له في أبريل/نيسان الماضي لتحديد مساره.

وإضافة إلى بوابة تونس، يجري التخطيط حالياً لإنشاء خط يربط بريطانيا بمصادر الطاقة المتجددة في المغرب بما قد يصبح أطول خط لربط الطاقة في العالم بطول 3800 كيلومتر بتكلفة تقديرية 21.9 مليار دولار، وذلك بمشاركة شركة "أكوا باور" السعودية. والمشروع يعتمد على توريد كهرباء مزارع الطاقة الشمسية والرياح في المغرب التي تبلغ طاقتها حالياً 10.5 غيغاواط، حيث تسعى المغرب عبره لأن تتحول إلى قبلة للاستثمار الأجنبي في الطاقات المتجددة.

السعي لدعم الشبكة العربية ومشاريع الطاقة المتجددة

وعدا عن المشروع المشترك بين مصر والسعودية، ستبدأ الرياض بتزويد الكهرباء لعدة بلدان مجاورة عبر مشاريع أخرى، حيث أشار وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في أغسطس/آب 2020 إلى أن أعمال الربط الكهربائي مع الأردن ومصر، عبارة عن خطوات مهمة باتجاه استكمال مشروع الربط الكهربائي العربي الذي يكمل الربط بين دول مجلس التعاون الخليجي مع دول المشرق العربي من جهة، وبقية الدول العربية في شمال إفريقيا من جهة أخرى.

وتبعاً لرؤية السعودية التي ترتبط أصلاً بشبكة مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإن استمرار خطط تطوير قطاع الطاقة الكهربائية والربط الشبكي عربياً وصولاً إلى أوروبا، ربما يساهم في تحويل شركة الكهرباء السعودية إلى فاعل اقتصادي بعائدات ضخمة يكرر تجربة شركة أرامكو في سوق النفط العالمي.

وتسعى كل من السعودية ومصر لزيادة الاستثمارات والشراكات في مشروعات الطاقة المتجددة، حيث قامت القاهرة بتوقيع اتفاقية مع اليونان في أكتوبر/تشرين الأول، لمد كابل بحري لنقل الكهرباء المولدة من الطاقة المتجددة، خاصة مع مشاريع مصرية واعدة لإنتاج الطاقة الشمسية في أسوان وطاقة الرياح على سواحل البحر الأحمر.

كما تخطط السعودية لأن تكون من الدول الرئيسة في مجال إنتاج وتصدير الكهرباء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة عند اكتمال البنية التحتية اللازمة، وأعلنت في أبريل/نيسان الماضي عن 7 مشاريع جديدة، على أن يتم سنوياً الإعلان عن مشروع إضافي، سيكون أغلبها في الطاقة الشمسية بسبب تميز المملكة بها بحسب تصريح للأمير عبدالعزيز بن سلمان الذي أكد أيضاً أن إنتاج الكهرباء من مشاريع الطاقة الشمسية في السعودية سجل أقل تكلفة في العالم بنحو سنت أميركي فقط لكل كيلوواط/ساعة.

تطورات عالمية تدفع بتسريع المشروعات

وهناك حاجة واضحة لتوسيع توليد الكهرباء عربياً وسط إدراك بعض الدول أن إنتاجها من الغاز الطبيعي غير كافٍ لتلبية تنامي الاحتياجات، ما دفع باتجاه محاولات الربط الشبكي عبر الحدود بحسب تقرير للبنك الدولي والبنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية في 2013 بعنوان "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تكامل شبكات الكهرباء في العالم العربي هيكل السوق الإقليمي والتصميم" ما يؤكد وضوح أهمية مشروعات الربط الكهربائي منذ سنوات عدة.

ويبرر التقرير تنامي الطلب على الكهرباء بأن دولاً عربية تشهد نمواً اقتصادياً متسارعاً في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة ولا سيما الكهرباء، في وقت توفّر فيه شبكات الربط بين الدول العربية سلسلة من الفوائد منها الاستفادة من تفاوت الطلب اليومي والموسمي وتحقيق التكامل الإقليمي.

كما تأتي أهمية البحث عن التصدير إلى الأسواق الخارجية في خضم أزمة الطاقة العالمية التي تشهدها أهم الأسواق المستوردة للطاقة حالياً، مع تفاوت بين مستويات الإنتاج والاستهلاك إبان مراحل التعافي من تداعيات أزمة جائحة كورونا، وتوترات جيوسياسية تهدد استقرار إمدادات الطاقة لعدد من الأسواق المهمة.

وتشكل مشروعات الربط الكهربائي فرصة لدعم الانتقال من الماضي إلى المستقبل، حيث أنها تعتمد على توفير ونقل الطاقة سواء كانت من المصادر الهيدروكربونية أو المصادر الجديدة والمتجددة، ما يجعلها تشكلاً عاملاً رئيسياً مع مشاريع طموحة في المنطقة في مجالات الهيدروجين والاقتصاد الأخضر وتحسين كفاءة وترشيد استهلاك الطاقة.


image
image