المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

المجتمعات المستدامة مفتاح نجاح الدولة في تحقيق استراتيجية الحياد المناخي

إنّ الرؤية الطموحة لدولة الإمارات في تحقيق صافي انبعاثات صفرية تضع خارطة طريق واضحة لمستقبل مليء بالفرص الواعدة والابتكارات الرائدة، بل تفسح أيضاً المجال أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

بقلم


money

يوسف أحمد المطوع، الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

مع انطلاق دولة الإمارات في رحلتها الجديدة نحو مسيرة التطور والنمو، وبناء اقتصاد مستدام يعد الأكثر حيوية في العالم خلال الخمسين عاماً المقبلة، تشكل المبادرة الاستراتيجية للحياد المناخي 2050 محركاً وطنياً، وأحد أبرز المُمَكِنات الفعّالة في دعم تحقيق أهداف الدولة ورؤيتها المستقبلية، إذ تعتبر الإمارات أول دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعلن عن هدفها في تحقيق الحياد المناخي.

إنّ الرؤية الطموحة لدولة الإمارات في تحقيق صافي انبعاثات صفرية تضع خارطة طريق واضحة لمستقبل مليء بالفرص الواعدة والابتكارات الرائدة، بل تفسح أيضاً المجال أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة بشكل أفضل في كافة أنحاء الدولة وحماية الاقتصاد الوطني، وهو ما سيسهم في رفع مكانة الدولة وسمعتها العالمية كإحدى أفضل الوجهات استعداداً للمستقبل.

وقد سبق أن أعلنت الإمارات عن استثمار أكثر من 160 مليار دولار في قطاع الطاقة النظيفة والمتجددة لتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، وهذا هدف طموح بالتأكيد، إلا أنّ تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) تشير إلى أنّ الناتج الاقتصادي العالمي سينخفض بمعدل سنوي يبلغ 23 مليار دولار كنتيجة مباشرة لزيادة الانبعاثات الكربونية. وهذا يؤكد ضرورة معالجة قضية التغير المناخي التي كانت ولم تزل مسؤولية جماعية يشترك فيها القطاعان العام والخاص.

وتقود وزارة التغير المناخي والبيئة جهود دولة الإمارات في هذا المجال، ساعية بجهدها إلى دفع آفاق التعاون مع القطاعات والأطراف الفاعلة والجهات الحكومية المعنية لاتخاذ تدابير فعّالة تُسهم في الحد من الانبعاثات الكربونية وتعزز من ثقافة الاستدامة، لاسيما عند تنفيذ المشاريع وبناء المجمعات السكنية.

وتشمل استثمارات الدولة أيضاً مشاريع الطاقة التي تهدف إلى زيادة مساهمة الطاقة النظيفة في إجمالي مزيج الطاقة المنتَجة في الإمارات من 25% إلى 50% بحلول عام 2050، وتقليل الانبعاثات الكربونية الناجمة عن توليد الطاقة بنسبة 70%، إضافة إلى مشاريع تحلية المياه التي تعمل بتقنية التناضح العكسي، إذ سبق أن أعلنت الإمارات استثمارات تتجاوز قيمتها حاجز الملياري دولار لإنشاء محطات التحلية في كافة أنحاء الدولة.

علاوة على ذلك، تهدف مشاريع احتجاز الكربون وتخزينه إلى التخفيف من ظاهرة التغير المناخي، وذلك عبر التقاط ثاني أكسيد الكربون من مصادر إنتاجه، مثل محطات الطاقة، وتخزينه تحت الأرض. كما تعمل الدولة أيضاً على تخصيص استثمارات كبيرة في مجال النقل المستدام والتنقل الصديق للبيئة، وتبنّي وسائل نقل حديثة مثل السيارات التي تعمل بالكهرباء والهيدروجين.

لكن بالرغم مما سبق، يبقى قطاعا البنية التحتية والعقارات هما الأكثر تأثيراً في مساعي الإمارات لتحقيق صافي انبعاثات صفرية. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة نورتون روز فولبرايت، يشكل الدعم التنظيمي والتشريعي لـ "استراتيجية الحياد المناخي 2050" أحد أبرز أسرار نجاح الاستراتيجية، إذ اتخذت الدولة بالفعل عدة خطوات إيجابية لتحسين المشهد التنظيمي في قطاع البنية التحتية.

فعلى سبيل المثال، اعتمدت إمارة دبي عدة لوائح تنظيمية تشمل تطبيق معايير المباني الخضراء والبناء المستدام لضمان التزام المطورين العقاريين بممارسات التنمية المستدامة، في حين أطلقت أبوظبي عام 2010 نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ للمجتمعات العمرانية. ويهدف هذا النظام إلى دعم عملية بناء المجتمعات العمرانية المستدامة، وتحسين نمط الحياة، وتقليل استهلاك المياه والطاقة وإنتاج النفايات.

ومن هنا يبرز دور المشاريع المستدامة في الدولة، مثل مدينة الشارقة المستدامة والمدينة المستدامة في دبي ومدينة مصدر في أبوظبي ومُجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، في دعم مساعي الإمارات للحد من البصمة الكربونية.

وتمثل مدينة الشارقة المستدامة، المجتمع الصديق للبيئة الذي تطوّره هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق" بالشراكة مع شركة دايموند ديفيلوبرز، قفزة بيئية وطفرة نوعية تدعم توجهات الدولة في تحقيق الحياد الكربوني، إذ توفر المدينة مئات الفلل المتطورة والمجهزة بألواح الطاقة الشمسية المثبتة على الأسطح، بالإضافة إلى مصنع للغاز الحيوي من أجل معالجة النفايات العضوية وتحويلها إلى طاقة، وعربات كهربائية للتنقل الداخلي، وبيوت خضراء لزراعة الخضروات اعتماداً على تكنولوجيا الزراعة العمودية. وباعتبارها أول مجتمع سكني مستدام بالكامل في إمارة الشارقة، تهدف المدينة المستدامة إلى إنشاء مجتمع متكامل خالٍ من الانبعاثات الكربونية وقادرٍ على المساهمة بفعالية عالية في الحد من البصمة الكربونية في الشارقة، فضلاً عن تحقيق توفير هائل في فواتير الخدمات للسكان.

وقد وضعت مدينة الشارقة المستدامة معياراً جديداً لما يجب أن تكون عليه المجتمعات المستدامة، وذلك من خلال جمعها بين أفضل تقنيات الهندسة المعمارية واستخدام مواد البناء المستدامة والتقنيات الزراعية منخفضة الكربون، بالإضافة إلى أساليب التنقل المستدام ومصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، حيث تستعد حالياً للنهوض بهذا القطاع إلى آفاق أرحب بهدف دعم رحلة الحياد الكربوني في الدولة، إلا أنّ هذه الرحلة في حقيقة الأمر لا تخلو من بعض التحديات والعقبات، كونها الأولى من نوعها في الإمارة.

ومما لا شك فيه أنّ تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية فكرةٌ قابلة للتطبيق، لاسيما من الناحية الاقتصادية بفضل قدرته على توفير الكثير من الحوافز والسياسات واعتماده أطرَ قياسٍ معيارية. على سبيل المثال، لا يمكن للمطورين تحقيق صافي الانبعاثات الصفري بمفردهم. وحسب أحدث تقارير المجلس العالمي للأبنية الخضراء، لا يوجد حالياً سوى 500 مبنى تجاري و2000 منزل خالٍية من الكربون في جميع أنحاء العالم – أي ما يمثل أقل من 1% من جميع المباني في أنحاء العالم.

لهذا السبب، يتعين على المقاولين والحكومات والجهات الفاعلة تطوير ودمج حلول ذكية تجعل من القطاع العقاري أكثر خُضرةً: فمثلاً ينبغي على المورّدين والبائعين إعطاء الأولوية للمواد المستدامة والخضراء. كما يمكن للحكومات دعم الاقتصاد الأخضر بالبنية التحتية اللازمة، وتشجيع البناء الأخضر، والتنقل الصديق للبيئة، والتحول نحو الطاقة المتجددة مثل الهيدروجين الأخضر - كما هو الحال في دولة الإمارات.

وبما أننا ما زلنا في بداية الطريق نحو التحول الأخضر في قطاع العقارات والإسكان الحضري، نحتاج إلى تعزيز التعاون الجماعي بين رواد الصناعة والحكومة وسلسلة التوريد بأكملها، وكما يتضح من النتائج الإيجابية التي تحققها المشاريع المستدامة، مثل مدينة الشارقة المستدامة، فإنها تستحق بذل الجهد والتكاتف لبناء بيئة مستدامة لأجيالنا القادمة.


image
image