المحتوى محمي
المحتوى محمي
نفط وطاقة

خبير يصحح 3 أفكار خاطئة عن أزمة الطاقة العالمية الحالية

يوضّح المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول المغالطات الثلاث التي غالباً ما تصاحب الأخبار المتعلقة بأزمة الغاز التي تجتاح أوروبا.

بقلم


money

فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة (مصدر الصورة: Thomas Lohnes- Getty Images)

أوقفت روسيا مؤخراً تدفق الغاز إلى ألمانيا عبر خط أنابيب نورد ستريم 1 الرئيسي وارتفعت أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي بنسب جنونية بالتزامن مع بدء الفترة الباردة من العام في أرجاء أوروبا، ويهدد الكرملين حالياً باستمرار توقّف إمدادات الغاز إلى أوروبا حتى يرفع الغرب عقوباته عن موسكو.

وباختصار، إن الآفاق قصيرة المدى للطاقة العالمية متشائمة، لكن المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة (International Energy Agency)، فاتح بيرول، قال في مقال رأي نشرته صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times) إن هناك ثلاث أفكار شائعة لكنها خاطئة بشان أزمة الطاقة العالمية، ووصفها "بأنها خاطئة بصورة خطرة في بعض الحالات" وتزيد الطين بلة. ويوضّح بيرول المغالطات الثلاث التي غالباً ما تصاحب الأخبار المتعلقة بأزمة الغاز التي تجتاح أوروبا، ويعتقد أنه يجب اعتبار هذه الأزمة بداية فرصة تحوّل تاريخية نحو عالم أنظف.

المعلومة الأولى: موسكو تفوز بمعركة الطاقة

يشير بيرول إلى أن روسيا بلا شك مورد ضخم للطاقة وأن الحرب في أوكرانيا قد تسبّبت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ولكن في حين أن ارتفاع الأسعار يخلق مكاسب غير متوقعة لروسيا، لكن "مكاسب الإيرادات قصيرة الأجل يقابلها خسارة أكبر من ناحية الثقة والأسواق التي تعمل فيها روسيا لسنوات عديدة قادمة". وقال بيرول إن موسكو تلحق بنفسها "ضرراً طويل الأمد بابتعادها عن الاتحاد الأوروبي".

وتعد روسيا ثالث أكبر منتج للطاقة في العالم، وكان الاتحاد الأوروبي ذات يوم أكبر سوق لها، حيث كانت روسيا مصدر نحو 40% من الغاز الطبيعي المستهلَك في الاتحاد قبل غزو روسيا لأوكرانيا.

ويعتقد بيرول أنه من غير المرجح أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، نظراً لأن المملكة المتحدة والولايات المتحدة قد قلّصتا مشترياتهما من النفط الروسي ووافق الاتحاد الأوروبي على خفض وارداته النفطية من روسيا بنسبة 90% بحلول نهاية العام. وأضاف بيرول إن "مكانة روسيا في منظومة الطاقة الدولية تتغيّر جذرياً، وهذا التغيّر ليس لصالحها".

كما تتجاهل رواية فوز موسكو في معركة الطاقة الآثار الكبيرة على المدى المتوسط ​​للعقوبات الدولية المفروضة على قطاع النفط والغاز الروسي، والتي تعيق قدرة روسيا على إنتاج النفط والغاز. وتتطلع روسيا إلى التنقيب في حقول النفط التي يصعب الوصول إليها -بما فيها المناطق البحرية وفي القطب الشمالي- لزيادة مواردها، لكنها قد لا تستطيع ذلك بغياب الشركات والتكنولوجيات ومقدمي الخدمات الغربيين.

كما تخطط روسيا أيضاً إلى تسييل إنتاجها من الغاز الطبيعي لبيعه إلى مشترين جدد خارج الاتحاد الأوروبي، وهو أمر قد يكون شبه مستحيل دون شركاء وتكنولوجيات دوليين، وكانت تنوي تصدير 120 - 140 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً بحلول عام 2035، وهذا يبلغ أربعة أضعاف المستوى الحالي. وأوضح بيرول أن "خطط التوسع في قطاع الغاز الطبيعي المسال الروسي قد عادت إلى مرحلة التخطيط الأولى فقط".

وقد ترددت أصداء هذه الآراء في تقرير داخلي أعدّته الحكومة الروسية وذكرت فيه أن روسيا قد تواجه ركوداً أطول وأعمق مع انتشار تأثير العقوبات الأميركية والأوروبية، وكشف التقرير عن أن الافتقار إلى التكنولوجيا اللازمة لبناء مصانع الغاز الطبيعي المُسال أمر "بالغ الأهمية" وقد يعيق الجهود المبذولة لبناء مصانع جديدة، كما ذكرت وكالة بلومبرغ (Bloomberg) أيضاً أن الانخفاض الحاد في الطلب على النفط الروسي قد يؤدي إلى تخفيضات حادة في الإنتاج، ما يجعل السوق المحلية تعاني من نقص في الوقود أيضاً.

المعلومة الثانية: أزمة الطاقة العالمية اليوم هي أزمة طاقة نظيفة

يقول بيرول إن "هذا ادعاء سخيف"، موضحاً أنه يلتقي باستمرار مع صانعي السياسة ولا أحد يشكو من مشاكل مرتبطة بزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة، بل يفضلون لو أنهم يعتمدون عليها بشكل أكبر في الواقع.

ويشير إلى أن صانعي السياسات نادمون على عدم اتخاذ إجراءات أسرع لبناء محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحسين كفاءة الطاقة في المباني والمركبات، وإطالة عمر الخدمة للمحطات النووية. وقال: "كان من الممكن أن تساعد زيادة الاعتماد على الطاقة منخفضة الكربون في تخفيف حدة الأزمة، ويمثّل الانتقال السريع من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة أفضل طريقة للخروج من هذه الأزمة".

ويعتقد بيرول أن العامة "يحرفون الأنظار بعيداً عن الجناة الحقيقيين -أزمة إمدادات الغاز وروسيا- وراء أزمة الطاقة عن قصد أو بغير قصد" عندما يلقون باللوم على سياسات الطاقة النظيفة والمناخ في التسبب بأزمة الطاقة.

المعلومة الثالثة: أزمة الطاقة هي نكسة كبيرة ستعوقنا عن مواجهة التغير المناخي

إن الأزمة الجلية حالياً هي تذكير صارخ بعدم استدامة منظومة الطاقة الحالية التي سيطر عليها الوقود الأحفوري منذ الثورة الصناعية.

وهناك فرصة ثمينة لجعل هذه الأزمة "نقطة تحول تاريخية نحو نظام طاقة أنظف، وبأسعار معقولة، وأكثر أماناً" برأي بيرول. وفي الواقع، تمّ وضع عدد من خطط الحوافز الكبيرة لرفع أهداف الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة في جميع أنحاء العالم منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، فمثلاً أطلق الاتحاد الأوروبي خطته المسماة آر إي باور إي يو (REPowerEU) لتسريع تقليل اعتماده على الوقود الأحفوري الروسي.

ووضعت الولايات المتحدة قانون خفض التضخم (Inflation Reduction Act)، الذي سيخصص 370 مليار دولار لأمن الطاقة واستثمارات مواجهة التغير المناخي بشكل مجموعة من تكنولوجيات الطاقة النظيفة، بما فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والمركبات الكهربائية، وتكنولوجيا احتجاز الكربون، والهيدروجين.

أما في آسيا، فإن اليابان تتطلع إلى إعادة تشغيل بعض المحطات النووية وبناء المزيد منها وتعزيز التكنولوجيا منخفضة الانبعاثات ضمن مبادرة جي إكس للتحول الأخضر (GX green transformation)، بينما تواصل الصين تحطيم الأرقام القياسية في مشاريع الطاقة المتجددة وإنتاج المركبات الكهربائية الجديدة سنوياً، وتعمل الهند أيضاً على إنشاء سوق للكربون وتعزيز كفاءة الطاقة في المباني والمعدات المختلفة.

ويقول بيرول متفائلاً: "لا تصدقوا كل الروايات السلبية عن أزمة الطاقة"، حيث يقر بوجود بعض التحديات الصعبة الناجمة عن هذه الأزمة، لكنه يقول أيضاً إن هذا لا يعني أن روسيا تفوز بمعركة الطاقة، أو أن جهود مواجهة التغير المناخي محكوم عليها بالفشل. ويمكننا ختاماً أن نقول إن "ما بعد الضيق إلا الفرج"، حيث قال بيرول إن "صدمات قطاع النفط في السبعينيات قد أدّت إلى تقدم كبير في كفاءة الطاقة، والطاقة النووية، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح. ويمكن أن يكون لأزمة الطاقة الحالية تأثير مماثل، وأن تساعد في تسريع التحول إلى مستقبل طاقة أنظف وأكثر أماناً".


image
image