المحتوى محمي
المحتوى محمي
حكومي

هل تستطيع الكويت الاستغناء عن الوافدين دون مخاطر اقتصادية؟

أزمة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية سرّعت مغادرة الوافدين، لكنها ليست السبب الرئيس.

بقلم


money

(مصدر الصورة: فورتشن العربية)

غادر نحو 257 ألف وافد أجنبي بشكل نهائي من الكويت العام الماضي (2021)، ما يشير إلى نقص في اليد العاملة، وفقاً لما جاء في تقرير لوحدة "ايكونوميست انتليجنس" للأبحاث، ونقلته صحيفة القبس الكويتية، حيث تسارعت وتيرة رحيل الوافدين منذ بداية جائحة كوفيد - 19 في عام 2020 التي تسببت بركود اقتصادي.

أزمة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية سرّعت مغادرة الوافدين، لكنها ليست السبب الرئيس، فقد شنت الكويت حملة على المخالفين في الإقامات ونظام العمل، أدت إلى إبعاد أكثر من 18 ألف وافد أجنبي خلال 2021 بحسب إدارة الإبعاد وشؤون التوقيف المؤقت، وفي مارس/آذار 2021 أكدت مصادر حكومية لجريدة الأنباء الكويتية أن نظام الخدمة المدنية اشترط فيمن يعيّن بإحدى الوظائف الحكومية أن يكون كويتي الجنسية ومسجلاً في نظام التوظيف المركزي، وإن لم يوجد تكون الأفضلية لأبناء الكويتيات ثم لأبناء البلاد العربية.

ويعود الضغط على الوافدين من قبل الكويت إلى عام 2017، حينما أقر ديوان الخدمة المدنية القانون رقم 11 لتحديد نسب معينة للوافدين في الوظائف الحكومية ضمن سياسة التكويت، على أن تقوم الجهات الحكومية بتخفيض عددهم سنوياً ولمدة 5 سنوات (2022) للوصول إلى نسب محددة لكل مجموعة وظائف، ونتج عن القرار العام التالي إلغاء عقود 3,140 وظيفة لوافدين في القطاع الحكومي. لكن حتى تاريخه، لا يزال الوافدون يشكلون أغلبية السكان.

القرار 11 لعام 2017 "طبّق شكلياً"، بحسب ما قاله الخبير الاقتصادي الكويتي محمد رمضان لـ"فورتشن"، مؤكداً أنه تم الاستغناء عن الوافدين في الوظائف الحكومية، لكن واقع الحال بقي نفسه، وكل مافي الأمر، هو أن الوافدين كانوا موظفين في جهات حكومية وتحولوا لموظفين ضمن شركات خاصة تستعين بهم الجهات الحكومية بعقود خدمات.

وتابع "الوظيفة الحكومية في الكويت جزء من توزيع ثروة البلاد، وبالتالي المواطن ليس مضطراً لأن يؤدي مهامه بالشكل المطلوب، لذلك الاستعانة بالوافدين أمر ضروري، بالإضافة إلى أن القطاع الخاص يحتاج إلى أعداد أكبر بكثير من عدد المواطنين الموجود، ما يجعل الاستغناء عن الوافدين أمر مستحيل تقريباً".وضغط أعضاء في البرلمان طيلة السنوات الماضية على التسريع بوتيرة تخفيض عدد الوافدين، ووصلت الضغوط إلى حد تقديم مقترح بقانون في تشرين الأول 2021، يفرض ضريبة لا تقل عن 5% من تحويلات الوافدين إذا تجاوزت 50% من الدخل السنوي، بينما ترى الحكومة بحسب صحيفة "الرأي"، أن مقترح الضرائب له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الكلي، ويخالف التزامات الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي والكويت من بينها، ويتعارض مع رؤية الكويت مركزاً مالياً وتجارياً.

هل من خطورة على النفط؟

الكويت تعتمد على النفط بأكثر من 80% في إيراداتها، وتأثّر هذا القطاع سلباً بانخفاض الأسعار خلال جائحة كورونا وضوابط "أوبك" التي تفرض زيادة مدروسة فقط من الإنتاج.

هدف الحكومة بزيادة إنتاجها من النفط إلى 3.5 مليون برميل في اليوم بحلول 2025، مهدد بحسب تقرير"إيكونومست"، فالاستغناء عن الوافدين في القطاع العام يعني الاستغناء عن المهندسين الأجانب، حيث أكدت بتقريرها أن الافتقار إلى المهندسين الأجانب أدى إلى إعاقة إنتاج النفط بشكل مستمر، حيث تراجع متوسط حجم إنتاج النفط اليومي خلال 2021 إلى 2.41 مليون برميل يومياً مقارنة مع 2.43 مليون برميل في 2020.

لكن رمضان لا يرى أي خطورة على القطاع النفطي، قائلاً "لا يمكن تعريض هذا القطاع للخطر كونه حساس، ونسبة الكويتيين فيه عالية جداً، إضافةً إلى أنه لا يمكن إجبار القطاع النفطي على الاستغناء عن الوافدين".

مخاطرة اقتصادية

تضم الكويت 4.3 مليون نسمة بحسب آخر تقدير صادر عن الإدارة المركزية للإحصاء عام 2021، منهم 1.39 مليون كويتي مقابل 2.94 غير كويتي، أي أن الوافدين لايزالون أكثر من ضعف عدد السكان المحليين، وبحسب تقرير "ايكونوميست انتليجنس".

وبحسب التقرير، هناك خطة حكومية لتحقيق توازن ديموغرافي بين الوافدين والكويتيين بحلول عام 2025، حيث من المتوقع أن يبلغ عدد المواطنين في ذلك الوقت حوالي 1.7 مليون، مقابل رحيل حوالي 1.6 مليون وافد.

ويعتبر السعي إلى تخفيض نسبة الوافدين قياساً بعدد السكان من 70% تقريباً إلى أقل من 50% خلال 6 سنوات، مخاطرة اقتصادية تؤثر على النمو نتيجة انسحاب محرك رئيسي، وهذا بحاجة خطط ذكية ومبتكرة، في وقت يضغط فيه برلمانيون على تسريع الوتيرة بالعمل على إعادة تركيبة السكان، حيث كان من المفترض أن يتم تطبيق قانون يحمل الرقم 74 لعام 2020 والقاضي بتنظيم التركيبة السكانية، لكن اللائحة التنفيذية التي من المفترض أن تصدر خلال عام، لم تصدر بعد.

وبمجرد صدور القانون 74 انخفض عدد الوافدين في القطاع العام بشكل كبير، بحسب تقرير "ايكونوميست انتليجنس" الذي أشار إلى أن "أكثر من 65% من الوافدين يعملون ضمن وزارتي الصحة والتعليم  في القطاع العام اللتين من المرجح أن تواجها اضطرابات تشغيلية بسبب مغادرة العمالة الوافدة في فترة تتجه فيها الجهود الحكومية بشكل متزايد نحو الرعاية الصحية والموارد البشرية".

لكن، رمضان يستبعد نجاح أي خطة لتخفيض عدد الوافدين، قائلاً "لا توجد رغبة من قبل المواطنين بالقيام بأعمال الوافدين، وأحياناً لا توجد قدرة لأن يحلوا محلهم، حيث لا يوجد عدد كافٍ من المواطنين الأطباء والممرضين والمدرسين ووظائف كثيرة أخرى.

وأكد لـ"فورتشن"، أن "الاستغناء عن الوافدين خلال مدة قصيرة خطير على الاقتصاد، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك سلسلة مطاعم عالمية كانت تفتح 24 ساعة في الكثير من الأفرع، أما اليوم فتفتح لساعات أقل نتيجة مغادرة العديد من العمالة الوافدة، ويمكن القياس على هذه الحالة، حيث لا توجد عمالة كافية والنشاط الاقتصادي لا يمشي بالوتيرة التي يجب أن يمشي فيها".

محرك نمو وتنافسية

العمالة الوافدة تهيمن على القطاع الخاص في الكويت الذي يعمل فيه قرابة 1.6 مليون وافد ونحو 73 ألف مواطن فقط، بحسب تقرير "إيكونوميست"، الذي أشار إلى أن اللوائح الحكومية لا تأخذ في الاعتبار عدم رغبة معظم الكويتيين في القيام بالعديد من الوظائف التي تهيمن عليها العمالة الأجنبية الوافدة، وتفضيل القطاع الخاص للوافدين، الذين عادة ما يكونون أرخص في التوظيف وأكثر إنتاجية.

وينعكس عدم رغبة بعض الكويتين بالعمل في بعض الوظائف المتاحة، ضمن بيانات هيئة القوى العاملة في الكويت، حيث تظهر جداول "نسبة المسجلين من الباحثين عن عمل لدى الهيئة في القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي"، وجود 22,730 شخص كويتي يبحث عن عمل عبر الهيئة، ويعتبر هذا العدد هو الأعلى منذ عام 2013.

ولتحقيق النمو الاقتصادي، يجب أن تزيد نسبة الوافدين إلى تعداد السكان حتى 80 – 85%، ويجب أن يكون هناك توعية للمواطنين بأن زيادة النسبة هي الوسيلة المثلى للنمو وكلما انخفضت يمكن أن يحدث إشكال فيه وربما تتجه الكويت للنمو السالب (انكماش)، وفقاً لرمضان الذي أكد أن الاستياء من الوافدين شعبي فقط.

وفي دراسة أعدتها مؤسسة InternNations العام الماضي 2021، جاءت الكويت في المركز الأخير من بين دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة للمغتربين للمرة السابعة في ثماني سنوات، من حيث جودة الحياة وسهولة الاستقرار فيها، وهذا ما وجّه الاستثمار الأجنبي المباشر إلى بلدان أخرى في المنطقة، خاصة وسط تنافس الدول الأقوى اقتصادياً على تلك الاستثمارات عكس ما تقوم به الكويت.

ومن المتوقع أيضاً أن يفقد الاقتصاد غير النفطي العمالة الماهرة، حيث يشغل العديد من الوافدين مناصب إدارية في أكبر الشركات والبنوك والمؤسسات المالية في الكويت، وفقاً لـ"إيكونوميست"، لذلك "لا يمكن الاستغناء عن الوافدين، فهم المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي" بحسب الخبير الاقتصادي محمد رمضان، الذي طالب بوضع "خطط عكسية لجذب المواهب من الوافدين لتحقيق النمو الاقتصادي، فمستوى مخرجات التعليم في الكويت يجعل توظيف المواطنين صعباً ببعض المجالات ولو تم الضغط في سبيل ذلك".

وحذر أستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت، نواف الصانع، في حديثه مع "العربي الجديد" في 2019، من أن التوجه للتخلي عن الوافدين، سيؤدي إلى هروب أصحاب الكفاءات منهم للعمل في دول خليجية مجاورة تفتح لهم أبوابها وتسعى إلى استقطاب العمالة الوافدة الماهرة".

لكن ورغم مخاوف البعض، إلا أن نهج الكويت فيما يتعلق بالوافدين يشبه إلى حدٍ ما نهج سنغافورة، فمنذ بداية الجائحة، انخفض عدد العاملين الأجانب من عمال المنازل الفلبينيين إلى المصرفيين الاستثماريين الفرنسيين، بنسبة 16% إلى 1.2 مليون شخص، وانخفض عدد العاملين الأجانب في وظائف مكتبية بنحو 14% إلى 167,000 خلال الفترة ذاتها.

وفرضت سنغافورة خلال العامين الماضيين إجراءات مثل اشتراط حصول حاملي تصاريح العمل، على تصاريح دخول وتأشيرات، لدخول سنغافورة مرة أخرى، ما دفع العديد من المغتربين للشعور بأنّهم لم يحصلوا على نفس الاعتبارات التي يتمتع بها المواطنون، خاصة أن أزمة كوفيد-19 ساهمت بتسريع الاتجاه نحو تفضيل الموظفين المحليين.

نسبة الأجانب في سنغافورة حالياً 27% وهي منخفضة قياساً بالكويت، إضافةً إلى معدلات نمو اقتصادها الملفتة حيث وصل النمو عام 2021 إلى 7.2%، وهو الأسرع منذ 2010، تجعل الاستغناء عن الأجانب أسهل.


الوسوم :   الكويت ،  نفط ،  وظائف جديدة ،  كوفيد-19
image
image