المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

كيف تمكّن البنية الرقميّة التجار من التحوّل نحو تجارة تجزئة حديثة؟

التجارة الحديثة مفهوم جديد، وهو نفس المفهوم الذي نجح في قطاع البقالة، من الدكاكين الصغيرة ثم إلى البقالات ومن ثم انتقل المفهوم للبقالات الحديثة (الهايبر - السوبرماركت).

بقلم


money

مازن الضراب، رائد أعمال ومستثمر ملائكي، وهو مؤسس ورئيس النمو في شركة زد السعودية (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

متى كانت آخر مرة اشتريت بها عبر الشاشة الصغيرة؟ هل شممت رائحة العطر الذي اشتريته؟ أم لعلك لم تغلف هدية عيد ميلاد صاحبك وربما لم ترها!؟

أصبحت التجارة الإلكترونية اليوم جزءاً من أسلوب ونمط الحياة. فهذا الشكل من التجارة كان يعد "رفاهية" في السابق، فقد كانت ميزته التنافسية الأساسية هي "الراحة"؛ من خلال تقديم حلول مريحة للعميل مقارنة بالعناء الذي يتكبده عند رغبته بالشراء وفق الطريقة التقليدية. أما اليوم فقد تغيّر هذا الأمر تماماً بالنسبة للعميل، لأن التجارة الإلكترونية أصبحت جزءاً أساسياً من نمط حياته. 

لا تصدقني!؟

تقول دراسة هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية إن نسبة من يشترون عبر الإنترنت بلغت 50% من إجمالي السكان في 2019، ولا شكّ أنّ هذا الرقم ارتفع كثيراً منذ ذلك الوقت. والدراسة يمكنك مصادقتها بشكل سريع عبر سؤال نفسك ودائرتك المحيطة: متى كانت آخر مرة طلبت وجبة أو منتجات بقالة أو حتى حجزت تذكرة سفر عبر هاتفك المحمول أو جهازك؟

هذا الحراك المتسارع تجاه تبنّي العملاء للتجارة الإلكترونية واعتمادهم عليها، يضع التجار في تحدٍ هائل يدور معظمه حول الارتقاء إلى طموحات العملاء والسعي الحثيث لمواكبتها بشكل مستمر والوصول إليها. فالجيل الجديد من العملاء (جيل الألفية) لا يريد الانتظار، ولا يفكر ملياً مثل السابقين، ويريد ما يرغب به حالاً وعبر الشاشة الصغيرة.

كيف هو استعداد التجار؟ الجواب المختصر: ليس كما يجب. 

في حين ارتفعت جاهزية وجدّية المشترين، ما تزال علامات تجارية كثيرة في قطاع التجزئة متأخرة في تحولها للتجزئة الحديثة. وهذا يظهر لك جلياً بدءاً من عدم وجود متاجر إلكترونية خاصة بتلك العلامات تمكّن العملاء من الطلب من أي مكان، ومروراً بتجربة شراء تعيسة من متجرها الإلكتروني، وانتهاءً بتعقيد إمكانية إرجاع الطلب بعد شرائه.

ما سبق هو "خط الأساس"، وهو ما كان كثير من المتخصصين يسمونه: التحول الرقمي أو التجارة المتكاملة أو متعددة القنوات (Omni-Channel Commerce)، وفي ظل عدم اكتمال البنية التحتية في الكثير من شركات التجزئة اليوم للوصول لهذه المرحلة، ربما يكون الأنسب لها هو عمل وثبة ضفدع (Leapfrog) تنقلها من تجارة التجزئة بصورتها النمطية إلى التجارة الحديثة (Modern Commerce).

وهنا نقصد تحوّلاً متكاملاً تكون البيانات والتقنية هي أساس هذا التغيير، حيث يقوم تاجر التجزئة بتبني الأرقام والحصول عليها بشكل "آني أو شبه آني" لاتخاذ قرارات مهمة على مستوى سلسلة الإمداد أو حتى على مستوى العروض الترويجية. 

ولكن، هل هذه القفزة ممكنة اليوم ومتاحة؟ الإجابة: نعم، وأسهل من أي وقت مضى.

كثير من اللاعبين في قطاع التجزئة يترددون كثيراً في التحول الرقمي، وتجدهم لا ينعمون بأبسط الحلول التقنية المترابطة، فيفقدون مزايا مهمة لديهم وهي "الفروع" على أرض الواقع، بعزلها تماماً عن قنوات البيع الإلكترونية سواء على صعيد متجر الجهة نفسه أو على صعيد منصات البيع الإلكتروني (الأسواق). وهذا في مجمله يشكل فرصة ضائعة. 

فما الحل؟ 

يكمن الحل في بناء بنية تقنية رقمية تمكّن التاجر من التحول للتجزئة الحديثة.

عند بناء تلك البنية الرقمية، ومحركها الأساسي أن تكون الأنظمة على السحابة (Cloud Systems)، ستتمكن الأنظمة من التواصل مع بعضها عبر الواجهات البرمجية (APIs)، وستعمل مع بعضها وتكمل النقص لدى كل منها. 

تحوّلت الحلول الرقمية اليوم من حلول "تقوم بفعل كل شيء وتعطي التاجر كل شيء" إلى حلول مترابطة وتركز على نقاط محددة، وتكمّلها في النقاط الأخرى أنظمة متخصصة أكثر في مجالها. وكل ما سبق لا يتم عن طريق تكاليف باهظة الثمن تُدفع مقدماً، وإنما مبالغ شهرية/سنوية تدفع على هيئة اشتراكات دورية، تتضمن بين طياتها الصيانة والتشغيل والدعم وخدمات ما بعد البيع والتطوير المستمر.

هذا الحديث في ما سبق كان كلاماً نظرياً لا سيما في الوطن العربي، إذ وحتى وقت قريب، كانت معظم الشركات تطور أنظمة وحلولاً تعمل على أجهزة محددة وعلى الشبكة المحلية. كما كان يُفتَقد وجود متخصصين في علوم البيانات والتحليل قادرين على بناء منتجات مترابطة. أمّا اليوم فقد تغيّر الموضوع، وأصبح التجار في قطاع التجزئة قادرين على التحوّل نحو التجارة الحديثة. 

مثلما طورت فوديكس (Foodics) نظام إدارة طلبات المطاعم بشكل فعّال وعملي، من ثم أتت شركة فروتس لتطور إضافة على فودكس لبناء مقترحات وتحليل أداء المطاعم. سيتكرر الأمر ذاته مع منصات التجارة الإلكترونية مثل زد وغيرها، حينما تتكامل مع أنظمة المحاسبة والبيانات والتسويق المنتشرة.

أمثلة بسيطة لتطبيقات التجارة الحديثة في حياة التاجر :

  • سيكون بإمكان التاجر متابعة أداء حملاته التسويقية وأثرها بشكل فعّال، دون الانتظار لحين انتهاء الحملة تماماً. سيعرف إذا كان من الحكمة زيادة الصرف على الحملات أم إيقافها، وسيتم تنفيذ كل ما سبق على منصة الإعلان/الترويج بشكل مباشر.
  • سيستفيد تجار التجزئة أصحاب الفروع من فروعهم كمستودعات تقلّص وقت التوصيل، وتوفر عليهم تكرار المخزون في مستودعات إقليمية. هذا الأمر ممكن لأن الأنظمة متصلة، ويتم توجيه الطلب بشكل آلي للمكان الأجدر أن يخرج منه. 
  • تقارير المبيعات لن تكون تقارير بسيطة أو مبسطة، بل ستكون أكثر عمقاً، فباستخدام أداء الشركة السابقة وتحليل الأرقام القديمة، بإمكان التاجر مقارنة أدائه وتقييمه خلال فترات مختلفة، كما بإمكانه مقارنة أدائه بأداء منافسيه. والمؤشرات في هذا الجانب قابلة للتفصيل، بحكم ربط أنظمة البيع بأنظمة المحاسبة والمالية.
  • أما في ما يتعلق بالتوريد وإعادة الطلب، ستوفر خصائص مثل "الطلب المسبق" أو "مؤشرات انخفاض المخزون" أدوات فعّالة للتاجر وأقسام المشتريات لتقليل المخاطرة في تصنيع أو شراء مخزون ينتهي به المطاف للتكدس. وكل ما سبق بالإمكان أن يتم بأدنى تدخل بسبب ربط الأنظمة بأنظمة الموردين عبر الواجهات البرمجية (APIs)

والقائمة تطول وتطول. والجدير بالذكر هنا، أنها لن تتوقف عند الأمثلة أعلاه، والأجمل أن الحدود والاحتمالات لا منتهية.

التجارة الحديثة مفهوم جديد، وهو نفس المفهوم الذي نجح في قطاع البقالة، من الدكاكين الصغيرة ثم إلى البقالات ومن ثم انتقل المفهوم للبقالات الحديثة (الهايبر - السوبرماركت). هل سيتكرر الموضوع في قطاع التجزئة؟ نعم.


image
image