المحتوى محمي
المحتوى محمي
استثمار

لماذا تنفق قطر المليارات على مونديال مدته أقل من شهر؟

تضع قطر السياحة في طليعة أجندة الأهداف، فجارتاها السعودية والإمارات قطعتا شوطاً كبيراً في هذا القطاع، لكن مع استضافة المونديال، قد تنازع قطر جيرانها خلال سنوات قليلة.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية)

أنفقت الحكومة القطرية قرابة 220 مليار دولار على البُنى التحتية منذ إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم "FIFA" قبل 11 عاماً عن فوزها بتنظيم كأس العالم 2022. الإنفاق غير المسبوق في تاريخ المونديال الذي يستمر لـ 28 يوماً فقط، أثار التساؤلات حول جدواه.

لتبيان مدى ضخامة حجم الإنفاق القطري على كأس العالم، فإن جنوب إفريقيا التي استضافت نسخة 2010، خصصت 3.6 مليارات دولار لتجهيز البُنى التحتية، لكن المونديال ساهم في تنمية قطاع السياحة هناك ليصل إلى 11 مليون سائح سنوياً، بمساهمة قدرها 10% من الناتج المحلي للبلاد، وهو ما ترنو إليه قطر بأعين ثاقبة، إذ أوضح مسؤول حكومي لوكالة "رويترز" أن قطر تستهدف مضاعفة زيارات السيّاح 3 مرات، ليصل إلى 6 ملايين سنوياً عام 2030.

البصمة الكربونية

إحدى أبرز النقاط التي تميزت بها نسخة كأس العالم في قطر 2022 عن سابق النسخ، هي الاستدامة البيئية والسعي لتحقيق "الحياد الكربوني" وهذا سيكون له دور جاذب وأثر مستدام على الدولة أولاً ثم على السياح والمستثمرين، وقد ساعد في ذلك صغر مساحتها، فعلى سبيل المثال: الملاعب الثمانية المستضيفة للبطولة والفنادق قريبة إلى بعضها، إذ تبلغ أطول مسافة بين ملعب وآخر 75 كم، الأمر الذي سيقلل الانبعاثات الملوثة الناتجة عن الرحلات الداخلية، سواء بالطيران أو السيارات، في حين أن النسخ السابقة من البطولة تكبّد فيها المشجعون عناء السفر آلاف الأميال للتنقل بين الملاعب المختلفة.

كما أن أغلب وسائل المواصلات في قطر تعتمد على الطاقة الكهربية أو ما يطلق عليه "خطوط النقل الخضراء" مثل مترو أنفاق الدوحة الذي يربط بين كل الملاعب الثمانية والذي من المنتظر أن ينقل السواد الأعظم من المشجعين في أثناء البطولة، فيما رسّخت الدولة ما أسمته بـ "تخضير قطر" وزرعت آلاف الأشجار في الحدائق العامة وفي محيط الملاعب لترك إرث بيئي مستدام بعد البطولة.

وبالنسبة للمخلفات الصناعية، فقد أعادت قطر تدويرها خلال عملية تشييد الملاعب، فعلى سبيل المثال تمت إعادة تدوير 90% من مخلفات ملعب الجنوب و84% من مخلفات ملعب أحمد بن علي.

وقامت قطر بخطوات فعلية للتخلي عن مصادر الطاقة التقليدية في كأس العالم لتخفيف انبعاثات الكربون، إذ دشّنت "الخرسعة" وهي أول محطة لتوليد الطاقة الشمسية في تاريخ البلاد، وستعمل للحد من الاعتماد على الغاز كمصدر للطاقة، وستخدم المحطة الواقعة على بعد 80 كم غربي الدوحة في توليد الطاقة للمنشآت في أثناء البطولة، في حين تبلغ قوتها 800 ميغا وات وستمد البلاد بنحو 10% من حاجتها للكهرباء.

السياحة أولاً

تضع قطر السياحة في طليعة أجندة الأهداف، فجارتاها السعودية والإمارات قطعتا شوطاً كبيراً في هذا القطاع، لكن مع استضافة المونديال، قد تنازع قطر جيرانها خلال سنوات قليلة، وهو ما وصفته الزميلة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن كارين يانغ بـ "سياسة شيّد وسوف يأتون" عن أقل دولة سكّاناً ومساحةً تستضيف المونديال عبر التاريخ.

ويكرر المدير التنفيذي للبطولة ناصر الخاطر، في أغلب لقاءاته الصحفية أهمية قطاع السياحة، وقال في إحدى الندوات: "بمجرد انتهاء كأس العالم، سيتبدّل توجه الدولة إلى السياحة". من المتوقع أن تجذب قطر 1.5 مليون مشجع للبطولة، أي أكثر من نصف عدد السكان المتواجدين في الإمارة البالغ عددهم نحو 2.85 مليون نسمة في مايو/أيار 2022، ما يعود عليها بالمليارات خلال المنافسة، إضافة إلى أن الإنفاق على المرافق والبنى التحتية وغيرها من أمور سيكون جزءاً من الترويج للسياحة المستدامة أمام هذا الكم الكبير من الزوار.

بحسب تقرير من "صندوق النقد الدولي" يتوقّع أن ينمو اقتصاد قطر بمعدّل 3.4% خلال عام 2022 الحالي، فيما أشار حسن الذوادي، الأمين العام للجنة التنفيذ والإرث القطرية في تصريحات العام الماضي، أن كأس العالم سيدر أرباحًا لن تقل عن 20 مليار دولار، وهذا الرقم يمثل 11% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة عام 2019.

وأشارت يومية "الشرق" القطرية شباط الماضي، إلى أن اقتصاد الدوحة بدأ يحقق أرباحه فعلاً حتى قبل انطلاق البطولة، "فبناء الفنادق الفارهة، والمطاعم والمنتجعات، وتطوير البنية التحتيَّة، ضاعف عائدات السياحة، وحوّل قطر لمركز عالمي لجذب الاستثمارات الأجنبية".

وقد كشفت بيانات "جهاز التخطيط والإحصاء"، عن ارتفاع غير مسبوق في عدد السياح في مارس/آذار الماضي بنسبة تجاوزت 759% عن الشهر المماثل من العام 2021، بينما زاد بنسبة 98.7% عن شهر فبراير/شباط من العام الجاري.

المعسكرات التدريبية

ويوضح صحفي "الراية القطرية" ومحلل قنوات "بي إن سبورتس"، عبد الناصر البار، لـ "فورتشن العربية" أن: "قطر تغيّرت 360 درجة في ظرف 10 سنوات على مستوى البنى التحتية والمنشآت والأكاديميات الرياضية، لدرجة أن الأندية والمنتخبات العالمية تفضل إقامة المعسكرات الإعدادية في قطر، فيما أكسب تنظيم المونديال الدولة الخليجية قوة ناعمة وأدرك الجميع إمكاناتها".

وبدأت قطر تجذب كبرى الأندية العالمية لإقامة المعسكرات التدريبية، أمثال "بايرن ميونيخ" الألماني (Bayern Munich) الذي وصف الواقع هناك بـ "الرائع"، وهذا يساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي بمدخولات جيدة سنوياً، سواء من معسكرات أندية المنطقة أو الأندية العالمية، فعلى سبيل المثال أنفقت 8 أندية سعودية 9 ملايين ريال (2.3 مليون دولار) خلال 3 أسابيع فقط في معسكرات تدريبية بتركيا عام 2017.

جذب الاستثمارات 

ما أشكال الاستدامة الاقتصادية من تنظيم كأس العالم؟ كان هذا السؤال الأكثر أهمية في أروقة الحكومة القطرية في السنوات العشر الأخيرة، فهي لا تريد إنفاق مليارات الدولارات عبثاً.

قطر اتخذت إجراءات موازية لتحضير البيئة السياحية والاستثمارية قبل المونديال، ففي عام 2021 أتاحت التملك بنسبة تصل إلى 100% في جميع الشركات المساهمة العامة بما فيها ذات الصبغة السيادية، في سابقة تعد الأولى خليجياً، وانعكس ذلك في زيادة التدفقات الأجنبية إلى بورصة قطر بصافي شراء 6.1 مليارات ريال (1.67 مليار دولار) في عام 2021، إلى جانب إعفاءات ضريبية وجمركية وتسهيل إجراءات الاستثمار عبر ما يعرف بالنافذة الواحدة حتى وصل الاستثمار الأجنبي لأكثر من 35 مليار دولار.

دراسة من شركة "غلوبال داتا" (GlobalData) أكدت وجود ارتباط طردي بين البلدان المستضيفة للأحداث الرياضية الكبرى واجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، أي كلما زادت الأحداث زادت الاستثمارات والعكس، من دون أن تحدد الدراسة ما إذا كانت الاستضافة سببًا أم نتيجة للاستثمار، وقالت إنه: "من الصعب تحديد ذلك" ومع ذلك يمكن وضع أسس لأرضية مشتركة بين الدولة المستضيفة والمستثمر الأجنبي، وأهمها الاستقرار السياسي والبنى التحتية القوية.

فيما يرى كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة الدكتور بيتر أرنولد، أنه: "من الصعب قياس التأثير الاستثماري المستدام الناتج من استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، لكن في حالة قطر فإن هناك اجتماعات ستتم للتباحث من أجل تنظيم مسابقة لها إرث رياضي واستثماري مستدام، لذلك سيكون التحدي هنا أكبر من أي نسخة سابقة لكأس العالم".

في جهة مضادة تماماً، يرى أستاذ الاقتصاد في "كلية سميث" في نورثهامبتون بولاية ماساتشوستس الأميركية، أندرو زيمبالست في كتابه "سيرك ماكسيموس: المغامرة الاقتصادية من استضافة الأولمبياد وكأس العالم" أن الاستثمارات الأجنبية تنجذب إلى عناصر بعينها عندما تريد الاستثمار في بلد ما، منها موارد هذا البلد أو قربها من الأسواق العالمية أو تكاليف العمالة المنخفضة، فالشركات لا تضخ ملايين الدولارات إلا باعتبارات مدروسة، ويضرب مثلًا بآخر 3 مستضيفين للبطولة، جنوب إفريقيا والبرازيل وروسيا، إذ لم تشهد أي منهم تنمية اقتصادية مستدامة، بل حدثت زيادة استثمارات في الفترة التي سبقت البطولة مباشرة، وفي الأجل الطويل انخفضت الاستثمارات إلى أقل نقطة ممكنة، ولا يستبعد دكتور أندرو أن يحدث هذا مع قطر.

لكن، وفقاً لبحث أجراه معهد " PwC" فإنه من المتوقع لقطاع الرياضة في منطقة الشرق الأوسط أن ينمو بمُعدل 8.7% في السنوات الـ 5 المقبلة مقارنة مع المُعدل السابق في نفس الفترة (3%)، إذ يرى أرنولد أن: "الشرق الأوسط يبني سمعته وعلامته التجارية عالمياً من خلال جسر الرياضة، ويؤمن بأنها وسيلة فعالة لجذب الاستثمارات".

ويقول عبد الناصر إن: "قطر منفتحة على قطاع الرياضة بالأخص، وسيعمل المسؤولون في السنوات المقبلة على تقديم ملف قوي لاستضافة الأولمبياد بصفته أضخم حدث رياضي في العالم، كما سيتم تنويع الرياضات نفسها بتنظيم بطولات الفورمولا 1 على سبيل المثال التي تميّزت بها البحرين في منطقة الخليج".

وستعمل قطر على تحويل منشآت كأس العالم عقب نهاية البطولة إلى مستشفيات ومدارس ومبانٍ إدارية، بالإضافة إلى منصات ومزارات سياحية تجسيداً لرؤية "قطر الوطنية 2030" التي تهدف لتنويع مصادر الدخل القومي والابتعاد عن الاعتماد على الغاز كمصدر رئيسي لها، إذ من المتوقع أن تجذب استثمارات خارجية بقيمة 200 مليار دولار حسب (gulfnews).


الوسوم :   بورصة قطر ،  كرة القدم
image
image