المحتوى محمي
المحتوى محمي
حكومي

إعادة إعمار أوكرانيا قد تكلف أكثر من إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية

إن تحدّي إعادة الإعمار سيكون ضخماً، ويمكن أن يكلّف ما يصل إلى 1.1 تريليون دولار، وهذا أكثر مما أُنفِق بإطار مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية، تصميم: أسامة حرح)

على الرغم من استمرار استهداف روسيا شبكة الطاقة الأوكرانية هذا الأسبوع وحرمانها أجزاء من الكهرباء والتدفئة، يفكّر رئيس كلية كييف للاقتصاد (Kyiv School of Economics)، تيموفي ميلوفانوف، في مشكلة أقل إلحاحاً وهي كيفية إعادة إعمار البلاد بعد الحرب المدمّرة المستعرة منذ 10 أشهر.

فقد قال ميلوفانوف في حديثه من فورتشن (Fortune) مؤخراً من مكتبه في كييف الذي احتوى حينها مصابيح مضاءة ومآخذ كهرباء لشحن أجهزته: "هناك إعادة بناء فورية جارية الآن للبنية التحتية الحيوية والمساكن". ويضيف ميلوفانوف، الذي كان في إجازة من عمله في جامعة بيتسبرغ (University of Pittsburgh) حيث يعمل أستاذاً مشاركاً في الاقتصاد: "بعد نهاية الحرب، ستكون هناك ستة أشهر من إعادة الإعمار فقط لإعادة تفعيل عجلة الاقتصاد".

وإن تحدّي إعادة الإعمار سيكون ضخماً، ويمكن أن يكلّف ما يصل إلى 1.1 تريليون دولار، وهذا أكثر مما أُنفِق في إطار مشروع مارشال (Marshall Plan) لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وهذه التكلفة بتقدير ميلوفانوف واقتصاديين آخرين في أوكرانيا والولايات المتحدة وأوروبا أمضوا شهوراً في تصميم خطة لإعادة إعمار البنية التحتية المهدّمة في أوكرانيا وإنعاش اقتصادها. ويشيرون في تقريرهم المكوّن من 460 صفحة، والذي صدر يوم الأربعاء ونشره مركز أبحاث السياسات الاقتصادية (Center for Economic Policy Research) في لندن، إلى أن إعادة بناء أوكرانيا سوف تحتاج "مبلغاً هائلاً".

"استثمار محفوف بالمخاطر"

إلى جانب المبلغ الهائل اللازم لإعادة الإعمار، ينبغي على أوكرانيا إجراء إصلاح جذري لنظامها القضائي، وتأسيس وكالة أو هيئة خارجية سيديرها الاتحاد الأوروبي غالباً للإشراف على العقود العملاقة حالما تصبح إعادة الإعمار ممكنة، وذلك إذا أرادت جذب الشركات للاستثمار، نظراً لأنها منطقة حرب محفوفة بالمخاطر ولها تاريخ من الفساد واسع النطاق. وهذه الإجراءات ضرورية لضمان عدم وقوع تلك الأموال الضخمة في أيدي الأوليغارشية أو الشركات الفاسدة.

ويشير التقرير إلى أن "إعادة الإعمار لا تعني إعادة أوكرانيا إلى حالة ما قبل الحرب، بل إجراء تجديد شامل ومعمّق للبلاد".

وإن المخاطر مرتفعة من وجهة نظر الشركات التي قد تستثمر في أوكرانيا، وتشمل احتمال أن تعاود روسيا مهاجمة أوكرانيا حتى لو كان هناك اتفاق سلام. لكن إعادة إعمار أوكرانيا قد تعني ازدهاراً بعد الحرب للشركات الراغبة بالاستثمار، بما فيها الاستثمارات بمئات المليارات التي من المحتمل أن تأتي من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويقول ميلوفانوف: "سيكون هناك الكثير من عقود الشراء والاستثمار، وإن الشركات التي ستدخل مبكراً سوف تستحوذ على حصص سوقية أكبر وامتيازات أعلى".

حشد الرؤساء التنفيذيين

يبدو أن الشركات والحكومات تبحث بالفعل عن إمكانية إبرام صفقات كبرى، فمن المقرر أن يسافر رئيس الوزراء الأوكراني، دينيس شميهال، إلى باريس يوم الثلاثاء المقبل مع وفد من كبار رجال الأعمال الأوكرانيين للقاء شركات فرنسية في اجتماع سيستمر طوال اليوم حول إعادة إعمار أوكرانيا دعا إليه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وصرّحت وزارة الاقتصاد الفرنسية في بيان الأسبوع الماضي أن الاجتماع يهدف إلى "حشد قادة الاقتصاد الفرنسيين" لإعادة إعمار أوكرانيا. فعلى الرغم من الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، يعتقد بعض الاقتصاديين أن هناك فرص تجارية مواتية. 

وعلّقت المحللة الاقتصادية في مركز أبحاث فوكس يوكرين (VoxUkraine)، إيلونا سولوجوب، والتي شاركت في تقرير إعادة الإعمار قائلةً: "إنها بالتأكيد فرصة استثمارية فريدة".

وأشارت إلى أن "بعض القطاعات سوف تتعافى بسرعة كبيرة مثل الزراعة". وقالت إنه بعد دخول أوكرانيا في حالة طوارئ شديدة نتيجة الحرب منذ فبراير/شباط الماضي، حرصت الدولة التي تصنّف ضمن كبار منتجي الأسلحة، والتي كانت في المرتبة الرابعة عشرة من بين أكبر موردي الأسلحة حتى غزو روسيا، وشركات التكنولوجيا الأوكرانية على طرح ابتكارات للتعامل مع الصراع وآثاره. وتضمّنت هذه الابتكارات إنتاج طائرات دون طيار محلية ومنتجات طبية جديدة لعلاج الجروح والحروق في ميادين المعارك على نطاق واسع وتصديرها بمجرد انتهاء الحرب، وقالت سولوجوب لفورتشن يوم الثلاثاء: "هناك فرصة لتحقيق إنجازات فعلية".

كارثة ديموغرافية

لن تحتاج أوكرانيا إلى إعادة الإعمار من وجهة نظر مادية فقط، مثل ترميم الطرق والجسور وبناء المباني الجديدة، بل أيضاً إلى لمّ شمل المجتمعات التي مزّقتها الحرب. إذ فرّ نحو ثلث سكان البلاد البالغ عددهم 43 مليون نسمة من منازلهم منذ فبراير/شباط، ولجأ نحو 8 ملايين شخص منهم في جميع أنحاء أوروبا، كثير منهم من النساء والأطفال. ويقول الاقتصاديون إن الرجال وكبار السن يشكّلون الشريحة الأكبر ممن بقوا في أوكرانيا.

ويشير التقرير أيضاً إلى أنه "بينما تميل المحادثات الحالية إلى التركيز على البنية التحتية المُدمَّرة، فإن الكارثة الديموغرافية المحتملة قد تكون ذات أثر أعمق على المدى الطويل". وأشار ميلوفانوف إلى أن 70% من طلابه في كلية كييف للاقتصاد يحضرون إلى الكلية حتى في ظل القصف والحظر وانقطاع التيار الكهربائي، وقال إنهم "يحضرون إلى صفوفهم ويحرصون على التعلّم، وإن هذه النسبة أعلى بكثير مما كانت عليه في أثناء الجائحة عندما كان الجميع يرغبون بالبقاء بمفردهم، لكنّهم الآن يريدون أن يقضوا وقتهم معاً".


image
image