المحتوى محمي
المحتوى محمي
آراء وخبرات

ما وراء الاستراتيجية: قراءة في احتمالات مستقبل الأحساء

عندما نبحث في احتمالات مستقبل الأحساء، مع إدراك تام لمزاياها النسبية وقدراتها التنافسية، سنلاحظ ربما أنها تستقر في ستة سياقات رئيسية.

بقلم


money

مقبل العيدان، وكيل التطوير ورئيس قطاع الابتكار وتنمية الأعمال في جامعة الملك فيصل وخبير الأعمال الدولية والاستراتيجيات (مصدر الصورة: فورتشن العربية)

في ضوء الأمر الملكي القاضي بإنشاء هيئة لتطوير الأحساء، تستعد المحافظة التاريخية التي تقع شرق المملكة العربية السعودية وتمتد حدودها حتى تخوم الربع الخالي، فضلاً عن كونها موطناً لإحدى أكبر الواحات الطبيعية في العالم، ومدينةً مدرجةً في قائمة "اليونسكو" للتراث العالمي، للعبور إلى المستقبل وتبني نموذج تشاركي (multi-agency) لحشد موارد التغيير وكسب تأييد المجموعات التمثيلية للحكومة والقطاع الخاص والصناعة والمجتمع.

في الأحساء، حيث الإرث الحضاري والثقافي العميق، والفرص الاقتصادية غير النمطية، والمحتوى المحلي في مختلف الصناعات، والتموضع الاستراتيجي المنكشف على زوار الداخل والخارج، والتناغم الحضري والريفي الفريد، وهِبة الطبيعة في التنوع الطبوغرافي، والتعددية في حواضن التعليم ما بين تعليم عالٍ وتعليم صناعي وتعليم مهني وتقني، يظل إنسان الأحساء "الترس" الرئيسي الذي تعول عليه المدينة في تسريع مستقبلها وتعظيم مركزها الاقتصادي في مزاحمة نظيراتها من مدن المنطقة والعالم.

وعلى الرغم من أن الالتزام الأساسي لهيئات المدن والمناطق يتمثل عادةً في الاستراتيجيات التي تطورها لاستشراف مستقبل المدينة ومساعدتها على تسخير إمكانات التحضر وتحقيق أقصى استفادة من الفرص المتاحة -حسب وصف (Cities Alliance)-، إلا أن الاحتمالات التي تُبنى عليها هذه الاستراتيجيات وتتشكل من خلالها القدرة على تخيل كافة خيارات ومسالك التنمية هي أكثر تأثيراً في تحديد إلى أي درجة نستطيع أن نعيد تصور مدننا ونأخذها إلى المستقبل، لأن الاحتمالات بطبيعتها غير ممنهجة(non-systematic) -بخلاف الاستراتيجية- ما يجعلها غير إقصائية في تركيزها ونطاق تغطيتها للأفكار والاتجاهات والخيارات.

وعندما نبحث في احتمالات مستقبل الأحساء، مع إدراك تام لمزاياها النسبية وقدراتها التنافسية، سنلاحظ ربما أنها تستقر في ستة سياقات رئيسية، هي: الاقتصاد الموجه نحو الأحياء الابتكارية (Innovation Districts)، والصناعات القائمة على الثقافة والفنون، وتحصين التوظيف وحمايته، وتنوع وارتفاع الحالة السكنية، وتخضير المناطق الحضرية وترسيخ الصداقة مع المناخ، وسهولة الوصول والدعم اللوجستي.

فعلى مستوى الاقتصاد الموجه نحو الأحياء الابتكارية، لا يسع الأحساء –كغيرها من المدن والمناطق الأقل نشاطاً اقتصادياً مقارنة بنظيراتها على المستوى الوطني مثل الرياض وجدة والدمام- أن تنمي اقتصادها إلا من خلال الأحياء الابتكارية لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً: كونها تخلق حالة سريعة من تكتل النشاط الاقتصادي (Agglomeration of Economic Activity) مما يختصر الكثير من وقت وتكلفة اتساع حجم النشاط الاقتصادي في المنطقة، ثانياً: كونها لا تستطيع أن تتكتل اقتصادياً في كافة مكونات الطيف الصناعي الوطني، وبالتالي يتيح لها نموذج الأحياء الابتكارية التركيز على خيارات استراتيجية محددة تتضح جلياً في مجالات التقنيات الزراعية والبيئية والحيوانية وخدمات السياحة الاستشفائية نظير ما تتمتع به الأحساء من مقومات مثلى في هذه القطاعات المتخصصة، كما هو الحال في تجمع أغريسينتر إنترناشيونال (Agricenter International) الزراعي الذي يقع في مدينة ممفيس بولاية تينيسي الأميركية ويخلق تأثيراً اقتصادياً سنوياً بقيمة 524 مليون دولار أميركي، وثالثاً: كونها لا تستطيع أن تجذب وتستبقي المواهب وتمنع هجرتها تجاه مدن أكثر قدرة على خلق وتوفير وظائف "جيدة" إلا من خلال نموذج يعتمد تشغيلياً على فكرة جذب واستبقاء المواهب كما في حالة الأحياء الابتكارية. وحتى تضمن الأحساء نجاح وديمومة هذا النموذج، يجب أن تراعي جيداً مؤشراته المتعارف عليها عالمياً وتوجه النشاط الاقتصادي فيها تجاه تحقيقها، ومن أمثلة ذلك، محاولة توجيه نشاط كل شركة من أصل 3 شركات تنشط فيها لخدمة أغراض أحيائها الابتكارية، وزيادة عدد أنشطة البحث والتطوير غير الأكاديمية، وتعزيز المجهود التسويقي الموجه تجاه الشركات الوطنية غير المحلية والأجنبية وترسيخ ثقافة الاحتفاء (Welcome Culture) بالوافدين من مؤسسات أعمال وأفراد. 

وفيما يتعلق بالصناعات القائمة على الثقافة والفنون، لا يغيب عن الجميع أسبقية الأحساء في هذا التنافس، فضلاً عن مزاحمتها لمدن عالمية كثيرة في هذا السياق من خلال عضويتها في شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة نظير ما تزخر به من توارث نوعي للحرف اليدوية والفنون الشعبية عبر الأجيال. وهنا يتحدد نجاح الأحساء من عدمه في تأسيس وإنضاج منظومة للصناعات القائمة على الثقافة والفنون من خلال حجم النمو السنوي الذي تحدثه على صعيد عدد الوظائف التي تخلقها في هذه الصناعات، وعدد الشركات التي تنشط في هذا السوق المتخصص، ومساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للمدينة، وعدد المؤشرات الجغرافية المسجلة التي تزيد من فرص تسويق السلع التي يعود منشؤها إلى الأحساء ويمكن تداولها عالمياً في ضوء ذلك مثل المشالح الأحسائية، وعدد العاملين الذين ينشطون في القطاع، في برلين الألمانية مثلاً ينشط شخص واحد من كل 11 شخصاً من سكان المدينة في العمل بالصناعات الإبداعية. كما تتحدد قدرة الأحساء على النجاح في هذا التركيز الاستراتيجي في تأثير سمعتها كمدينة مبدعة في جلب السياح، ويمكن أن يقاس ذلك عبر رصد التنامي الذي يحدث في عدد السياح القادمين للأحساء من الداخل والخارج لأغراض الثقافة والفنون وحجم إنفاقهم السنوي على المنتجات والخدمات الثقافية والفنية في الأحساء. 

أما على صعيد تحصين التوظيف وحمايته، والمقصود هنا قدرة الأحساء على توفير مناخ اقتصادي يسمح بتشكيل خيارات وظيفية متعددة تتسق مع المجموعات العمرية الممثلة للمجتمع والجهد الوظيفي المتاح أمام كل مجموعة، فالمدن التي يقوم اقتصادها على نوع فئوي معين من الوظائف تجابه عادة خطر محدودية التوسع في شكل وأنماط تقديم الخدمات وتكييفها مع الظروف الزمانية والمكانية. لذلك، أمام الأحساء هنا تحدٍ في إشراك فئات جديدة من المجتمع مثل المتقاعدين والطلبة في تجمع المشمولين بالعمل من خلال أنماط العمل المرنة والجزئية والعمل عن بعد. الأمر الذي سينعكس مباشرةً على زيادة أعداد العاملين في القطاع الخاص، بما يرجح كفة عدد المشتغلين في القطاع الخاص على حساب القطاع الحكومي في المدينة، والذي يُعد عاملاً حتمياً لازدهار اقتصاديات المدن. كما من الأهمية أن نشير هنا إلى تحدٍ آخر في هذا الشأن، يتعلق بقدرة الأحساء على استبقاء خريجي جامعاتها وكلياتها ومعاهدها، والتي نفترض فيها أن تتقوى سنوياً وفق تداعيات متصلة بتنامي اقتصادها. 

ومن جانب تنوع وارتفاع الحالة السكنية، لا يرتبط المحدد الأساسي هنا بتنوع الخيارات السكنية بحد ذاته فقط، بل بقدرة الأحساء في خلق حالة اقتصادية تسمح بتنوع الخيارات السكنية ودخول فئات ومنتجات سكنية جديدة إليها، ومن ذلك السكن الملحق بالتجمعات الصناعية والمستشفيات والمجمعات السكنية المغلقة، فضلاً عن قدرتها على زيادة عدد سكانها (يعيش فيها قرابة 1.5 مليون نسمة) بمعدلات تفوق المعدلات الحالية، على أن يتزامن هذا النمو السكاني مع تكلفة منخفضة للتطوير العقاري. وفي سياق متصل، ذات الحالة الاقتصادية التي تسمح بتنوع الخيارات السكنية، يجب أن تحفز المدينة نحو مزيد من فرص التدويل والانفتاح على أفراد يفدون إليها من جنسيات أخرى –بخلاف الجنسيات التي ينتمي إليها سكانها الحاليين-، حيث إن كل زيادة في أعداد الجنسيات التي ينتمي إليها ساكني الأحساء يعطي المدينة شرعية أكبر في تعزيز سمعتها الدولية وانفتاحها على مواهب وعمالة ماهرة ومن خلف ذلك شركات ومؤسسات من دول أكثر. هذا الأمر يتطلب جهداً بينياً من الأحساء ونظيراتها من المدن المستهدفة في جلب الاستثمارات الواردة (Inward Investments) عن طريق اتفاقيات ثنائية متعارف عليها دولياً في هذا السياق.

وبالنظر إلى تخضير المناطق الحضرية وترسيخ الصداقة مع المناخ، تعكف المدن اليوم على تهيئة مستوى جودة حياة أفضل لخلق حالة طلب مستقرة ومتنامية فيها على كافة أنواع الخدمات، الأمر الذي يتطلب التفاتة جادة لقضايا التأهيل البيئي. وهنا يجب مراعاة معايير هامة لزيادة تأهيل الأحساء بيئياً، منها المسافة التي يقضيها الساكنون مشياً على الأقدام للوصول إلى أقرب مساحة خضراء خارج منازلهم، وعدد الأشجار التي يحتويها كل كيلومتر من طرق المدينة، ونسبة المساكن المشمولة بخدمات إدارة النفايات، ونسبة استهلاك الطاقة من مصادر متجددة، ومعدلات تخفيض انبعاثات الكربون، وعدد الليالي غير الاستوائية سنوياً (الأيام التي تقل فيها درجة الحرارة في المساء عن 20 درجة مئوية)، وعدد الحدائق والمنتزهات العامة، ونسبة المساحات الرملية من إجمالي مساحة المدينة، ونسبة الأراضي المحمية فيها، وجودة مياه شواطئها وفق المعايير التي تحتكم إليها المنظمات الدولية كمنظمة العلم الأزرق (Blue Flag).

وأخيراً، تبقى مسألة سهولة الوصول للأحساء وخدمات النقل والحركة فيها عاملاً حاسماً في تقدير جهوزيتها اللوجستية. حيث تقاس أفضلية المدن في خدمات النقل والحركة قياساً على توفر خمس خيارات للتنقل؛ المشي بالأقدام من خلال تكثيف مساحات عبور المشاة والمساحات المفتوحة الصالحة للمشي لا سيما في وسط المدينة، الدراجات الهوائية من خلال استحداث مسارات رياضية لهذا الغرض، المواصلات العامة وعدد محطات التوقف التي تشملها الخدمة ونسبة المشمولين بالخدمة قياساً إلى إجمالي عدد السكان، النقل التشاركي من خلال وجود أكبر عدد من شركات تزويد خدمة النقل التشاركي وبعدد كافٍ من الكباتن، والسيارات المملوكة للأفراد. كما تبرز أهمية تعزيز قدرات الأحساء اللوجستية قياساً على التقدم الذي تحرزه في مؤشرات ربط الطرق وجودتها، فضلاً عن "تكويد" طرقها لتحقيق مزيد من معايير السلامة والكفاءة الاقتصادية والاستدامة، لاسيما أنها تنكشف وتنكشف من خلالها المملكة العربية السعودية دولياً على دول الإمارات وقطر وعمان.


الوسوم :   السعودية ،  إدارة
image
image