المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

هكذا يمكن صياغة استراتيجية سعودية للتجارة الخارجية

حققت المملكة نمواً ملحوظاً بالعديد من مؤشرات التجارة الخارجية، على الرغم من تبعات الخروج من آثار جائحة كوفيد-19 وما أحدثته من تأزيم تجاري على كافة المستويات.

بقلم


money

مقبل العيدان، وكيل التطوير ورئيس قطاع الابتكار وتنمية الأعمال في جامعة الملك فيصل وخبير الأعمال الدولية والاستراتيجيات (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

في محاولاتها الجادة لإعادة النظر في قدراتها وإمكانياتها  من منظور اقتصادي تجاري، وتصديرها للخارج، وتعظيم التأثير الاقتصادي لسلعها وخدماتها في سياقات إقليمية ودولية متعددة، حققت المملكة العربية السعودية حضوراً فاعلاً في المشهد التجاري الدولي خلال السنوات القليلة الماضية، وساهم في ذلك إعادة هندسة عمليات التجارة الخارجية، وقدرة وزارة التجارة على ممارسة أدوار حيوية في تعزيز الدبلوماسية التجارية واستخدامها لتعميق القائم من العلاقات مع الشركاء التجاريين وتطوير الجديد منها مع شركاء جدد، فضلاً عن مأسسة العمل التجاري الدولي وحوكمته تحت مرجعية أُنشأت خصيصاً لهذا الغرض، تتمثل في الهيئة العامة للتجارة الخارجية

ترسخ ذلك جلياً من خلال تحقيق المملكة نمواً ملحوظاً في العديد من مؤشرات التجارة الخارجية، على الرغم من تبعات الخروج من آثار جائحة كوفيد-19 وما أحدثته من تأزيم تجاري على كافة المستويات، ومنها التداول الدولي للسلع والخدمات. فعلى سبيل المثال، ارتفعت التجارة الخارجية للمملكة خلال ١١ شهراً فقط من عام 2021 بنسبة 25% عن مستوياتها خلال كامل العام 2020، لتبلغ 1.47 تريليون ريال مقابل 1.17 تريليون ريال في عام 2020، كما ارتفع الفائض التجاري للمملكة إلى 88 مليار ريال في يونيو/حزيران 2022، مقابل 37 مليار ريال في يونيو من العام 2021، بنسبة زيادة بلغت 137.8%

على الرغم من ذلك، تجابه منظومة التجارة الخارجية في المملكة اليوم العديد من التحديات، يتمثل أبرزها في عدم كفاية المجهود التجاري الموجه إلى سياقات جغرافية ذات قدرة استهلاكية عالية غير مستغلة مثل الأقاليم الإفريقية وأقاليم جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، والحاجة لمزيد من دعم التجارة البينية مع الدول العربية، والتركيز غير المتوازن على شقي التجارة لصالح تجارة السلع وسط تواضع حضور تجارة الخدمات السعودية خارجياً، والاعتمادية شبه المطلقة على التصدير وتقديمه كشكل حصري لدخول الأسواق الدولية، مع إغفال غير مبرر لاستراتيجيات الدخول الأخرى (Entry Modes)، ومحدودية أدوات دعم عمليات إعادة التصدير وإعادة الاستثمار والتوسع الرأسي والأفقي للمنتجات والخدمات والتكامل مع سلاسل الإمداد الدولية، فضلاً عن التباين الكبير لصالح الصادرات النفطية على حساب الصادرات غير النفطية في المساهمة بحجم الصادرات الكلي للمملكة، على الرغم مما تحقق من تقدم مؤخراً في هذا السياق قياساً على فترات زمنية سابقة. 

وفي رؤيتها المستقبلية لمجابهة هذه التحديات وسد ما يتصل بها من فجوات، يمكن لمنظومة التجارة الخارجية في المملكة التركيز على مبادرات دعم تطبيقية تنطلق من 3 مرتكزات رئيسية، أولها، تعزيز مستويات التغطية الجغرافية للتجارة الخارجية السعودية ومضاعفة وصولها للأسواق القائمة والوصول بها إلى أسواق ومستهلكين جدد، وثانيها تبني خيارات دعم مرنة تسمح بتنوع النشاط التجاري الموجه للخارج ما بين سلع وخدمات، وفي الوقت ذاته توفير استراتيجيات نفاذ متعددة للأسواق الدولية تتناسب مع طبيعة اللاعبين الحاليين والجدد من الشركات الوطنية، وثالثها، إعادة تصميم منظومة الدعم الدبلوماسي التجاري لرعايا المملكة التجاريين، بما يضمن كفاءة الخدمات المقدمة قبل الدخول للأسواق الدولية، وفي أثنائه، وبعدَه. الأمر الذي يجعل المملكة قادرة على "التحقيب" لعصر زمني مختلف لتجارتها الخارجية، يتحقق لها من خلاله الوصول إلى نتائج غير مسبوقة في سباق التزاحم العالمي للوصول إلى المستهلك الدولي.

وفي ضوء ذلك، يمكن للمملكة من خلال استراتيجية وطنية للتجارة الخارجية، التوسع في دعم مجموعة من المبادرات التطبيقية الموجهة لخدمة أغراض التجارة الخارجية، يمكن تلخيصها على النحو التالي: 

  • الوصول الجغرافي الشامل للأسواق الدولية لتعظيم وصول السلع والخدمات السعودية إلى أسواق تصديرية واستهلاكية في سياقات جغرافية غير مستغلة وذات تأثير اقتصادي مهم، بما يحقق نسبة تغطية أكبر للتجارة الخارجية على مستوى الدول والمستهلكين سنوياً، وبما يزيد من حصة المملكة في تبادلاتها التجارية مع كل شريك تجاري على حدة.
  • دعم الوصول المرن للأسواق الدولية من خلال تبني استراتيجيات دخول مختلفة للأسواق الدولية وتكييفها بما يتناسب مع قدرات الشركات الوطنية، بما يضمن تنوع مساهمات كل شكل من أشكال الدخول للأسواق الدولية (Entry modes) في تعزيز التجارة الخارجية للمملكة، وبما يضمن زيادة عدد الشركات الوطنية التي تتبنى استراتيجية دخول غير تصديرية non-exporting entry) mode) في نفاذها للسوق الدولية. 
  • تفعيل اتفاقيات التجارة الحرة لتقفّي أثر اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة بين المملكة وشركائها التجاريين، وبما يضمن تعظيم الاستفادة منها، عوضاً عن دعم زيادة عدد الشركات الوطنية المشمولة بخطة التوعية تجاه الاتفاقيات التجارية الدولية، وبما يزيد من نسبة الاتفاقيات محل التفعيل إلى إجمالي الاتفاقيات، وبما يحقق وفراً اقتصادياً مترتباً على الاستفادة من الإعفاء من القيود والحواجز الجمركية وغير الجمركية المتصلة باتفاقيات المملكة التجارية.
  • سد الفجوة بين تجارة السلع وتجارة الخدمات في السياق الدولي، لتقليص التباين بين الأنشطة التجارية الخارجية للمملكة في مجال الخدمات مقارنة بمجال السلع، وبما يقلص من حجم الفجوة بين تجارة السلع وتجارة الخدمات الموجهة للخارج، ويزيد من عدد المنخرطين في تصدير الخدمات السعودية التجارية للخارج.
  • تسجيل المؤشرات الجغرافية للمنتج السعودي لزيادة القيمة الاقتصادية لهذا المنتج وسهولة ترويجه عالمياً كمنتج أصيل ذي منشأ محدد ينتمي للمملكة من خلال تسجيله كمؤشر جغرافي (Geographical Indicator)، وبما يزيد من عدد المنتجات السعودية المسجلة كمؤشرات جغرافية، وبما يعظم من نسبة الزيادة السنوية في التداول الدولي للمنتجات السعودية المسجلة كمؤشرات جغرافية، فضلاً عن تعظيم قيمة التداول الدولي للمنتجات السعودية المسجلة كمؤشرات جغرافية.
  • إطلاق برنامج الرعاية الدبلوماسية التجارية لتقديم حلول وخدمات دعم ومساندة مشتركة ومستمرة للشركات الوطنية قبل دخولها الأسواق الدولية وخلاله وبعده، بما يحفز من حضور شركات وطنية جديدة على المشهد الدولي كل عام، وبما يضمن شمول وصول الدعم للفئات الأكثر حاجة للرعاية الدبلوماسية، لاسيما الشركات الناشئة، والشركات الصغيرة والمتوسطة. 
  • التمركز في التكتلات والتجمعات الاقتصادية والتجارية (Trading Blocs) للمساهمة في تموقع المملكة في قلب أهم التجمعات والتكتلات الاقتصادية في العالم التي لا ترتبط معها جغرافياً تحت صفة عضو مراقب، الأمر الذي من شأنه زيادة عدد العضويات الممنوحة للمملكة تحت صفة مراقب في التكتلات الاقتصادية التي لا ترتبط معها جغرافياً، وتعظيم حجم الأثر الاقتصادي لانضمام المملكة لتكتلات اقتصادية عالمية ليست في سياقها الجغرافي.
  • تفعيل التجارة البينية بين المدن بهدف علمنة المدن السعودية تجارياً ودخولها في شراكات تجارية مباشرة مع نظيراتها في العالم، ومن خلال ذلك يتاح للمملكة تعظيم اقتصاديات مدنها (لاسيما أن ما يزيد عن 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يتم توليده من خلال المدن)، كما يسعها أيضاً خلق حالة من التنافس والندية بين مدنها –الرئيسية منها على الأقل– في دعم التجارة الخارجية الخاصة بها، مع تحديد نسبة مساهمة كل مدينة في إجمالي التجارة الخارجية. 
  • إعادة تعريف مجالس وملتقيات الأعمال السعودية الأجنبية لتحقيق استفادة قصوى منها وتقديمها كمنصات حشد وكسب تأييد ودعم لتجارة المملكة الخارجية، ما ينتج عنه زيادة سنوية مطّردة في عدد الأنشطة التجارية السعودية الموجهة للخارج بتأثير مباشر من مجالس وملتقيات الأعمال السعودية الأجنبية، وبما يضخّم من عدد الصفقات التجارية المبرمة لصالح المملكة بتأثير مباشر من هذه المجالس والملتقيات، فضلاً عن تحقيق مستويات نمو واضحة في أعداد المستفيدين السعوديين تجارياً من مجالس وملتقيات الأعمال السعودية الأجنبية.
  • المراجعة الشاملة للسياسات التجارية الخارجية بهدف الوصول إلى التعديلات الضرورية الواجب تضمينها في تلك السياسات وعلى نحوٍ دوري، بما يضمن انعكاسها الإيجابي على عمليات التجارة الخارجية، وفي الوقت ذاته يضمن اتساقها مع النظام التجاري العالمي والنظام التجاري متعدد الأطراف (Multilateral Trading System) وسياساته، وهنا تحديداً، ستخلق المملكة لذاتها التزاماً بمراجعة وإصلاح جميع سياساتها المرتبطة بشكل مباشر في منظومة التجارة الخارجية.

الوسوم :   السعودية ،  كوفيد-19
image
image