المحتوى محمي
المحتوى محمي
مالية ومصارف

التشاؤم الاقتصادي لم يعد حكراً على الشركات بل أصبح شأناً عاماً

نشهد تغييراً منهجياً هائلاً في عالم متعدد الأقطاب تعمل فيه قوى الانقسام على تأجيج الاستياء تجاه الاقتصاد، وإذا أُهمِل هذا التغيير، فإن النتيجة ستكون زيادة مستويات الاستقطاب وتباطؤ النمو الاقتصادي وتفاقم التمييز وتعمّق العجز عن حل المشاكل.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية، تصميم: أسامة حرح)

سيطر التضخم ومخاوف الركود والمشاعر المختلفة تجاه إجراءات الفيدرالي الأميركي على عناوين الأخبار الاقتصادية العام الماضي، ومن المحتمل أن يحمل عام 2023 المزيد من كل ذلك، إذ يُرجَّح أن يطغى التشاؤم والمخاوف المتزايدة بشأن التمويل الشخصي على كامل الأخبار الاقتصادية الأخرى هذا العام أيضاً.

وإذا كانت أخبار بداية الجائحة تتمحور حول الشركات التي أجرت عمليات توظيف ضخمة وسجّلت أرباحاً قياسية، فقد كان عام 2022 معاكساً تماماً وأعاد الاقتصاد إلى واقعه. وفي أوائل العام الماضي، وصل معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته في 40 عاماً، وهو ما يمثل خطراً على العديد من الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي لم تتمكّن من مواكبة ارتفاع الأسعار.

كما أعرب الكثير من الناس عن قلقهم بشأن الركود الذي يلوح في الأفق، على الرغم من أن بعض التنبؤات تشير إلى أنه لن يحدث على الإطلاق. وخيّمت الأجواء نفسها على جميع أنحاء العالم، حيث كان التشاؤم بشأن الاقتصاد العالمي صفة رئيسية للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، والذي حضره ما يقرب من 600 رئيس تنفيذي شدّد الكثير منهم على توقعاتهم المتشائمة للاقتصاد العالمي وشركاتهم.

لكن هذا التشاؤم تجاه الاقتصاد العالمي لا يقتصر على فعاليات المنتدى في دافوس أو مكاتب الرؤساء التنفيذيين، إذ أشار تقرير جديد إلى أن مشاعر التشاؤم والقلق بشأن الاقتصاد العالمي، فضلاً عن الاستياء المتزايد ضد المؤسسات الكبرى، تخيّم على الأسر من كافة مستويات الدخل مع تضاؤل التفاؤل الاقتصادي حول العالم.

وفي استقصاء عالمي جديد حول الثقة في الشركات صدر مؤخراً عن شركة العلاقات العامة العملاقة إيدلمان (Edelman)، أعربت 40% فقط من العائلات أنها ستكون أفضل حالاً بعد خمس سنوات، وكشف الاستقصاء عن أن التفاؤل المالي بين العائلات المشمولة قد انخفض بنسبة ملحوظة بلغت 10% مقارنة بالعام الماضي، وحذّر من أن "التفاؤل الاقتصادي يتضاءل في جميع أنحاء العالم". وشمل استقصاء شركة إيدلمان أكثر من 32,000 شخص في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في 28 دولة، وأصدرت الشركة النتائج في تقرير حمل عنوان العيش في عالم يسوده الاستقطاب (Navigating a Polarized World). 

وكشف الاستقصاء، الذي تجريه شركة إيدلمان سنوياً منذ أكثر من عقدين، أن التفاؤل الاقتصادي وصل إلى "أدنى مستوياته على الإطلاق" في 24 دولة من الدول المشمولة، إذ شهدت الدول كافة انخفاضاً في التفاؤل باستثناء دولة واحدة فقط، وذلك بالتوازي مع تفاقم الاستقطاب العام في الدول الديمقراطية وانخفاض الثقة بالمؤسسات المختلفة بما فيها الحكومة ووسائل الإعلام.

وقال نائب رئيس شؤون الشركات في شركة إيدلمان، ديف سامسون، في بيان: "نشهد تغييراً منهجياً هائلاً في عالم متعدد الأقطاب تعمل فيه قوى الانقسام على تأجيج الاستياء تجاه الاقتصاد، وإذا أُهمِل هذا التغيير، فإن النتيجة ستكون زيادة مستويات الاستقطاب وتباطؤ النمو الاقتصادي وتفاقم التمييز وتعمّق العجز عن حل المشاكل".

تضاؤل التفاؤل في ظل الانقسام

كشف التقرير أيضاً عن تراجع التفاؤل الاقتصادي بشكل خاص في البلدان المتقدمة التي تعاني من بطء النمو، بما فيها الولايات المتحدة. وكان التشاؤم الاقتصادي قد بلغ ذروته في البلدان التي تعتبر عادة ذات ثقل اقتصادي ملحوظ مثل اليابان والمملكة المتحدة والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، إذ لم تتجاوز مستويات التفاؤل الاقتصادي 36% في 14 دولة متقدّمة شملها الاستقصاء. وسجّلت الاقتصادات سريعة النمو، بما فيها إندونيسيا والهند ونيجيريا، أعلى درجات التفاؤل الاقتصادي؛ لكنّها على الرغم من ذلك ما زالت أقل تفاؤلاً من العام الماضي.

وكانت الصين الدولة الوحيدة التي عبّر فيها المشاركون عن تفاؤل أكبر هذا العام بالمقارنة مع عام 2022 بشأن وضعهم المالي والاقتصادي في غضون خمس سنوات.

ويتزامن تراجع الثقة بالاقتصاد في جميع أنحاء العالم مع استمرار تصاعد مخاطر الركود العالمي، إذ حذّر البنك الدولي الأسبوع الماضي من أن دول العالم "قريبة بشكل خطير" من الركود، بينما قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مؤخراً إن النمو الاقتصادي العالمي "سيتباطأ" في عام 2023، لكنّها أشارت إلى أنه قد ينتعش مرة أخرى بحلول العام المقبل.

ولكن في حين أن مخاوف الركود للعام المقبل تشكل مخاطر لا يمكن إنكارها، فقد أشار بعض المراقبين إلى بعض الجوانب الإيجابية في الاقتصاد العالمي والتي يمكن أن تشكّل ركائز للنمو في عام 2023.

ففي الولايات المتحدة مثلاً، يتوقّع عدد متزايد من البنوك بما فيها بنك أوف أميركا حالياً ركوداً "معتدلاً" بالمقارنة مع توقعات الركود الحاد التي شاعت في العام الماضي، وركّزت البنوك على الانخفاضات المبشِّرة في التضخم ومرونة أسواق العمل.

أما في السياق الأوروبي، فإن بنك غولدمان ساكس يراجع توقعاته الخاصة بالركود ويسلك مساراً إيجابياً مستنداً إلى انخفاض أسعار الطاقة وإعادة انفتاح الصين بشكل أسرع من المتوقع على الاقتصاد العالمي. وقد تؤدي إعادة انفتاح الصين بمفردها إلى تحسّن وضع الاقتصاد العالمي بمجرد أن تتغلب البلاد على طفرة إصابات كوفيد وتعود السياحة والتجارة الصينيتان إلى ما كانتا عليه. وقال الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية (OECD)، ماتياس كورمان، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع إن إعادة افتتاح الصين يمكن أن تحمل نتائج "إيجابية للغاية" إلى العالم على المدى الطويل، لأنها ستخفف من اضطرابات سلاسل التوريد التي عصفت بالاقتصاد العالمي لسنوات.

مخاطر الاستقطاب

حتى لو تبيّن أن ازدياد التشاؤم بشأن الاقتصاد لا أساس له من الصحة، فقد كشف استقصاء شركة إيدلمان عن اتجاه آخر في الدول ذات التفاؤل الاقتصادي المنخفض، إذ تبيّن أن تلك الدول هي الأكثر استقطاباً.

وصنّف الاستقصاء دولاً مثل الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا بأنها "مستقطَبة بشدة"، بينما كان العديد من دول الاتحاد الأوروبي بما فيها إيطاليا وفرنسا وألمانيا "معرَّضة لخطر الاستقطاب الشديد"، أما البلدان ذات التفاؤل الاقتصادي المرتفع، ومنها الصين والهند، فإنها تميل لتكون أقل استقطاباً.

وحذّر الاستقصاء من أن المستويات العالية من التشاؤم الاقتصادي وانعدام الثقة السياسية في العديد من البلدان التي شملها الاستطلاع كانت ضمن "عوامل الاستقطاب". واعتُبِر قطاع الشركات للسنة الثالثة على التوالي أكثر القطاعات جدارة بالثقة بين المشاركين في الاستقصاء، وذلك بالمقارنة مع الحكومات ووسائل الإعلام، كما طالب العديد من المشاركين بأن تصبح الشركات أكثر انخراطاً في القضايا الاجتماعية.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة إيدلمان، ريتشارد إيدلمان، في بيان إن "التصوّر المتزايد للشركات على أنها جهات أخلاقية تصاحبه توقعات أعلى من أي وقت مضى تجاه الرؤساء التنفيذيين ليكونوا طرفاً رائداً في القضايا المجتمعية". وأضاف: "بهامش ستة إلى واحد في المتوسط، يريد المشاركون في الاستقصاء مزيداً من المشاركة المجتمعية من الشركات في قضايا مثل التغير المناخي، والتفاوت الاقتصادي، وإعادة تشكيل مهارات القوى العاملة"، ومن ناحية أخرى، حذّر إيدلمان قادة الشركات من أنهم يخاطرون بالظهور بمظهر أطراف مُسيّسة إذا اختاروا التعبير عن مواقفه


image
image