المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

دروس من تجربة الاستثمار الجريء في السعودية والمنطقة العربية

من أهم المعايير كفاءة وتجانس فريق العمل وحجم السوق المستهدف وملاءمة نموذج الأعمال للتطبيق في المنطقة.

بقلم


money

عمر المجدوعي، الشريك المؤسس في صندوق رائد فنتشرز (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

أصبح للاستثمار الجريء تأثير متصاعد مؤخراً في شكل الخدمات، وطرق تقديم المنتجات، وابتكار أسواق وقطاعات جديدة كلياً، ولولا هذا النوع من الاستثمار لم نكن لنسمع عن أغلب شركات وادي السيليكون التي غيّرت شكل حياتنا بالكامل؛ إذ يساهم رأس المال الجريء في خلق أسواق جديدة، وإعطاء الفرصة لنماذج أعمال مختلفة أن تغير شكل الخدمات التي اعتدنا عليها كأفراد، مثل قطاع التجارة الإلكترونية وقطاع التنقل الشخصي والجماعي، والسياحة والسفر، والترفيه، وغيرها. مما جعل الشركات التقليدية تحت ضغط التغيير باستخدام التقنية إما لرفع الإنتاجية والكفاءة وتقليص التكاليف، أو لتعظيم فرص النمو والاستحواذ على شرائح جديدة من السوق. 

وشهد الاستثمار الجريء نمواً ملحوظاً في المنطقة العربية في السنوات السبع الأخيرة، متوافقاً مع ظهور الشركات الناشئة بشكل واسع، وربما كان لتحركات الحكومات في بعض الدول العربية، وبالأخص المملكة العربية السعودية، الأثر الأكبر في تحفيز هذا القطاع وتسريع نموه وأعتقد أن من أهم العوامل التي حفزت أفضل رواد الأعمال في المنطقة للمضي قدماً في تأسيس شركاتهم الابتكارية؛ انطلاق صناديق الاستثمار الجريء في المنطقة، والتي تدعم الابتكار التقني مثل رائد فنتشرز، وهي شركة إدارة صناديق رأس المال الجريء والتي أسسناها عام 2015 بغرض الاستثمار في الشركات التقنية الناشئة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

نركز في رائد فنتشرز على الاستثمار في المراحل الأولية للمشاريع من البدايات إلى النمو السريع، واستطعنا على مدار سبع سنوات ضم أكثر من 40 شركة تقنية إلى محفظتها الاستثمارية، مثل شركة فوديكس، سلة، سويفل، يونيفونك، ساري، مرسول، وتابي

بدأنا الصندوق في توقيت مثالي، إذ شهد منتصف العقد الماضي انتشاراً للشركات الناشئة في المنطقة العربية؛ حيث شرعنا في تحسس خطواتنا الأولى وسط غموض تام عن مدى استعداد السوق بالمنطقة لهذا الاستثمار، ومدى قدرته على توفير بيئة مناسبة لنمو شركات مبتكرة، وما إذا كان لدى الموظفين الموهوبين الاستعداد لترك وظائفهم وتأسيس شركاتهم الخاصة بهم، وإمكانية منافسة شركات التقنية المحلية لنظيراتها العالمية، وعلى رأس كل هذه التحديات؛ كان تحدي التخارج المربح من هذه الاستثمارات. انطلقنا وسط هذه الأسئلة التي لا نعرف لها إجابات حتمية، وإنما كان المعلوم الوحيد الذي يدفعنا للمضي قدما هو أنه لا مفر من التحول الرقمي في المنطقة وعلى كافة الأصعدة والصناعات، وأن الشركات التقنية الناشئة هي المسؤولة عن تغيير مشهد الأعمال التقليدي للأفضل.

معايير اختيار الشركات المؤهلة للاستثمار

مدفوعين بعدد من المعايير الأساسية للاستثمار، تمكنا في رائد فنتشرز من ضم شركات واعدة إلى محفظتنا الاستثمارية، والتي استطاع بعضها تغيير قواعد العمل في قطاعاتها بالمنطقة. ووصل عدد الشركات في المحفظة الاستثمارية إلى أكثر من 40 شركة تقنية.

أهم المعايير التي نستخدمها هي كفاءة وتجانس فريق العمل وحجم السوق المستهدف وملاءمة نموذج الأعمال للتطبيق في المنطقة بالإضافة إلى اقتصاديات الوحدة والطريق الى الربحية، وتختلف أهمية المعايير باختلاف مجال الشركة ومرحلتها. ودائماً ما نعطي أولوية لرواد الأعمال الذين يمتلكون رؤية مستقبلية عن القطاع الذي يودون خدمته، وكيف ستقود شركاتهم التغيير الذي سيمكنهم من إحداث الأثر الإيجابي ومن ثم التوسع والسيطرة في السوق.

على سبيل المثال شركة "فودكس" (Foodics) السعودية التي استثمرنا بها عام 2016 كان لدى مؤسسيها أحمد الزيني ومصعب العثماني رؤية مختلفة مكنت الشركة من منافسة شركات أمريكية كبرى مثل (Revel) و(NCR) واستطاعت امتلاك 20% من السوق السعودية في فترة وجيزة، كما أنها بدأت في الاستحواذ على شركات منافسة في المنطقة، وتخطط قريباً للاستحواذ على شركات عالمية.

ففي عام 2015 كانت أنظمة نقاط البيع تقدم خدمة واحدة أساسية وهي تنفيذ عملية البيع، أما فودكس فقد جاءت بخدمة سحابية تخدم المحل التجاري، وخاصة المطاعم والمقاهي، في تنفيذ عمليات البيع بالإضافة إلى ربطه بكافة الأنظمة والخدمات الداخلية والخارجية بشكل ذكي وبكفاءة عالية، مثل أنظمة التوصيل والدفع، وخدمات مثل القروض قصيرة الأجل.

وأحد أهم الشركات تميزاً في الرؤية المستقبلية لقطاعها هي شركة نون التعليمية (Noon Education)، حيث كانت ولا زالت رؤية مؤسسيها محمد الضلعان وعبدالعزيز السعيد هي تغيير أسلوب الدراسة للطلاب في المرحلتين المتوسطة والثانوية ليكون جذاباً وممتعاً، والأهم من ذلك ذا كفاءة أعلى من أي أساليب تدريس أخرى، واستخدموا في ذلك طريقين متجانسين وهما: جذب أفضل المدرسين في المناطق المستهدفة، وتمكين الطلاب من تكوين مجموعات اجتماعية لتعزيز الفهم وتحفيز الاستمرار في الدراسة بدون ملل. 

نحجت نون التعليمية في جذب ملايين الطلاب في الدول المستهدفة (السعودية، مصر، باكستان، الهند، وقريباً الممكلة المتحدة وغيرها) وبنمو عالٍ سنة بعد سنة، وهي في طريقها للتوسع العالمي وإثبات أن ما ينقص الطلاب لتحسين مستوى أدائهم الدراسي؛ منصة لربطهم ببعضهم البعض وتمكينهم من اختيار أفضل المدرسين في بيئة آمنة ومسلية. 

تحول الاستثمار الجريء بالمنطقة

يسير الاستثمار الجريء بخطى ثابتة في السعودية والمنطقة العربية، ولا سيما مع وجود درجة من الوعي لدى مديري الاستثمار، ووضعهم معايير أساسية تمنح التمويل للشركات التي تقدم قيمة حقيقية، حيث إن طريقة الاستثمار باعتماد أساسيات الصناعة؛ يحول دون خلق فقاعات فارغة بمنح تقييمات مبالغ فيها لشركات غير قادرة على إضافة القيمة المطلوبة، وهذا لا يمنع فشل بعض الشركات في مهامها ولكنه يساعد في إبقاء الصناعة مجدية على المدى الطويل.

وكرد عن الأسئلة الكثيرة التي ترد حول دخول الاستثمار الجريء لقطاعات جديدة، والاتهامات بأن الاستثمار الجريء ليس جريئاً بما يكفي؛ أود أن أوضح أن الاستثمارات الجريئة تدخل القطاعات بشكل تدريجي، وبناءً على جاهزية القطاع للتحول، وقد يحصل أن تحولات تقنية بعينها تمنح قطاعاً جديداً جاهزية قبل أوانه، أو تمنح قطاعاً قديماً مساراً آخر للاستثمار. 

فصناعة حجوزات السفر كان تاريخياً تحت سيطرة شركات السفر والسياحة التقليدية، وفي فترة انتعاش الإنترنت واستخدام الهواتف الذكية ولا سيما الشبكات الاجتماعية؛ انتعشت حجوزات السفر عن طريق الإنترنت بشكل متسارع وأصبحت الاستثمارات الجريئة في هذا القطاع متنامية بشكل سريع، فخرجت لنا شركات مثل بوكينق واكسبيديا وغيرها، ولكن الآن؛ أصبح السوق متشعباً ووصل القطاع الجديد لمرحلة تصبح الربحية أولوية للمستثمرين، وبذلك أصبح هذا القطاع غير مجدٍ بما يكفي للمستثمر الجريء. 

وعلى سبيل المثال؛ لن يكون الاستثمار في مجال التقنية الحيوية في المنطقة مجدياً في الوقت الراهن، إذ لم يصبح القطاع جاهزاً بعد، سواء من ناحية الأبحاث الجاهزة للتحويل إلى منتج أو خدمة، أو الكوادر البشرية المؤهلة للعمل في القطاع، أو حتى توفر المنح غير الربحية والتمويل طويل الأجل والتي تحتاجه مثل هذه الابتكارات. 

فرصة ذهبية حالية للمستثمرين

لا يزال هناك المزيد من الشركات التي تنتظر تمويل مراحلها الأولية في بعض القطاعات الناشئة مثل تقنيات العقار (PropTech) ومجال برمجيات الشركات (Enterprise Software)، لكن في القطاعات الواعدة مثل التقنيات المالية (FinTech)؛ سيجد المستثمرون أن مراحل التأسيس الأولية قد تم إشباعها، وعليهم الانتقال للمراحل المتقدمة في النمو والتوسع، أو الانتقال إلى قطاع جديد بالكامل، إلا أن ذلك لا يحدث بشكل كافِ الآن.

في بداية انتشار الشركات الناشئة؛ كان مؤسسوها يقابلون تحدياً بسبب قلة المستثمرين في مجال التقنية حتى في المراحل المبكرة، ولكن مع نمو الاستثمار الجريء في منتصف العقد الماضي، وتدشين الصناديق الحكومية في السعودية والإمارات، وكذلك انطلاق العديد من مسرعات وحاضنات الأعمال، أصبح هناك استثمارات كافية بحيث لن تجد شركة ناشئة جيدة صعوبة للوصول إلى مستثمر في المراحل المبكرة للشركة.

الفجوة الآن انتقلت إلى المراحل المتقدمة للاستثمار، وهي المراحل ما بعد مرحلتي التمويل البذري (Seed) والجولة التمويلية الأولى (Series A). فقد أصبحت الجولات التمويلية الثانية (Series B) والثالثة (Series C) أكثر صعوبة؛ حيث تحتاج الشركات في هذه المراحل تمويلاً يتراوح بين 20 و50 مليون دولار وأحيانا أكثر من ذلك، وهي فرصة لمديري الصناديق للبدء باستهداف هذا الفراغ الواعد، حيث المخاطرة أقل؛ فالشركات في هذه المرحلة تكون في الغالب أكثر نضجاً وأقوى حضوراً في السوق، كما أن هذا الفراغ يعطي المستثمر في هذه المرحلة حرية الاختيار من بين أفضل الفرص في السوق، وبمنافسة محدودة مع عدد قليل من الصناديق في المنطقة.

هناك توجه جديد من شركات الاستثمار الجريء العالمية نحو الاستثمار في شركات المنطقة، ولا سيما في السعودية والإمارات ومصر، هذا التوجه طرأ في السنتين الماضيتين، فكان أول استثمارين لسوفت بانك في شركتي يونيفونك السعودية وكيتوبي الإمارتية، كما بدأت واحدة من أعرق الصناديق في العالم "سيكويا كابيتال" في الاستثمار في المنطقة بشكل مكثف فتم الاستثمار في شركة لين السعودية، فوديكس السعودية، تابي الإماراتية، وتيلدا المصرية. فودكس أيضاً استقطبت واحداً من أكبر المستثمرين التقنيين في العالم بروسس كابيتال ليقود جولتها الثالثة، وهناك العديد من الصناديق العالمية الأخرى أصبحت تنظر للمنطقة كفرصة.

جذب العقول الأذكى معضلة الدول الكبرى

ويبقى استقطاب العقول الموهوبة أهم خطوة في بناء منظومة استثمار صحية تتمكن من رفع الاقتصاد بالدولة. وتواجه العديد من الدول تحدياً في هذه الخطوة، وعلى سبيل المثال فالقطاع الحكومي الأمريكي لم يعد قادراً بما يكفي على جذب المزيد من الكوادر البشرية الموهوبة والعقول المفكرة، وباتت تفضل عليه اللجوء إلى وادي السيلكون على سبيل المثال. والسبب أن الحكومة الأمريكية في البداية أولت اهتماماً أكبر مما تفعله الآن باستقطاب الأفكار المبدعة واحتضانها وتمويلها، وحينما انخفض اهتمامها؛ بحث الأشخاص الأذكياء عن حاضنٍ آخر لأفكارهم.

يتطلب استقطاب أفضل الكفاءات إسناد مشكلات حقيقية إليهم ليبدعوا في حلها، ويجدوا فيها تحدياً حقيقياً، وتقديم الدعم المالي الكافي لتحويل أفكارهم إلى واقع، ولا أجد مثالاً أفضل من السعودية والإمارات بشكل خاص من حيث السعي الدؤوب لاستقطاب أفضل الكفاءات إقليمياً وعالمياً.

عقلية المستثمر الجريء

خلفية وخبرة المستثمر الجريء قد تكون مهمة لنجاحه في اختيار أفضل الشركات الواعدة وقدرته على إقناع المؤسسين بالاستثمار في شركاتهم، غير أنها ليست السبب الرئيسي للنجاح في هذا المجال، فقد تكون عقليته وسلوكه هما السببان الرئيسيان لنجاحه من عدمه.

ولابد أن يتحلى المستثمر الجريء بصفات مثل الفضول وحب الاستكشاف، والعقلية المنفتحة، والتواضع، وسرعة التعلم، إضافة إلى تقبله واقع احتمالية استثماره في شركات قد لا يحالفها النجاح. ففي الغالب يتبنى أي صندوق رأس مال جريء نموذجاً مالياً قائماً على أساس أن من بين كل عشر شركات يتم الاستثمار بها؛ قد تنجح شركة واحدة فقط في إعادة رأس المال مع الأرباح، فيما تكون عوائد الشركات التسع المتبقية تتراوح بين متوسطة إلى معدومة. 

الاستثمار الجريء لديه حدود أيضاً

قد يُفهم مصطلح الاستثمار الجريء أو الاستثمار المغامر على أنه استثمار غير محسوب، غير أن هذا النوع من الاستثمار لديه حدود أيضاً، فأرى أنه ليس من الحكمة أن يضع الصندوق أكثر من 15% من رأس ماله في شركة واحدة لعدد من الأسباب: الأول هو أن بناء محفظة استثمارية متنوعة خطوة مهمة لضمان الاستمرارية، فبدلاً من وضع رأس مال الصندوق التمويلي في شركة أو شركتين؛ الأفضل أن يوزعه بين 15 أو 20 شركة على سبيل المثال، السبب الآخر أن الاستثمار بمبالغ كبيرة في المرحلة الأولى للشركة يصعّب على الصندوق تمويل المراحل المتقدمة المعنية بالنمو والتوسع في حال نجاح الشركة في ذلك.

يقع هنا بعض المستثمرين في فخ شائع، وهو وضع استثمارات عالية القيمة في شركات غير مستوفية لكافة المعايير، ولا سيما حينما يبرع رائد الأعمال في تسويق شركته بشكل ممتاز ويجعل أفضل المستثمرين يتغاضون عن نقاط مهمة بدعوى إصلاحها فيما بعد.


image
image